طابخ السُم آكله… 11 سبتمبر قد تكون دعابة

طابخ السُم آكله… 11 سبتمبر قد تكون دعابة

إذا قلنا إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية منذ بدء الأزمة السورية لم تترك وسيلة أو موقفاً أو إجراء إلا واتخذته لحماية سلطة القتل القائمة في دمشق، سيُصاب المراهنون على إنقاذ الولايات المتحدة لهم من استبداد وإجرام هذه السلطة بخيبة أمل وإحباط.
هم محقون برهانهم على أمريكا بحكم جمعها خيوط اللعبة الدموية بيدها؛ فهي القادرة على لجم الايرانيين عبر ملفات لا حصر لها، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني؛ وهي القادرة على ضبط إيقاع الروس، كي يمارسوا بدورهم الضغط على من يقتل بأسلحتهم في دمشق؛ وهي القادرة على الحد من الجشع الإسرائيلي الذي راقه تطبيق شعار «الأسد أو نحرق البلد»؛ وهي التي احتكرت بيدها إطلاق أو كبح يد بعض الدول العربية أو الصديقة تجاه السوريين من أجل البقاء والدفاع عن انفسهم.
إدارة أوباما لم تفعل شيئاً من هذا؛ بل قامت بما هو أدهى وأخطر، لقد رضيت على نفسها أن تُوصف بالمترددة والمتخاذلة والخائفة؛ وحرصت على أن تكون تصريحاتها معاكسة لما تقوم به.. ومن هنا خيبة أمل السوريين وإصابتهم بالاحباط؛ فلم يكن خط أوباما الأحمر إلا ضوءاً أخضر لمزيد من القتل والدمار؛ ولم يكن ما حدث في مجلس الأمن من تعنت أمريكي إلا تبريرا وتقديما لاستخدام الروس للفيتو؛ وما كانت الأحاديث النارية عن إيران، واستبعادها من جنيف وغيره إلا إطلاقا ليدها لمزيد من التحكم في المصير السوري تحت رعايتها؛ وما كان الصمت تجاه الجشع الاسرائيلي إلا تنفيذا لما تطمح إليه إسرائيل في بعثرة سورية وأهلها.
عندما يحصر السيد أوباما السياسة تجاه سورية بشخصه، جاعلاً قرار أي طلقة على الساحة السورية بيده حصراً، فهو بذلك يكبل أيدي فريقه العامل في الشأن السوري… فمن كان يسمع كلام جون كيري وزير الخارجية أو تشاك هيغل وزير الدفاع السابق أو حتى أوباما ذاته، تراه يبدأ بعدّ الأيام المتبقية للسلطة في دمشق. وما ان خرج هيغل وزير دفاعه قليلا عن السيناريو المرسوم وباح بالمستور حتى وجد نفسه خارج الادارة. السيد أوباما ذاته أقر وصرح بأن «داعش» وبشار وجهان لعملة واحدة، ولكنه يقرر بكل صلف وبما يبدو عشوائياً أن يستهدف أحد وجهي العملة فقط، متذرعاً بعدم وجود استراتيجية؛ ليعود بعد أيام ويعلن عن استراتيجية تثبت فشلها يوماً بعد يوم عاكسة اللايقينية والتردد والفشل.
واهم من يتصوّر أن أمريكا لا تعلم ما تفعل، أو أنها لا تدرك أن احتواء «داعش» أو القضاء عليه لا يكون بتقويته عبر سد كل المنافذ على أولئك الموجودين في بيئة «داعش» ومحيطها، بحيث لا يبقى أمامهم إلا باب «داعش» ليدخلوه مجبرين لا مختارين. واهم أيضاً من يعتقد ان أمريكا لا تدرك انها تستهدف نوعاً معيناً من الاسلام عندما تستهدف «داعش»؛ ومن هنا فإنه إن كان الهدف الأمريكي تعميق الجرف الفئوي الطائفي الهائل، فإن الغاية قد أُنجزت ببراعة. وما هذا الحماس الزائد في إرشاد أو نُصح امريكا بأنها تخلق بيئة معادية للتحالف/ بيئة متعاطفة مع «داعش» إلا فضول و( كثرة غلبة ) امريكا ليست ممتنة له؛ لأنها حتماً تعرف ما تفعل.
ربما في المحصلة النهائية لا تريد أمريكا إلا أن يحدث ذلك تماما؛ أي ان يدخل الاسلام الذي تريده في الثقب الأسود لـ»داعش» ليصبح هناك ترادف مطلق بين مفردات ثلاث: (عرب – إسلام – إرهاب). المعادلة هذه موجودة ومكرّسة في العالم الغربي والأمريكي تحديداً؛ ولكن ما جديد امريكا في هذه المعادلة هو «نوع معين من الاسلام» إيران خارجه.
قد تنجز امريكا أهدافها، وقد تنال إيران جرعة هائلة من الغبطة والحبور؛ ولكنهما زرعا لنفسيهما عداء لن تذهبه مئات السنين؛ فمن يشعل النار ويسكب أحقاده وأمراضه عليها لابد أن يكتوي بلهيبها طال الزمان أو قصُر، وأول المحترقين سيكون ملالي إيران الذين يزرعون زرعاً خبيثاً سيحصدون مراره بأيديهم وعلى يد أمريكا ذاتها.
تعرف أمريكا أن أولوياتها في المنطقة تنحصر بمسألتين: النفط وإسرائيل. كلاهما الآن في الميزان. إن استمرت بهذا العبث، وحدث ما تضمره بخبث ودخل الجميع في الثقب الأسود؛ فلن يبقى أحد في منطقتنا خارج هذا الثقب، بما في ذلك أولويتا أمريكا. اعتقد من بنى سد الصين بانه سيكون الحصن المنيع أمام الأعداء، ولكنه اختُرق. وفي عصرنا الحديث، جدار برلين تبعثرت أحجاره؛ ولن يكون مصير جدار الفصل العنصري الذي بنته اسرائيل مختلفا. أمريكا لا تزال تعتقد أن اختراق الأطلسي والهادي مسألة صعبة. الحادي عشر من سبتمبر ربما تعتبر دعابة سطحية إذا استمرت أمريكا بحشر أهل منطقتنا في الثقب الأسود. هناك من يعتقد ان أمريكا لن تصل الى هذا الدرك؛ وستدرك فعلا المعنى الحقيقي للثقب الأسود الذي خلقته.

٭ كاتب سوري

د. يحيى العريضي

شارك