السلطة الرابعة : ميلاد ثورة الكرامة بين المناطقية و ضياع المعايير !

السلطة الرابعة : ميلاد ثورة الكرامة بين المناطقية و ضياع المعايير !

تحل علينا اليوم الذكرى السنوية لانطلاق ثورة الكرامة السورية رسميا في 18 / 3 / 2015 , و جرت تحضيرات كبيرة في سورية و خارجها منذ أيام و حتى الآن لفعاليات كبيرة للتضامن و التأكيد على استمرار الثورة حتى نيل أهدافها كاملة , و ذلك بسبب مرور اربع سنوات على الثورة السورية و دخولها في السنة الخامسة .. في السياق ذاته , عانت الثورة السورية من إحدى أكبر مشكلاتها منذ انطلاقها إلى الآن , ألا و هي المفاهيم و المعايير و الضوابط و أدوات القياس لكل عناصر و معطيات و أحداث الثورة و ما يحيط بها على كافة الأصعدة و المستويات , مما أدى إلى خلل كبير جداً في التقييم و القياس لكل تفاصيل الثورة و ما يربط و يخص بها , لعدم وجود هذه الضوابط . إحدى هذه الإشكاليات التي بُثّت لشق الصف و جعلها محط جدل و خلاف و إلهاء و تشويش لدى جميع الثوار السوريين , و هو تاريخ إنطلاق الثورة السورية المباركة !

هل هو في 15 آذار أم 18 آذار 2011 !؟ , حيث كان أمرا مقصودا بعناية بشكل رئيسي من قبل من نصّبوا أنفسهم في مواقع المسؤولية في الثورة بكل أشكالهم , إضافة إلى المؤثرات الأخرى على رأسها الإعلامية , بالرغم من أن هذا الموضوع أمر ثانوي أمام الهدف الأكبر . و في هذا الصدد برأيي انه لا يجب ان يكون هذا الأمر سبب للتنازع فيما بيننا و يتم تضخيم الأمر لدرجة تنسينا مآسي الثورة السورية و الشعب المنكوب و المهجر و آلامه و لازالت دمائه تسيل من ذاك الوقت حتى الآن ! و الأحرى بنا الاحتفال الحقيقي بيوم النصر و اسقاط نظام الأسد الارهابي و حلفائه , و لكن من جانب آخر و هو مهم جداً , أن عملية تزوير التاريخ و تغير مسببه لنسب صناعة الحدث لصالح طرف او جماعة على حساب سبب او مسبب أسمى من كل التسميات فهو أمر لا يمكن السكوت عنه , حيث أنه يجب تحديد هذا التاريخ أو سواه بكل تجرد بعيداً عن أي مناطقية أو تجييرات لصالح منطقة أو جهة أو طرف معين طبقا لمعايير مضبوطة و صحيحة , حرصا على عدم تزويره أو التلاعب به . حتى نستطيع معرفة هذه المعايير يجب أن نرجع إلى أليات تحديد التاريخ و العوامل التي وضعها علماء التاريخ و نستعين بها , فبحسب مقاييس أو معايير تحديد التواريخ , من أهم معاييره هي حصول حدث هام , و يوضع بعين الاعتبار عوامل أخرى أساسية مثل مسبب الحدث , الظرف المكاني و الزماني و الأحداث المصاحبة , العوامل المحيطة و المؤثرة … الخ , و بذلك تتوفر شروط متكاملة لتحديد تاريخ معين . في الثورة السورية , طرأت عدة عوامل ساهمت بانطلاق هذا الحدث التاريخي العظيم , منها التأثر بما حصل في تونس و مصر و غيرها , مما أدى إلى شحن حالة داخلية لدى الشعب السوري المكبوت كانت متراكمة بألم لعقود , لتبيان هذا الأمر سوف أقوم باستعراض للأحداث و الوقائع بتواريخها و بعض التلخيص لأهم هذه الإرهاصات كالتالي :

* 18 كانون الثاني ( يناير ) 2011 : تأسست ” صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد ” ، لتكون أول صفحة على موقع الفيس بوك من نوعها تتكلم ضد نظام الأسد .

* 3 شباط ( فبراير ) 2011 : نظم اعتصام بالشموع للتضامن مع ثورة مصر، ونظم الاعتصام الأول بالشموع أمام مقر السفارة المصرية ، بينما نظم الثاني عند باب توما في دمشق القديمة، وتعرض المعتصمون الذين شاركوا في هذا الاعتصام للضرب من قبل الشبيحة في ظل عدم تدخل للقوات الأمنية للنظام الأسدي بحسب ما قالت منظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش .

* 5 شباط ( فبراير ) 2011 : دعت ” صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد ” إلى تنظيم يوم غضب في سوريا ، لتكون أول دعوة علنية للثورة على النظام منذ عقود، ولم يجر يومها أي نشاط يذكر ، وبلغ عدد المشاركين في الصفحة آنذاك نحو 2000 مشترك تقريبا ، وهو رقم مهم في تلك الأثناء .

* 17 شباط ( فبراير ) 2011 : احتجاج في حي الحريقة في مدينة دمشق ، حيث تجمع عدد من المواطنين بعد إعتداء شرطي على أحد المواطنين ، وفي هذا الإحتجاج هتف المحتجون لأول مرة ” الشعب السوري ما بينذل ” .

* 22- 23 شباط ( فبراير ) 2011 : اعتصم عدد من السوريين أما السفارة الليبية في دمشق تضامنا مع ضحايا المجزرة التي تنفذها القوات الليبية ضد المحتجين في طرابلس و بنغازي و البيضاء و العديد من المناطق الأخرى .

* 27 شباط ( فبراير ) 2011 : قامت قوات امن النظام و شبيحته باعتقال عدد من الأطفال بعد أن قاموا بكتابة عبارات تعبر عن الحرية و الكرامة على جدران مدرستهم في محافظة درعا متأثرين بموجة الثوارات العربية , وقد تم تعذيبهم و التنكيل بهم وسادت حالة من الغليان الشديد من قبل الأهالي في محافظة درعا خاصة و بعض المناطق السورية عامة بسبب هذه الحادثة .

* 15 آذار ( مارس ) 2011 : دعت ” صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد “ في يوم 14 آذار ( مارس ) 2011 إلى التظاهر يوم الثلاثاء 15 آذار ( مارس ) 2011 بما يسمى يوم غضب سوري ، وبالفعل خرجت مُظاهرة في سوق الحميدية خلال ذلك اليوم و من الجدير بذكره هو أن المظاهرة انتهت بالهتاف لبشار الأسد بعد دخول قوات الأمن و مجموعة من الشبيحة هتفت له .

* 16 آذار ( مارس ) 2011 : اعتصم عدد من ذوي المعتقلين السياسيين اعتصاما أمام وزارة الداخلية بدمشق مطالبين بإطلاقهم ، لكن الأمن فرق الاعتصام , و اعتقل على اثرها عدد من المعارضين تم الافراج عن بعضهم في اليوم التالي . في الوقت الذي كان أهالي أطفال درعا يطالبون بأبنائهم و معرفة مصيرهم و لكن دون فائد أو جدى إضافة لإهانة و إذلال لكرامة و شرف الأهالي من قبل أمن نظام الأسد الإرهابي في درعا .

* 17 آذار ( مارس ) 2011 : أعلنت صفحة الثورة السورية عن أول جمعة في تاريخ الثورة السورية يوم الجمعة بتاريخ 18 آذار ( مارس ) 2011 ، و التي سمّيت ” جمعة الكرامة ” , و هي أول تسمية رسمية للثورة السورية .

* 18 آذار ( مارس ) 2011 : انطلقت مظاهرات حاشدة في يوم الجمعة باسم ” جمعة الكرامة ” في عدة مناطق في كل من درعا و دمشق و حمص و بانياس ، حيث سقطت دماء أول شهيد في ثورة الكرامة السورية و هو محمود جوابرة و ثانيهما في نفس اليوم حسام عياش ، حيث كانت دماء الشهداء وقودا لمظاهرات الأهالي في درعا خاصة و سورية عامة ، وخاصة مظاهرات التشييع في اليوم الذي تلاه .

من الاستعراض للوقائع و الأحداث مما سبق و بعد تقييمها و مقاطعتها نستنتج ما يلي : كل ما سبق تاريخ 18 آذار ( مارس ) 2011 هو عبارة عن إرهاصات مباشرة و غير مباشرة للثورة لعدة أسباب , أهمها أنه لم يكن هناك حدث عظيم و كبير بنفس حجم الحدث الذي حصل في تاريخ 18 آذار ,

معظم التحركات التي حصلت كانت بشكل حالات فردية و بأماكن محددة , بشكل مباشر أو غير مباشر ( دعوة الغضب في 5 شباط 2011 لم يحدث لها أي تحرك على الأطلاق , و الحدث الذي حصل في الحريقة هو عبارة عن مشكلة اعتداء شرطة على ابن احد اصحاب المحلات التجارية , الاحتجاج الذي حصل في 15 و 16 آذار كان من أجل المطالبة بمعتقلين سياسيين بشكل رئيسي من جهة و المطالبة ببعض الاصلاحات بأحسن الأحوال من جهة أخرى ) ! .

أما في يوم الجمعة تاريخ 18 آذار 2011 تجتمع عدة عوامل و أحداث هي التي تحكم بأنه تاريخ إنطلاق الثورة الصحيح و الحقيقي و ليس 15 آذار 2011 و التي هي :

1- السبب الأول و هو الأهم , ” المسبب ” الرئيسي و الجوهري لخروج هذه المظاهرة الكبيرة في درعا هو إهانة و انتهاك كرامة و شرف وجهاء درعا في الحادثة المشهورة لما عادوا في آخر زيارة لأجهزة الأمن السورية مطئطئي الرأس عندما رد عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي لنظام الأسد الإرهابي على الأهالي ” لا يوجد لدينا أطفال و إن أردتم غيرهم لدينا شبان ! أرسلوا نسائكم ليجعلوهم ينجبوا أولاد غيرهم !! ” , في إهانة للكرامة و انتهاك للشرف غير مسبوق لكبار و وجهاء درعا , بينما شبان ينتظرون الرد من الوجهاء يتفاجئون بالرد حين عودتهم , فبدأوا بالتحضير للمظاهرة في يوم الخميس ليوم الجمعة الواقع بتاريخ 18-3-2011 , و ذلك ردا ورفضا للإهانة و الذل و انتهاك الشرف و الكرامة من جامع الحمزة في درعا , وخرجت مظاهرة كبيرة انضم لها الاف المصلين في الجامع العمري والمئات من الاهالي ورفعوا لافتات ضد الظلم والفساد مطالبين باطلاق سراح الاطفال و هتافات للكرامة و الحرية .

2- السبب الثاني و الذي يأتي بالدرجة الثانية من الأهمية بعد السبب الأول – المسبب – سقطت دماء أول شهيد في ثورة الكرامة السورية , الشهيد : ” محمود جوابرة ” و بعده الشهيد ” حسام عياش ” في نفس اليوم , و هذا الحدث الكبير الذي الذي كان القوة الحقيقية الدافعة للثورة لاستمراريتها . لشعارات لـ “القصاص القصاص لمن اطلق الرصاص ” و ” الموت ولا المذلة” فكانت دماء الشهداء في هذا اليوم اعلان انطلاقة الثورة واتخذ السوريون القرار عدم الرجعة حتى يتم القصاص و احقاق العدل لدماء الشهداء التي سقطت . 3- تعدد المناطق التي انطلقت فيها المظاهرات ما بين درعا و دمشق و حمص و بانياس في نفس التاريخ , يوم الجمعة 18 آذار ( مارس ) 2011 , لنفس الدافع بعد أن انتشرت قصة اعتقال الأطفال و ما حصل مع أهالي و وجهاء درعا في كل أرجاء سورية . 4- تسمية يوم الجمعة تاريخ 18-3-2011 بـ :

” جمعة الكرامة “ و ذلك تأكيداً على السبب الأول و بذات الوقت اعتماده من جهة اتفق عليها من عدد من النشطاء و هي صفحة الثورة السورية . 5- الأهمية الرئيسية و المحورية ليوم الجمعة و الدور الأساسي في تسميته كعنوان عريض للثورة و دوره المؤثر لاستمرار و توجيه مسار الثورة , و الذي هو بنفس التاريخ أي 18 آذار 2011 . 6- إن الحراك الذي إنطلق في درعا بمسببه هو الذي كسر جدار الخوف و رهبته بقوة الدماء و هو الذي كان قادرا على الاستمرار و الوقوف وجه البندقية و الآلة العسكرية للنظام الأسدي الإرهابي .

7- جميع المظاهرات التي خرجت في المناطق خارج درعا كدمشق و حمص و غيرها كان شعارها الرئيسي هو نصرة لدرعا و ليس نضرة لمظاهرة دمشق , و هذا ليس تقليلا لها مطلقا و انما إشارة إلى ارتباط الحدث و فعله بالسبب و المسبب . مما سبق نلاحظ الفارق الكبير بين تاريخ 15 آذار و 18 آذار من حيث أهمية الحدث , السبب و المسبب للحدث , القوة الدافعة للحدث , عدد المناطق التي خرجت في نفس اليوم من أجل هذا الحدث , العنوان ذو الدور الأساسي و أهميته في توجيه مسار الحدث , و الذي هو واضح جدا اجتماع عدة عناصر و مقومات في تاريخ 18 آذار , مقابل عنصر واحد في تاريخ 15 آذار و الذي لا يساوي أصغر سبب من أسباب تاريخ 18 آذار , و هنا أؤكد على عدم التقليل من أي حدث من الأحداث التي حصلت و لكن لموضوعية و منطقية وضع هذا التاريخ و كيفية تحديده . و على ذلك فإن تاريخ إنطلاق ثورة الكرامة السورية الحقيقي هو 18 آذار 2011 و ليس 15 آذار , و ما سبق هو حسم لجدلية تاريخ الثورة و متى بدأ , و يظهر هنا أن التمسك من قبل البعض سواء عن عدم معرفة او عن قصد و اصرار , هو سلب حقيقي لحق أولياء الدم و تشويه و تحوير و تزوير للسبب الجوهري للثورة السورية , و تنكر لمن قاموا بالتضحيات و دفعوا الدم الغالي في سبيل الثورة , إضافة لأمر هام , أن جميع الثوار بهيئاتهم و مؤسساتهم و كياناتهم اضافة لوسائل الاعلام يؤكدون أن درعا هي شرارة الثورة و مهدها بينما تعتبر بعض الأطراف أن 15 آذار تاريخ انطلاقتها مما يمثل تناقض كبير ! , و من الجدير ذكره أيضا أن ولادة الثورة من درعا على أيدي أناس عاديين شكلت ردة فعل كشفت بعض المعارضين التقليديين مما أدى لانفصال بعضهم عن الواقع ودخوله في “هيئة تنسيق” بينما انطوى آخرون تحت جناح النظام مثل قدري جميل وعلي حيدرو غيرهم , مما يضع دليلا آخر مضافا لما سبق , إذا هي ثورة كرامة قبل كل شيء من كل الحيثيات و المنطلقات و الدوافع و المسببات .

برأيي الشخصي أن السكوت عن أشخاص أو جهات أو أطراف تريد بناء مجد زائف و نسب صناعة الثورة لها على حساب دماء الشهداء و تضحياتهم هو خط أحمر و لا يمكن السكوت عنه مطلقا , و القضية أكبر من موضوع تاريخ فقط ! من جهة أخرى , بصرف النظر عن موضوع تاريخ وموعد انطلاق ثورة الكرامة السورية التي نغرق به كل عام , أعتقد أنه الأجدر بنا أن نبحث بما آلت إليه الثورة من احتلال فارسي و حلفائه الطائفيين و دعم نظام الإجرام و الإرهاب , نظام الأسد و مليشياته , و تواطئ لا بل دعم الغرب لآلتهم الوحشية الإرهابية , و لا ننسى تجار الدم السوري من باحثي المناصب و الأضواء و راكبي أمواج التسلق على الشعب السوري على حساب ثورة و شهدائها و تضحياتها , و الآلية لمحاربتهم و اعادة موجة الثورة مسارها الصحيح و لاننسى وضع بعين الاعتبار أننا دخلنا مرحلة تحرر شامل من استعمار مركب على الأمة بكاملها , و الثورة مستمرة بسواعد أحرارها .

10422206_10202852408225883_6060243117080830251_n السلطة الرابعة : أحمد نبيه السيد علي

شارك