السلطة الرابعة : سمر بغجاتي … أما آن لنا أن نتعلم لغة الحوار !؟

السلطة الرابعة : سمر بغجاتي … أما آن لنا أن نتعلم لغة الحوار !؟

أكثر ما استوقفني على صفحات التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي الذي كنا نعيد فيه إحياء الذاكرة السورية بالتأكيد على السبب الرئيسي لانطلاق الثورة السورية– ثورة الحرية والكرامة- ولا نحتفل لأن الاحتفال يأتي لاحقا- لا يعبر إلا عن مدى عمق الشرخ الذي بات بين السوريين، وعلى استمرار نخره في النفوس دون التفكير بالمستقبل.

ليس الغريب اختلاف الرؤية فهذا ما اعتدنا عليه، لكن الغريب هو مدى العناد الذي يعاني منه الجزء الأكبر من المواليين والمعارضين على حد سواء في التأكيد على نفس اللهجة في التعامل مع الآخر رغم كل هذا الدمار الذي لحق بالبلد التي هي بلد الجميع! ولا أتحدث قطعا هنا لا عن السياسيين ولا عن العسكريين بل أتحدث عن الناس العاديين، عن الأصدقاء الذين تجافوا بعد الذي حصل والعائلات التي تفرقت بسبب اختلاف وجهات النظر والأخوة الذين ابتعدوا بسبب التعنت وعدم الرغبة بسماع الرأي الآخر، دون أن يفكر أحد ما بتغيير لهجة خطابه حيث يعتبر كل شخص نفسه هو الأكثر وعيا وفهما وغيره قصير نظر.

أمس قال لي أحدهم، ردا على منشور يطالب الأمم المتحدة بإقامة حظر جوي لمنع الطائرات من رمي براميلها المتفجرة فوق رؤوس المدنيين: “أعرف أنك أكثر ذكاء فلا تكوني جزءا من هذه اللعبة القذرة، إذا كانوا يقولون أن النظام هو من يقتل أطفال سورية (وأنا أشك بهذا)، هل تريدين من الغرب أن يأتي ليقتل ما تبقى من السوريين. لكن قبل أن تفعلي ذلك أرجو أن تعملي على منح كل السوريين فيزا لأوروبا وبعد ذلك ليأتوا ويدمروا ما تبقى من سورية! ” كنت أود أن أقول له أنه لو كان باستطاعتي حمل جميع السوريين خارج أرض الموت هذه لفعلت وعندها فليهنأ من يريد البقاء حاكما للماء والتراب والحجر، لأن الوطن بالنسبة لي هو البيت الذي لا يحق لأي شخص كائنا من كان أن يهينك فيه وأنه عندما يستباح هذا البيت يفقد معناه ويتحول من وطن إلى سجن…لكني عقبت بطريقة أخرى في محاولة للتوضيح والعتب، فجاء الرد الثاني أكثر حدة واتهاما!

هذا مثال شديد التهذيب عما يدور بين الآخرين من حوارات أخجل من استعادتها ولو على سبيل المثال. فلكل من يريد انتهاء القتل في سوريا أقول أن مثل هذه الحوارات التي تحمل اتهامات واضحة بالتخوين والرغبة بتدمير الوطن يجب أن تتوقف، خاصة ممن يؤمنون بوحدة سوريا أرضا وشعبا. لا يمكن أن نطالب بهذه الوحدة وندعو لها ونحن مازلنا نضرب على وتر الفرقة، وأعتقد أن أي شخص سوري مازال يعزف على هذا الوتر فهو حكما لا يريد الخير لهذا البلد لأنه مازال يدور في دائرة المؤامرة التي عشنا وتربينا عليها منذ عقود طويلة. وإذا لم نخرج من هذه العقلية ونستوعب دائرة المصالح ونعمل عليها سياسيا وفكريا فإننا سنبقى ندور في مكاننا حتى نخر ساجدين للأقوى. لهذا السبب أعتقد أن العمل الأكيد الذي يجب البناء عليه اليوم هو وحدة السوريين وليس فرقتهم. إذ ليس بالضرورة إذا نرد الاتهام باتهام آخر، فهذا أسهل ما في الأمر.

معارضة الخارج كما يحب أن يسميها البعض يوازيها مؤيدو الخارج وعددهم ليس بالقليل، مع العلم أن غالبية المؤيدين من هذه الشريحة غادروا البلد منذ سنوات طويلة هربا من كل ما أدى لاحقا إلى قيام الثورة التي يرفضونها. ومع ذلك اتخذوا الموقف المؤيد لسياسة النظام في إخماد الصرخات التي علت مطالبة بالتغيير. وبرأيي أن خوفهم الدفين وتسوياتهم التي اعتادوها مع النظام، كان أكبر من أن يسمحوا لأنفسهم بلحظة من التفكير المنطقي ليكونوا قادرين على استيعاب ما حدث. وللأسف، عندما بدؤوا بالاستيعاب كانت الأمور قد اتخذت المنحى التي أراد لها النظام من عنف وتطرف وانقسام… فأصبح لسان حالهم يقول: “يبدو أننا كنا على حق”! خاصة بغياب الصوت المسموع للشباب الثائر ومحاولات الشد والجذب التي تعرض لها بعد أن حمل البعض منه السلاح بهدف الدفاع عن أهله فأصبح عرضة للبيع والشراء من قبل تجار السلاح والقائمين عليه.

إضافة طبعا إلى الفشل السياسي الذي منيت به المعارضة وعدم قدرتها على إقناع الشعب السوري بكافة أطيافه على تمثيله والدفاع عنه. أذكر تماما المشاعر المتضاربة التي أصابتني عندما بدأت أصوات الكتائب الاسلامية تعلو وخاصة أصوات جبهة النصرة، التي مازال البعض يختلف على تصنيفها على الرغم من إعلانها الولاء “للدولة الإسلامية”، وأضع هنا الدولة الإسلامية بين قوسين كما كنا نفعل عندما نكتب اسم دولة “اسرائيل” وكأننا بهذه الحركة نعلن عدم اعترافنا بها على الرغم من وجودها الواقعي على الأرض إلى أن جاء اليوم الذين استغنينا فيه عن هذه الأقواس! فهل سنستمر بالتفكير بهذه العقلية أم سنكون قادرين على ابتداع طريقة جديدة بالتفكير تخرجنا من الحفرة التي وقعنا فيها؟

ألسنا قادرين على إيجاد طريقة سورية صرفة لحل مشاكلنا بعيدا عن مهاترات الغرب ومصالحهم، وبعيدا عن مهاتراتنا بين بعضنا البعض؟ أما آن الأوان للمعارضة السورية الاعتراف بأخطائها وتفنيدها بندا بندا والعمل على معالجتها؟ ابن الأربع سنوات اليوم أصبح قادرا على الكلام والتعبير عن آرائه، فإذا اعتبرنا أن المعارضة السياسية الحقيقية ولدت منذ أربع سنوات فقط فلقد آن لها اليوم أن تتعلم مبادئ النطق الصحيح! لنتفق على أن سوريا لأبنائها أولا وأخيرا، ولنطالب بخروج كل الأغراب بكل أشكالهم وألوانهم وأهدافهم، هؤلاء من جاؤوا بحجة دعم أحد الأطراف فأصبحوا هم الطرف الأساس في الصراع، قتلوا أهل البيت وحلوا محله بحجة الحفاظ على الأمن والأمان. عندها فقط يصبح ولائنا للوطن، ونحصل على صورة سورية أصيلة وينحصر حوارنا في الطريقة المثلى لاسترجاع البلد وتعود سورية وطن الجميع بكل انتماءاتهم ومذاهبهم.

السلطة الرابعة : سمر بغجاتي

شارك