السلطة الرابعة : مسعود عكو … الأسد قسَّم سورية بالتراضي بينه وبين خصومه !

السلطة الرابعة : مسعود عكو … الأسد قسَّم سورية بالتراضي بينه وبين خصومه !

خلفت الاضطرابات الدموية في سورية منذ آذار2011 واقعاً جديداً على امتداد الجغرافية السورية. الاحتجاجات التي انطلقت من درعا لتتحول فيما بعد لاضطرابات ومن ثم إلى ثورة فحرب أهلية لتصل إلى حرب طائفية سنية شيعية علوية كردية عربية مسيحية.

جعلت هذه الاضطرابات من الوطن السوري ممزقاً، ومنقسماً إلى عدة مناطق تحكمها جنرالات الحرب، والأخطر من ذلك أنها قسمت الشعب السوري أيضاً إلى أقسام عدة، عاد بذلك كل قسم إلى قوقعته الفئوية. الثورة السورية التي انطلقت تحت شعارات الحرية والكرامة والعدالة، سرعان ما انقلبت إلى حرب طائفية بين تيارين رئيسين من الشعب السوري هما السنة والعلويين، الذين سخرهم النظام في خدمته كونه أسس نظاماً طائفياً منذ انقلاب حافظ الأسد في 1970.

تغير مفهوم الثورة من موجة احتجاجات شعبية ضد نظام الرئيس بشار الأسد، بسبب اعتقال مجموعة من أطفال درعا، لتدخل في نفق حرب أهلية بين طائفتين مسلمتين، هما الغالبية السنية السورية، والأقلية العلوية. أعادت الحرب اليوم رسم خارطة سورية بالدم، وكثرت تحليلات من سوريين وغيرهم، بأن النظام السوري يتقصد في تهجير الأهالي من حمص وريفها وحماه واللاذقية وإدلب كي يرسم حدود دولته العلوية، في حال سقطت سورية الدولة ككل. الأمر الذي سيشكل واقعاً اجتماعياً وديموغرافياً جديداً.

تشير التقديرات إلى أنه وبعد أربعة أعوام من الحرب، لا يسيطر الأسد إلا على مرابض دباباته، وسماء طائراته. ولو استثنينا دمشق العاصمة واللاذقية وطرطوس من المساحة السورية، لأصبحت حدود دولة بشار الأسد هي مراكز بعض المدن وبقعاً صغيرة في الريف السوري. الأمر الذي يفرض حقيقة واضحة أنه لولا دبابات الأسد، وطائراته التي تلقي بالحمم والجحيم من السماء على السوريين، لما كان للأسد بقاء في سورية مطلقاً. بعد انسحاب النظام السوري طواعية من المناطق الكردية (شمال وشمال شرق سورية) والاكتفاء بمفارز أمنية في مراكز بعض المدن.

شكل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD إدارة ذاتية من طرف واحد، حيث أسس مجلس شعب غرب كردستان، ومن ثم الإدارة الذاتية في كانتونات الجزيرة، وكوباني، وعفرين، وفق اتفاق ضمني غير معلن مع النظام السوري. حيث تعد هذه المناطق الخاضعة للسلطة الكردية، من المناطق المستقرة نسبياً بعد المناطق التي يسيطر عليها جيش بشار الأسد.

إذ تقوم هذه الإدارة بمهام الدولة بشكل مقبول، قياساً إلى الكم الهائل من الخراب والدمار في سورية. مع ذلك فهي إدارة غير معترف بها، ناهيك أن تسلط حزب كردي واحد يعيد تجربة انفراد حزب البعث بالسلطة والحكم في البلاد.

تشكل الدولة الإسلامية أو “جمهورية داعش” المساحة الأكبر من سورية، فهي تسيطر على ثلثي مساحة سورية تقريباً، وتمتد حدود هذه الدولة “الداعشية” من العراق شرقاً وحتى تركيا شمالاً وإلى أقصى الغرب، يكاد أن يكون لها حدوداً بحرية على المتوسط. لكن تعد هذه “الدولة” بمثابة الثقب الأسود في الخارطة السورية، وشعب تلك الدولة ينال ظلمات ما لها حدود أبداً، فذبح الإنسان السوري فيها أهون من ذبح دجاجة، ناهيك عمّن يفرضون لأنفسهم سلطة باسم الله، والله منهم براء.

تعد المناطق الخاضعة لسيطرة زهران علوش قائد “جيش الإسلام”، بمثابة “المملكة العلوشية” حيث يسيطر فيها على مساحات كبيرة من ريف دمشق (الغوطة) ولديه قوات عسكرية مدججة بالسلاح، ويفرض سلطة على أبناء تلك المنطقة. وهو متهم باختطاف أربعة ناشطين من مركز توثيق الانتهاكات في سورية وأبرزهم المحامية رزان زيتونة. علوش المتهم أيضاً أنه متفق ضمنياً مع الأسد في إدارة الغوطة وتوابعها، شكل لنفسه سلطة دينية وعسكرية وحاكمية مطلقة في مملكته. أما مناطق سيطرة جبهة النصرة “ذراع تنظيم القاعدة في سورية” فأقل بكثير من مناطق نفوذ السلطات السابقة. حيث لديها جيوب حكم وسلطة في ريف إدلب بالدرجة الأولى، ومن ثم في مناطق في حلب وكذلك في ريف حماه.

ولا سلطة لها مطلقاً في المناطق الكردية، وكذلك في مناطق سيطرة الأسد. ولم تشكل النصرة حكماً محلياً في مناطق نفوذها، إلا أنها أعطت لنفسها كسابقاتها سلطة دينية وعسكرية. تنحصر سلطة الجيش الحر أو بقاياه في المناطق الجنوبية من سورية وخاصة في درعا، وبعض مناطق حمص. إلا أن هذا الجيش وبعد تمزقه بين آلاف الكتائب التي تشكلت منها الوهمية من أجل تلقي الدعم والمال الخليجي، أفقدته هيبته التي كان يمتلكها، ولم يعد الجيش الحر بالنسبة للسوريين بنفس القيمة المعنوية والعسكرية عند بدء عمليات الانشقاق عن جيش النظام السوري. ولم ترق تجربة السلطة التي شكلها في مناطقه، إلى مستوى باقي السلطات في المناطق الأخرى من سورية.

سورية التي مزقتها الحرب اليوم، قسمها الأسد أيضاً بالتراضي بينه وبين سلطات عسكرية مناوئة له. حيث أعاد الأسد رسم خارطة الوطن السورية بطريقته الخاصة، ولو أن حجم التصادم يكاد ينعدم بين الأسد وداعش والكرد وزهران علوش، إلا أنه بمجرد تخلي الأسد عن سلطاته في تلك المناطق، يوضح تماماً استعداد الأسد لإعادة رسم خارطة الدولة السورية من جديد. فالأسد ما عاد يهمه من سورية سوى قصره في دمشق ومصيفه في اللاذقية، وليحترق ما تبق من سورية، وليذهب الشعب السوري كله للجحيم.

السلطة الرابعة : النروج :  مسعود عكو : كاتب وصحفي كردي سوري .

تنويه : مقالات الرأي تعبر عن رأي وفكر كاتب المقال , ولاتعبر بالضرورة عن رأي ” السلطة الرابعة “

شارك