أوسلو أمريكية – إيرانية حول مستقبل النظام السوري

أوسلو أمريكية – إيرانية حول مستقبل النظام السوري

كشف فردريك هوف، الملقب بـ»قيصر» الشأن السوري في الأوساط الأمريكية، النقاب عن سلسلة اجتماعات سرية أمريكية ـ إيرانية، عُقدت بعيداً عن الأنظار، للتداول حول مستقبل نظام بشار الأسد، والدور الإيراني في المخارج المقترحة. وكان هوف، الزميل حالياً في «المجلس الأطلسي»، والمحارب السابق في فييتنام، قد عمل مساعداً للسناتور السابق جورج ميتشل، حين كان الأخير مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط، فتولى ملف استئناف المفاوضات السلمية بين سوريا وإسرائيل وطوّر معرفة عميقة بالشؤون السورية، وبالرئيس السوري بشار الأسد شخصياً.
ومنذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا، في شهر آذار (مارس) 2011، اتخذ هوف موقفاً ثابتاً يطالب بدعم المعارضة السورية المعتدلة، سياسياً وعسكرياً، وعدم ترك فراغ يسارع الإسلاميون، والجهاديون، إلى ملئه. وقد نادى على الدوام بأن بقاء الأسد على رأس السلطة هو المنبع الأول للإرهاب والتطرف، كما اعتبر أن عمليات التحالف الأمريكي ضد «داعش» لن تكون كافية، ولن تفلح في القضاء على «الدولة الإسلامية» ما دام الأسد على رأس السلطة في سوريا.
وفي آخر مقالاته حول الحوار الأمريكي ـ الإيراني، أوضح هوف أن جولة خامسة من هذا الحوار استُكملت مؤخراً، وتضمنت كالعادة نقاشات مستفيضة بين «مجموعات صغيرة» من الإيرانيين والأمريكيين، ممن لا يشغل أيّ منهم وظيفة رسمية، ولكن يتمتعون جميعاً بصلات وثيقة مع دوائر القرار العليا في البلدين، خاصة المجموعة الإيرانية التي ترتبط بأناس يشرفون على سياسات إيران في سوريا والعراق ولبنان، ويمثلون وجهات نظر «الحرس الثوري» و»فيلق القدس»، أكثر من تمثيلهم للرئيس الإيراني حسن روحاني أو وزير خارجيته محمد جواد ظريف.
وتوقف هوف عند مفارقة التناقضات في تحليل أعضاء الفريق الإيراني لمستقبل النظام السوري، فمنهم من يرى أن بقاء النظام ما كان سيتحقق لولا ضمانات إيران العسكرية والسياسية والمالية، ومنهم من يعتقد أن النظام هو الذي يجرّ إيران إلى الموقف الراهن ولا يترك للسياسة هوامش مناورة ملموسة، ومنهم من يصرّ على أنّ المعادلة الراهنة في سوريا حصرت الخيار بين «داعش» أو بشار الأسد، ومنهم من يصرّ على أنّ أي تدخل أمريكي حتى إذا كان إنساني الطابع سوف يستدعي رداً مباشراً من إيران، وهذا الفريق يذهب إلى درجة التذكير بأنّ إيران سبق أن حرّكت «القاعدة» عملياتياً، وبالتالي تستطيع استخدامها مجدداً، ومنهم من يصرّ على أن النظام السوري ليس تابعية إيرانية، فيردّ آخرون بأن بقاءه معتمد كلياً على طهران… وفي ختام جلسة خامسة من هذه المداولات غير الرسمية، أعرب أحد أعضاء الوفد الإيراني عن مخاوف طهران من العواقب الفوضوية التي ستواجه سوريا إذا انهار نظام الأسد، وهذه نقطة توافق عليها أحد أعضاء الوفد الأمريكي، وزاد على زميله الإيراني بالقول إنّ أي مستوى للتدخل العسكري الخارجي قد يتسبب في اضطراب قوى النظام، ويصيب ما تبقى في بنيته من «استقرار» بخلل قاتل. وأوضح عضو آخر في الوفد الأمريكي أن الولايات المتحدة تميّز رسمياً بين النظام ـ أي الزمرة الحاكمة وأجهزتها القمعية وعصاباتها وميليشياتها ـ وبين وزارات ومؤسسات الجمهورية العربية السورية، التي تقدّم الخدمات وتدير الدولة. ورأي واشنطن هو أن النظام يتوجب أن يرحل، وتبقى المؤسسات سليمة وعاملة، وهذا تفصيل اهتم الإيرانيون بالوقوف على تفاصيله اللوجستية، قبل أن يتخذوا منه موقفاً عملياً.
وفي الخلاصة، يستنتج هوف، يبدو أن إيران تريد سوريا صديقة، موالية، مستعدة لخدمة المصالح الإيرانية في المنطقة، وخاصة احتياجات «حزب الله» في لبنان. فإذا كان الحاكم على سوريا كهذه هو بشار الأسد (إلى الأبد، أو طيلة السنوات المتبقية من ولايته الحالية كما عبّر أحد أعضاء الوفد الإيراني)، فهذا هو الوضع المثالي بالنسبة إلى إيران، خاصة إذا صارت تبعية الأسد مقترنة عملياتياً بتواجد «حزب الله» عسكرياً في مناطق سيطرة النظام، المحاذية للحدود اللبنانية تحديداً.
وقارىء عروض هوف لهذه المداولات يتذكر تجربة أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حين نجح ذلك النموذج التفاوضي في تحقيق ما عجزت عنه النماذج التقليدية الأخرى، العلنية منها بصفة خاصة. وإذا كان صحيحاً، بالفعل أن أعضاء الوفدين، الأمريكي والإيراني، لا يأتون إلى طاولة المفاوضات وقد كبلتهم مسبقاً شروط ومحرمات، على الجانبين؛ فالصحيح أيضاً أن سقوف إيران، حول مستقبل سوريا وليس مصير نظام بشار الأسد وحده، عالية وباهظة الأثمان، بالنظر إلى الاستثمار الهائل الذي انخرطت فيه طهران لإبقاء النظام السوري على قيد الحياة طيلة أربع سنوات.

المصدر : القدس العربي

شارك