الشيخ معاذ الخطيب : الحجاب والقهر خطبة جمعة ألقيتها قبل أكثر من عشرين عاماً

الشيخ معاذ الخطيب : الحجاب والقهر خطبة جمعة ألقيتها قبل أكثر من عشرين عاماً

الحجاب والقهر خطبة جمعة ألقيتها قبل أكثر من عشرين عاماً ، و كان لها أثر إيجابي وقتها ، وكأنها كانت تستشرف يومنا هذا مابين جامد يابس من حزب القهر والإكراه ، وآخر متفلت مائع من حزب التفكيك والإنحطاط .. تحتاج لبعض التعديلات ولكني أتركها بين يديكم كما ألقيت ، هدية إلى كثيرات من المؤمنات وكثيرات أُخريات يبحثن عن توازن داخلي نظن أن تعطيه بعض حقه هذه الخطبة القديمة .. وهي هدية أيضاً إلى كثير من المتدينين الذين نفّروا الناس وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا .. ولكل امرأة تبحث عن جواب ما حول الحجاب في يوم المرأة العالمي .. ولمن يسأل : كيف يولد الإلحاد أحياناً .. ولمن لا يعلم من هو الأهم؟ زوج قاس أم زيارة أب يودع الحياة ..
رسالة وجواب عن الحجاب والقهر
(أحمد معاذ الخطيب الحسني)
الحمد لله المنزل على مُصطفاه صلى الله عليه وآله وسلم قولَه : (واصبر نفسكَ معَ الذين يدعُونَ ربهُم بالغداةِ والعَشي يُريدونَ وجهَهُ ولا تَعدُ عَيناكَ عنهُم تريدُ زينةَ الحياةِ الدنيا ولا تُطع من أغفلنا قلبهُ عن ذِكرنا واتبع هواهُ وكان أمره فُرُطا1 .
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله جاء بالهدى ودين الحق ليكون للعالمين نذيرا. عباد الله اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أما بعد:
فإن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وإن من كلام الله تعالى قولَه :(مَن عملَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينـَّهُ حياةً طيبةً ولنجزينَّهُم أجرهُم بأحسنِ ما كانوا يعملون)2 .
خطبة اليوم معالجة تحليلية من خلال بُعدٍ دَعَوي لمشكلة كتب لي أحد الأخوة عنها.
خلاصة المشكلة: الأخ في السابعة عشرة من عمره محافظ على الصلاة ويتردد على بيوت الله ؛ يتبنى مبادئ لا يعلم هل هي صحيحة أم خاطئة والأمر يتعلق بالحجاب ، فله ثلاث أخوات ؛ اثنتان منهما في المرحلة الابتدائية ، والثالثة تصغره بعام وهي محجبة ، ولهم جارة متدينة جداً جداً كما يقول ؛ تُعَلِّمُ أخواتهِ التدين الشديد جدا! حتى أنه يخشى أن تتحجب منه أخواته!! وهو يعتقد أن الأمر لا يحصل عن طريق الإقناع بل بطريق الإغراء بأن الفتاة ستكون مرشحة لحضور جلسات الكبار وملاقاة الآنسات (المدرسات) ذوات الرتب المتقدمة ، وتوضع الفتاة تحت هالات معينة تُتوج بمولدٍ حافل ضخم يتم فيه تحجبها ، والأخ يعتقد أن الفتيات اللواتي يتحجبن بهذه الطريقة ؛ طريقة الاستدراج ومن دون وعي واختيار سيحاولن التحايل على الحجاب مستقبلا وسيرفعنه بسهولة ولن يصمدن في سبيله ؛ وعندما يحاول الأخ طرح منطلقاته يجابه بمقاومة شديدة وربما أسمعوه كلاما قاسيا بأنه لا يبالي بدينه وأشباه ذلك. ثم يقول الأخ بأنه لا يريد لأخته أن تتحجب من دون وعي ؛ يريد أن يكون حجابها اختياراً حراً قائما على عقيدةٍ ووضوح ، وهو لا يُعارض الحجاب لأنه مسلم ويؤمن بالله ويطيع الله ولكنه يعارض أن تلبس البنتُ الحجاب وهي صغيرة لا تعي ؛ أما إذا أصبح عمرها مناسبا فلتلبسه.
هذه هي فحوى الرسالة باختصار ، والأخ يسأل عن الرأي في الموضوع؟
لا أريد إعطاء جواب مختصر وسريع. أريد أن أحلل الموضوع وأتبين أبعاده وخلفيته لأن هناك تصرفات حدِّيَةً تجتاح البعض ، وآثارها تنعكس على الجميع ، ولأن الفكر التحليلي والتركيبي شبه مفقود عندنا وبعض الإشكاليات نضع لها حلولا سهلة وهي في غاية التعقيد وتحتاج إلى نظر بعيد.
سأحاول تحليل المشكلة إلى عواملها الأولية وأسبابها البعيدة ؛ وأقول للأخ كاتب الرسالة: المشكلة ليست فيك ولا في أخواتك ولا في أمك ولا في المدرسة المتدينة جداً جداً.. المشكلة سببها معادلة معقدة ؛ موضوع الحجاب فيها أحد الأبعاد الاجتماعية الخطيرة والمؤثرة ؛ المشكلة تتعلق بالقهر الذي تعيشه الشعوب المسلمة.
الناس أيها الأخ مقهورون منذ مئات السنين ؛ مقهورون سياسياً على أيدي سلاطين فرضوا أنفسهم على الأمة. مقهورون اجتماعيا ضمن أعراف قاسية لا ترحم. مقهورون دينياً ممن أخرج الدين عن مساره الفطري وعَقَّـدَ بذلك الحياة والأحياء ، وعندما يشعر الإنسان بالقهر يرفض في اللاشعور الباطني كل منطق يزيد من قهره ؛ يتبنى منطقاً خاصاً لم يكن ليفكر به لو لم يكن مقهورا ؛ هذا المنطق الخاص يتصادمُ مع منطق القهر بشكل عنيف ، ويبني من حوله أسوارا عالية يمنع أي أحد من الطيران فوقها ويبني أبوابا سميكة لا يفتحها لأحد ، وكلما زاد القهر كلما زاد من تحصينها بمقدار شعوره بالقهر، وعندما يعجز عن المواجهة المباشرة للقهر العنيف الموجه ضده ؛ يتجه إلى النقاط الأضعف التي يستطيع بحيلة ما أن يكسبها لصالحه باعتقاده ، فيزداد اعتماده عليها لأنها تشكل نقطة الامتصاص لكثير مما يعانيه من القهر، وتشكل نقطة بعث الأمل والشعور بعدم الاستسلام ؛ لأنه يحس بأنه في هذه النقطة بالذات يمتلك من القوة أكثر مما يمتلكه من يقهره وهي ساحة تحركه ، وكلما زاد القهر ازداد تشبثا بها ؛ فإن كانت تلك القضية مطلوبة أصلاً كواجب ديني مثلا ، ولو لم يكن هناك قهر، فإنها تتحول مع القهر إلى قضية إيمانية مقدسة ورمز استشهادي عندما تُدغم وتتوحد مع متطلبات الرفض والثبات والتحدي.
والحجاب أيها الأخ السائل مطلب و أمر قرآني كما تعلم ؛ قال تعالى: (وقل للمؤمنات يغضُضنَ من أبصارهنَّ ويحفظنَ فُروجهُن ولا يُبدينَ زينتهنَّ إلا ما ظهرَ منها وليضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ولا يُبدينَ زينتهنَّ إلا لبعولتهِنَّ أو أبائهن …)3 إلى آخر قوله تعالى.
ولم يكن الحجاب يوماً رمزاً قهرياً على يد فقهاء الإسلام الكبار و مجتهديه العظام ولكن مع ضعف الأمة خلال القرون تحول القهر من الأقوى إلى الأضعف.
(وعلى سبيل المثال): المغول والتتار أوالصليبيون أو (غيرهم) كانوا يقهرون الأمة بما فيها السلطان ؛ السلطان يقهر الرعية ؛ الرعية يقهر بعضها بعضا. الأقوى يقهر الأضعف ، الإنسان العادي لا يوجد من هو أضعف منه ليقهره إلا المرأة ، زوجةً أو أختاً أو بنتاً ؛ المرأة المقهورة تعيش ذليلة ؛ تربي أبناء لا يعرفون الحرية ، وبقي في الأمة من يعرف حدود الله ولكن كان هناك قطاعٌ كبيرٌ منها لم يكن نصيبه إلا الجهل. هذا القطاع كان يستخدم كل الوسائل للقهر الداخلي لأفراده ؛ وأنا أرفض المنطق التبريري ؛ أي تبريرنا اللامعقول للأغلاط ؛ فكل غلط نرتكبه لا نعترف به ؛ فنبقى ندور في طاحونة التاريخ لا نتعلم ولا نعتبر (قل سيروا في الأرض ثم انظُروا كيف كان عاقبة المكذِّبين)4 .
استخدم حتى الدين للقهر. العالم الذي يقول للناس إياكم أن تعترضوا على الظلم لأنكم مؤمنون والظلم قدر من الله فلا تدفعوه ؛ هذا العالم أداة قهر مخيفة. المفتي الذي كان يبرر للأقوى ذبح خصومه ؛ مارس القهر بشكل بشع وربما قتل الحاكم مرَّةً (صواباً أو خطأ) ولكن الفتوى المنحرفة تبقى تقتل إلى يوم الدين متجاوزةً الزمان والمكان.
الإمام القاسمي5 عالم جليل لم يجد ضيقوا النظر وسيلة لإحباط جهوده إلا بقهره من جهة السلطان فكتبوا إلى الباب العالي بأن القاسمي قد اخترع مذهبا خاصا اسمه: المذهب الجمالي.
هذا نوع من القهر لأهل الدين بوسيلة دينية (ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)6.
في إحدى الدول الإسلامية سُئل عالم كبير عن الحكم الشرعي في المسألة التالية: امرأة متزوجة منذ سنوات زوجها لا يسمح لها بزيارة أهلها أبدا ؛ والدها الآن على فراش الموت يريد رؤيتها. الزوج لم يوافق!! أصرت الزوجة فما أبه الزوج لها! استفتت “الزوجة” العالم الكبير من خلال ورقة أرسلتها وهي جالسة في سدة النساء والمسجد غاص بالمصلين ، وأفتى العالم بأن هذا حق طبيعي لها ولا يجوز لزوجها أن يمنعها من زيارة والدها خصوصا أنه على فراش الموت والإسلام جاء ليصل الأرحام لا ليقطعها ، وثارت ثائرة لا الزوج الجاهل فقط بل ثائرة المصلين ؛ اعتبروا الأمر تحديا خطيرا لسلطة مرعبة يتحكمون بها في نسائهم حتى في حقوقهن الفطرية ، والمذهل أن أولئك الجهلة أصروا على أن يرجع العالم عن فتواه ، والعالم الحق لا يترك الحق لهوى الجهال ؛ فأصر على الحكم الذي بيَّنَهُ ، وبين لهم غلطهم وجهلهم ، ولم تنته القصة فقد كُتبت عرائض ورسائل ونشرت مقالات تطالب بأن لا يسمح لهذا العالم بالفتوى ثانية ، وصدق تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم)7 .
أذكر أنني تعرفت يوما على إنسان شديد الإلحاد شديد الانحراف.. صبرتُ على استماع كلامه لأعرف السبب الذي ينحرف به الإنسان كل هذا الانحراف ، وسمعت من الرجل بغضاً شديداً للحجاب فسألته عن السبب؟ فقال لي: هذه أول مرة يسألني فيها شخص متدين عن السبب ؛ من أعرفهم كانوا يهمون بضربي ؛ قلت له: إن هدفي هدايتك لا ضربك ؛ فقال لي: عندما كنت صغيرا كنا نذهب إلى بيت أحد الأقارب فنسهر سهرة طويلة والنساء في غرفة ليس لهن حديث إلا السخيف من القول ؛ أما الرجال فكانوا يشربون الخمر ويسكرون ، وعندما تنتهي السهرة ونعود في منتصف الليل ؛ كان أبي لا يسمح لأمي أن ترفع “الملاية” السوداء عن وجهها في الحارة المقفرة المعتمة ، وقد حدث أنها رفعتها قليلا “مرة” لتجتنب حفرة بدا ظلها في ضوء القمر الشاحب ؛ فما كان من أبي إلا أن هوى على وجهها من يد قاسية بصفعةٍ رنَّت في الحارة المقفرة ، وأعانها ضوء كئيب شاحب لتكرس خوفا ورعبا وقمعا في نفس والدتي لم يفارقها حتى ماتت ، وتابعنا الطريق والوالد السكران يهذرم بكلمات السباب التي لا تقال إلا لعاهرة ، وفي أجواء العائلة كان هذا الأمر مألوفا ومتكررا ، وأغلب الأبناء أضحوا بعيدين من الدين.
هذه صورة بشعة أيها الأخ كانت موجودة ونرفض أي منطق تبريري لها ويبرأ منها الدين وتبرأ منها الفطرة ويبرأ منها الخلق الكريم ولكنها استغلت استغلالا بشعا! استغل ذلك القهر الذي يرفضه الدين ليُقهر الإنسان ثانية في دينه. هناك من يحمل في ذهنه تصورا معينا في غاية الخطأ عن الدين ، فهو لا يُصلح ما فسد “بسبب انحراف الناس” بل ينسف ما صلح ، وهو لا يحارب القهر الديني ، بل يحاول تشويه الدين كله ، وهنا يُستنفَرُ الناس فيصيبون ويخطئون وهم يحاولون صد القهر الذي يتعرضون له.
هناك من يصور الحجاب كرمز للقهر ويحرض ضد الحجاب ، وهو لا يمتلك منطقا سليما فلذلك يأتي الرد عليه بمنطق المضادة الكاملة التي لم يعد فيها حوار ، وأضرب لك أيها الأخ مثلاً شديد الوضوح: مسلسل “بسمة الحزن” الذي عرضوه منذ أسابيع ؛ فيه عباراتُ تحقير للحجاب بإبرازه رمزا للقهر الاجتماعي ، وفيه إهانة لكل بُعدٍ إيماني فيه بتصوير الحريص عليه إنسانا منافقا دجالا فاشلا ؛ يمنع أخته من أبسط الحقوق بينما هو يرتاد دور الفجور ويسمح لنفسه بما يشاء ، والمسلسل بجملته حافل بضحالة لا تجارى ولم توفق فيه الكاتبة ولا المخرج! وقد أزعج كثيرين من الناس ، ورأيي الخاص وهذا أمر ذكرته مرارا أنه ما دامت مثل هذه النماذج قد وجدت يوما ما أو لا زالت موجودة فلا إشكال في إبرازها بغض النظر عن الطريقة ولكن الأمر الذي لم أفهمه حتى الآن! تلك العبارات التي ذكرتها البطلة قبل انتحارها لابنة أختها! وقضية الانتحار نفسها! فهي تحمل بعدا تحريضيا مخيفا وكان يجدر بالمخرج أن يجعل في النهاية تعليقا ولو بسيطا يقول فيه: إن هذه القصة ولو حدثت فليس مُبَرَّراً للإنسان أن يلجأ إلى الانتحار ، وعليه أن يكون أقوى من اليأس ؛ هذا إن لم يتكلم عن بُعد إيماني. النهاية الكئيبة انعكست بشكل خطير ، فقد ذكرت لي مُدرسة بأن بعض المراهقات وبعد عرض النهاية سألنها عن المانع من أن تنتحر الواحدة منهن إذا مانع أهلها علاقتها مع بعض صعاليك المدارس ، والحمد لله أن الأمر وقف عند حدود الكلام ، ولكن البعد التحريضي السلبي والمدمر في المسلسل واضح تماما!
كل أجهزة الإعلام العربية تشكو من رداءة مستوى ما يقدمه الكُّتـَّاب ، ولكن للرداءة أنواعا ؛ أسوأها: ما يحاول الالتفاف بشكل لا معقول على انتماء الأمة وهويتها وخصائصها. حسنٌ فليكتب أحدهم قصة عن فتاة مسكينة كانت مقهورة باسم الدين على يد جهلة لا يعرفون عن الدين شيئا ، وليوضح أن الحجاب في ذهن تلك الفتاة أصبح رمزا للظلم والتسلط ، ولكن ماذا بعد؟ لماذا لم تنتج مراكز الإنتاج التلفزيونية من المحيط إلى الخليج مسلسلا واحداً.. يتيماً.. بطلته امرأة محجبة عاقلة مثقفة ؛ الحجاب عندها رمز تحرر لا رمز عبودية! لماذا لا تظهر المحجبات في المسلسلات العربية من المحيط إلى الخليج إلا جاهلات سخيفات ؛ بقايا تقاليد اجتماعية منحرفة أو خادمات في البيوت ؛ إن في معترك الحياة مئات الألوف من الأخوات المؤمنات الطاهرات اقتحمن كل الميادين مع المحافظة على دينهن وحجابهن فكان منهن الطبيبات والمهندسات والمدرسات والمثقفات والعالمات فلماذا ألغي وجودهن دفعة واحدة ؛ وأنا أعرف حالات كثيرة لفتيات مؤمنات يتلقين في بيوتهن الضرب المبرح على يد آباء وأمهات علمانيين 8 بزعمهم لوضعهن الحجاب!
لا زلت أذكر أستاذة في الجامعة تحمل الدكتوراه في الرياضيات ؛ تحجبت على ذمة الطلاب في “روسية” عندما كانت في بعثة دراسية ؛ كانت مدرسة مخلصة قديرة لا أظن أن إخلاصها تدفق لتلقيها الفكر المادي بل لأنها وجدت الطريق إلى الله ، وكنت أستمتع بالمقارنة الذهنية بين قدرتها في حل معادلات التكامل المعقدة وفشل كثيرين آخرين ممن تسمع منهم جعجعة ولا ترى طحنا ، فلم يكن الحجاب ليعيق المرأة المسلمة عن المشاركة في صناعة الحياة.
لماذا أذكر لك أيها الأخ ذلك؟ لأبين لك: أن الالتزام بالحجاب كظاهرة عامة أصبح رمزا للصمود في وجه القهر ، ولست أنا الذي أقول ذلك بل كاتبة مسلمة غير محجبة عاشت في جو غربي طيلة حياتها ثم هي تعيد مد الجسور مع دينها ، ونسوق بتصرف ما تقوله الدكتورة “رنا قباني” الأستاذة في جامعة لندن في كتابها: “رسالة إلى الغرب”؛ تقول الكاتبة: “إن الأخذ بالحجاب من قبل شابات مثقفات منغمسات في السياسة ، ومنحدرات من عائلات علمانية ، أصبح يمثل في الثمانينات ظاهرة حياتية محتمة في أكثر المدن الإسلامية تعود إلى أسباب شتى ، ولكنها تعبر قبل كل شيء عن خيبة أمل أفراد هذا الجيل في الذي أنجزه أهلوهم . فعلى امتداد الوطن العربي تكشَّفَ الاستقلال عن أنه لم يحقق الآمال التي عقدت عليه ، إذ لم يقم ثمة نظام اجتماعي جديد على أساس من العدل ، بل حدث العكس من ذلك حين ساد الفساد والقمع ، كما أن الهزيمة في الحرب أدت إلى فقدان المزيد من الأرواح والأراضي. ورغم كل بلاغة الكلام العربي فقد ظلت الهيمنة الإسرائيلية التي يدعمها الغرب هي السائدة دون منازع ، وأما تضامن “العالم الثالث فقد انهار تماما …. وأمام هذه النكسات لم تعد النساء المسلمات المناديات بالمساواة يحذون حذو النساء الغربيات ولم يعد الغرب المفرط في إباحيته يجذبهن كما جذب جداتهن من قبل لأنهن أصبحن يرين فيه عالما موبوءاً بالمخدرات وبالإيدز ، وباستغلال النساء ، وباللامبالاة بآلام شعوب العالم الأخرى ….إن هؤلاء النساء لا ينكفئن إلى ماض بال ولا يرغبن في الانزواء في بيوتهن متجلببات بالاحتشام9 ، فغالبيتهن ذوات اختصاصات مهنية ، ويعملن طبيبات ومدرسات وصيدليات ومحاميات …. إن ارتداء الزي الإسلامي يمنح هؤلاء النساء قدراً أكبر لا أصغر من الحرية والحركة …. كما يمكن للحجاب أن يجعل النساء أكثر تحرراً ؛ فهو يجنبهن أن يكن مجرد رموز جنسية أمام الناظرين ، وأن يقعن في فخِّ الثوب الغربي وتعاليم الأزياء الغربية …. بل يمكن القول إن الحجاب ، حين يضع مسافة بين من ترتديه وبين العالم الخارجي فإنه يغني حياتها الروحية ويجعلها بمنأى عن المشاغل المادية، كما أنه يلغي الفوارق بين الطبقات ويخلق نوعا من التضامن بين لابسات الزي الواحد ، وحين تبدو فيه النساء جميعا متشابهات فإنه يكون قد خلق فيما بينهن مساواة حقيقية” 10.
لماذا أذكر لك أيها الأخ كل ذلك؟ لأقول لك: إن هناك إحباطات تصيب الأمة وكلها تنعكس في التفكير والسلوك: حرب الخليج.. الصراع العربي “الصهيوني”.. تطويق السودان اقتصاديا.. مذابح البوسنة والهرسك11 .. لحس انتخابات الجزائر.. كلها تتفاعل بعمق في النفوس ؛ دون أن يدري أصحابها ، وعندما يشعر الإنسان أنه في خطر وأنه مهدد فانه يلتفت إلى ما يعرفه فيزداد تمسكه به ، وربما يصل إلى حدود التنطع ، وواجبنا أيها الأخ أن لا نكون أحد عوامل القهر ؛ لا تقهر أختك على الحجاب ولكن افتح قلبه له ، ولا تقهر أختك على عدم الحجاب ، ولكن زد وعيها به ، إن القهر والقهر المضاد قد خربا الأمة ؛ فاستخدام المنطق الديني المعوج للقهر: مرفوض ، لأن الدين قائم على اختيار واع مسؤول ، واستخدام القهر لإبعاد المنطق الديني السليم مرفوض لأنه يزيد الهوة ويدمر الجسور ويقود نحو الغلو والتطرف ، وأنا أذكر لك أمثلة أيها الأخ ، فمن أمثلة القهر باستخدام المنطق المعوج تلك الفتاة السافرة التي كانت تصلي ثم أتيت لأخذ أوراقٍ رسميةٍ من عندها وسألتها عن الصلاة فقالت: أنها لم تعد تصلي ؛ والسبب مدرسة دين محترمة تقطن في بنائهم قالت لها: إن لم تتحجبي فلا تنفعك صلاة ولا صيام ولا أذكار ولا عبادات ، فتركت الفتاة المسكينة باب النجاة بمنطق مكذوب يصادم قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يَرَهُ ومَن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يَرَهُ)12 .
وهنا في دمشق إحدى شركات الطيران تكتب على بابها: “ممنوع دخول غير المحجبات” ، وهذا بصراحة نوع من القهر، إن البعض يحبون أن يرموا بالناس خارج الإسلام ، وإذا كان التبرج رذيلة خلقية واجتماعية فان السفور تقصير يحتاج إلى دعوة شفوقة وحب الهداية للناس13 ، والحجاب أصلا تكريم للمرأة (ذلك أدنى أن يُعرَفنَ فلا يُؤذَينَ)14، وقد كانت غير الحرائر يسرن حاسرات والحرائر يضعن الحجاب ، وعلى دعاة وداعيات الإسلام أن يعلموا بنات المسلمين معنى الحرية لا العبودية ، وما سمعت أن فقيها ولا مجتهدا ؛ أفتى يوما بقهر السافرات على الحجاب. إن من المخزي أن أحد الأنظمة قد ضغط على امرأة حتى فرت إلى إحدى الدول الغربية طالبة اللجوء السياسي هربا من الاضطهاد الإسلامي!! وصدر قرار بأن تعطى النساء المسلمات اللجوء السياسي لأن الإسلام يضطهد المرأة! أصبحنا وثائق إدانة لديننا أيها الناس.
هذه نماذج نرفضها فهي لا تمثل الإسلام ولكننا في نفس الوقت نقول: إننا لا نستحيي أبداً من القول: أن الحجاب التزام مع الله وهو أحد أبواب الخروج من العبودية لغير الله. إننا لا نستحيي أن نقول: هذا دين ربنا وشرع نبينا. ونحن أيها الأخ الغالي دعاة إلى الله نحمل الهداية والرحمة لكل أخ أو أخت فدعوتنا لأخواتنا من أجل الحجاب دعوة تكريم وسمو وخير لا قهر معها ، ودعوتنا لأخواتنا المحجبات دعوة انفتاح ووعي وتبصر لا انطواء معها ولا تقوقع ولا تنطع.
إن أساليب التشجيع مطلوبة ، وأساليب الخداع مرفوضة ، وتعويد أبنائنا وبناتنا على طاعة ربهم واجب والكذب عليهم حرام ، واشتغالنا ببعضنا لا يجوز وإدراك الأسباب الخلفية يوضح الأمور من دون صدام ؛ فتعاون يا أخي الكريم مع أخواتك في مواقع الصواب وحاول الإرشاد في مواطن الغلط ، وإياك والتخلي عنهن أو الشماتة بهن ي وما بل عليك أن تكون الأب لهن إن شُغِلَ أبوك بعمله وأن تكون الأخ الناصح الحنون الذي يلجأ إليه اخوته حبا به وثقة برأيه ، والداعية نَفَسُهُ طويل ، وقد أعجبتني فطنتك أيها الأخ في فهم بعض الأمور وإدراكك بأن الغلط في الالتزام ينعكس على الفكرة ، وأنا أظن فيك الخير ، وأرجو الله لك التوفيق.
أما ما ذكرتَهُ من أنك أصبحت وحيدا ؛ فأمر لا نُقِرُّكَ عليه ؛ فكلنا في المسجد إخوانك ، فاختر منا من يناسبك عمراً واذكر دائما قول نبيك صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)15 اللهم اجعلنا منهم.
خلاصة الموضوع :
1 – القهر ليس وسيلة إسلامية في حل المشاكل
2 – ما نراه تزمتاً منه ما هو من طبيعة الإنسان وقد طلب الدين تهذيبه “فإن المُنبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى”.
ومنه ما هو نتيجة قهر طويل ، وردود أفعال ، ومنه ما ليس بتزمت ولكننا نتصوره كذلك.
3 – لا يعالج القهر بقهر مضاد.
4 – على المسلم أن يحرص على ألا يستخدم كوسيلة قاهرة لأي طرف.
5 – الغلط في طرح الالتزام ظاهره ربح مؤقت وعاقبته خطيرة.
6 – دورنا هو التوعية لا التشنج والهداية لا الصراع.
7 – السن الشرعي للحجاب هو سن البلوغ ، والتعويد منذ الصغر من دون إكراه أمر لا مشكلة فيه بل هو مطلوب.
8- الأخت الملتزمة المتزمتة نتعامل معها بالتوعية والصبر والأخت السافرة نتعامل معها بروح حب الهداية والخير لها ، والأخت التي تكون محجبة ثم تترك حجابها لا نلقيها إلى أعدائها ، بل يزداد حرصنا عليها لنردها إلى الله.
9 – هناك أمور شرعية أصبحت تُصوَّر للناس مع الوقت أنها تزمت وتخلف ، ولا يجوز أن نخدع بهذا الأمر.
10- طبيعة الدين الانفتاح وبُعد النظر واستيعاب الظروف ، والدين يُفهم من خلال منطلقاته لا من خلال من يريد تشويهه بصورٍ مزرية ؛ الإسلام أول من يحاربها.
11- إن الفقيه يذكر الحكم الشرعي للناس ، ولكن الداعية يحمل الحكم الشرعي الواحد للناس ولكن بالطريقة المناسبة لكل واحد ، والأمة عندها كثيرون من فقهاء الأحكام ، ونادر جداً فيها فقهاء الدعوة.
– ألقيت هذه الخطبة بتاريخ : الجمعة 9 شعبان 1414 / 21 كانون الثاني 1994م.
– طبعت هذه الخطبة في رسالة مستقلة عام 2000م مع إضافات واسعة.
الإحالات :
1- الكهف 28.
2- النحل 97.
3- النور 31.
4- الأنعام 11.
5- العلامة جمال الدين القاسمي ، ولد عام 1283هـ/1866م وتوفي عام 1332 هـ/1914م.
من رواد الإصلاح في بلاد الشام ، منهجه في غاية الاعتدال مع التحري للكتاب والسنة ، وقد صنف أكثر من مائة كتاب من أعظمها تفسيره المسمى: “محاسن التأويل” في سبعة عشر مجلدا ، ومن أنفعها: “قواعد التحديث” وغيرها. من المراجع عنه: سلسلة أعلام المسلمين ، رقم 66: جمال الدين القاسمي ، تأليف : د.نزار أباظة ، دار القلم – دمشق ،1418/1997.
6- المؤمنون 71.
7- المائدة 49.
8- ومن الحقد المذهل على الحجاب والإسلام طرد نائبة حزب الرفاه الإسلامي “مروة قاوقجي” من البرلمان التركي ، وسحب الجنسية التركية منها ، لأن الحجاب يهدد التقدم العلماني المزعوم في تركيا ولولاه لأصبحت تركيا أرقى دول الأرض!!!
9- تبقى الأخوات محتشمات مهما خضن في ساحات الحياة.
10- د.رنا قباني ، رسالة إلى الغرب ، ترجمة: د.صباح قباني ، بيروت ، دار الآداب ، 1991 ، ص 57-60.
11- وكشمير والشيشان و ….
12- الزلزلة 7-8.
13- وحبذا لو وزعت رسائل لطيفة تحبب الناس بالإيمان وطاعة الله.
14- الأحزاب 59.
15- مسلم ؛ البر والصلة والأدب 2586

شارك