السلطة الرابعة : الدكتور علاء الدين جنكو “لمحة تاريخية ” من هم الأكراد ؟

السلطة الرابعة : الدكتور علاء الدين جنكو “لمحة تاريخية ” من هم الأكراد ؟

حين دخل غورو قائد الحملة الفرنسية مدينة دمشق وقف على قبر صلاح الدين شاهراً سيفه قائلاً : ها قد عدنا ثانية يا صلاح الدين ، ثم مشى بحذائه فوق الجدث الطاهر وكان ذلك سنة / 1920 م .
لماذا يا ترى ؟ من هو صلاح الدين ؟ ماذا فعل صلاح الدين بغوروا ؟ ومن أين خرج لهم ؟
إنه صلاح الدين … الذي طهر الديار المقدسة من دنس أجداد غوروا وأعاد بالقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين إلى روضة الإسلام بعد غياب طويل .
نعم إنه من ذلك القوم، أولوا البأس الشديد، مِنَ الأكراد الذين ذاقوا ويل الماضي ومرارة الحاضر، وعاشوا بين شراسة الأعداء وقساوتهم، وخذلان الأصدقاء والأشقاء وظلمهم.
فمن هم الأكراد ؟
وأين يسكنون ؟
وما موقعهم بالنسبة للحضارة ؟
وما هي طبيعتهم الاجتماعية ؟
وما هي حقيقة مشكلتهم المعاصرة ؟

من هم الكرد ؟
الكرد شعب من شعوب منطقة الشرق الأوسط الأصليين، أي أنهم ليسوا من أصل فارسي ولا تركي ولا عربي، موجودون منذ أقدم العصور في مناطق تواجدهم، فعلى الرغم من تدفق الهجرات إلى منطقتهم إلا أنهم بقوا في منطقتهم الأصلية ولم تؤثر عليهم تلك الهجرات بإقصائهم ولا مسحهم من خارطة الوجود.
والكرد يسكنون منطقتهم التي تسمى ( كردستان ) وتعني: ( أرض الأكراد )

أين تقع كردستان ؟
كردستان هي الهضبة الفسيحة التي تتوسط المسافة تقريباً بين البحار الأربع : ( بحر قزوين، والبحر الأسود، والبحر المتوسط، والخليج العربي )، وهي بالتحديد: شمال العراق، وغرب إيران، وجنوب شرق تركيا، وشمال شرق سوريا .
تقدر مساحة كردستان بـ (500,000 كم2) موزعة إثر إتفاقية سايكس بيكو إلى خمسة أجزاء في كل من : تركيا وإيران والعراق وسوريا و أرمينيا .

تتميز كردستان بجبالها الرواسي الشامخات، ووديانها الكثيرة والعميقة، تملؤها المياه العذبة، وتنتشر فيها البحيرات والأنهار، وتكثر فيها الغابات الكثيفة ولا سيما في سفوح الجبال، وترتدي هذه البقعة من الأرض الثوب الأخضر على مدار العام، كما تتميز كردستان ببرودة شديدة في الشتاء واعتدال في منتهى الروعة والجمال في الربيع والصيف، فيها من المناظر الخلابة تسحر عيون وقلوب وخواطر من ينظر إليها .
وتنتشر في كردستان زراعة العنب والجوز والرمان وغيرها من الفواكه، كما تنتشر زراعة القمح والشعير وخاصة في السهول الواسعة في كردستان العراق وسوريا .

الكرد سكانياً :
يقدر تعداد الكرد الذين يعيشون على أرض كردستان ما يقارب أربعين مليون كردي موزعين على النحو التالي :
20 – 25 مليون كردي في تركيا
8 – 10 مليون في إيران
5 – 6 مليون في العراق
2 – 2,5 مليون في سوريا
نصف مليون في أرمينيا
وحوالي مليون كردي منتشرين في العالم كجاليات متواجدة في الكثير من دول العالم وخاصة في أوروبا.

شعب عريق تاريخياً :
كم حجبت سحب النسيان نور الحقيقة عن تاريخ الكرد العريق والحافل بالأمجاد والأحداث الهامة عبر التاريخ، فكما سبق وقلنا أن تاريخ الكرد يعود إلى أقدم العصور، يتفق أكثر الباحثين على أن الكرد ينتمون إلى المجموعة الآرية، على أنهم اختلفوا في بيان أصل كلمة (كرد ) فبعضهم ينظر إليها من زاوية علاقته بأسماء شعوب سكنت في منطقة كردستان تاريخيا مثل: (الكوتي) و(الكيرتي) أو(سيرتي) و(الكاردوخ) و(الكورتي) و(الخلدي)، وبعضهم يبحث في الأصل من خلال اللغة الكردية وانتمائها إلى أسرة اللغات الإيرانية، ومع كل هذا الجدل التاريخي تبقى هناك حقيقة ثابتة وهي: أن الشعب الكردي من الشعوب الراقية والعريقة في المنطقة ويشكل مكوناً أساسياً على المستويين الاجتماعي والسياسي وكانت لهذه الأمة عبر التاريخ الطويل المشاركة الفعالة في رسم الخارطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه البقة من العالم، كما أكد على ذلك الكاتب يحيى عمر ريشاوي .

ومنطقة كردستان لها بذلك أهميتها الدينية، لأنها كانت مسرحاً لأعظم الحوادث التاريخية المتعلقة بمواطن الأنبياء ..
فسفينة نبي الله نوح عليه السلام استوت على الجودي كما ذكر في القرآن الكريم: (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) سورة هود/ 44 وجودي جبل عظيم يتوسط كردستان، وقد ذكر المفسر ابن كثير رحمه الله قول مجاهد وهو أحد التابعين: بأن جودي جبل بالجزيرة، ويقصد بها الأرض الواقعة بين دجلة والفرات، كما ذكر قول الضحاك، وهي أيضا تابعي: بأنه جبل قريب من الموصل، وجودي جبل تابع اليوم من الناحية الجغرافية لتركيا .

وإن كانت الإنطلاقة الأولى للبشرية مجهولة المكان ولا يوجد نص قاطع للبت فيها فقد شرفت كردستان بأن الانطلاقة البشرية الثانية كانت من أحضانها بنص القرآن الذي لا شك فيه .
وكردستان أيضاً موطن نبي الله إبراهيم عليه السلام، وما زالت قلعة نمرود والبحيرة التي تكونت مكان النار الذي رموا إبراهيم فيه في مدينة أورفا في كردستان تركيا تشهد على ذلك.

وقد أورد ابن كثير والقرطبي والألوسي وغيرهم من المفسرين في أثناء ذكرهم لقصة إبراهيم: أن الرجل الذي صنع المنجنيق لرمي إبراهيم في النار هو كردي اسمه ( هيزن ) وهذه إشارة من المؤرخين بوجود الشعب الكردي منذ أقدم العصور ! ومن حقي أتسائل من أين جاؤوا بهذا الرجل إن لم يكن ابن قرية إبراهيم ومن أهله المقربين أو من قرية مجاورة فيكون من أبناء عشريته أو من بني قومه على أقل تقدير !!
كما أن دلالة مكان الحادثة ودلالة الأسماء إشارات إلى علاقة إبراهيم بالكرد، فالملك الذي أمر بحرق إبراهيم اسمه كردي : (نمرود)، ومعناه بالعربية (الخالد الذي لا يموت) وهو الذي كان يدعي الألوهية في قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) البقرة/ 258.

واسم إبراهيم كردي ومعناه (المولود قرب الصخر)، واسم زوجته وابنه عمه سارة كردي : (مشتق من البرودة) ، واسم أبيه آزر كردي : ( مشتق من اللون الأصفر ) …. الخ ..
ومعلوم بان الأنبياء أول ما لاقوا الأذى على يد أقوامهم وأقاربهم بدليل مخاطبة الأنبياء في القرآن لمعذبيهم بصيغة : ( يا قومي ) وهي إشارة من المفسرين رحمهم الله لبيان قوم إبراهيم عليه السلام ، وهم الكرد ، والله أعلم .

كما كان للأكراد دول على مدار التاريخ قبل الميلاد وبعده ، ولعل الدول الميدية الكبرى حتى عام 550 ق . م حين قضى عليها الملك كورش أكثرها شهرة، وبعد ذلك استولى عليها الاسكندر المقدوني على بلاد المشرق كافة ومن ضمنها كردستان .

الكرد والإسلام :

يحاول الكرد – ولاعتبارات عدة – إطلاق مصطلح الغزو الإسلامي العربي على كردستان واستبدالها مكان المصطلح المشهور وهو الفتح الإسلامي، وهنا لا أريد ان ادخل في غمار مناقشة أرى أنها نوع من السفسطة التي لا فائدة منها، مبينا موقفي بأني أعتبرها فتحاً وخيراً وبركة إذ منحت الكرد مكانة في التاريخ رغماً عن كل من يحاول مسح ذكرهم وجهل آثارهم على الحضارتين الإسلامية والعالمية، فبها خرج الكرد من وديان الجبال المظلمة ليقودوا العالم، وبها انتشروا يعمرون الأرض لتشهد عليها آثار تواجدهم اليوم في كل بقاع كثيرة من الدنيا في الشرق والعرب .

فما إن أشرق نور الإسلام العظيم على هذا الكون حتى كان الكرد من السباقين إليه طواعية، فقد اسلم رجل كردي على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصحابي الجليل ( جابان الكردي ) وقد أورده ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة، وهو والد التابعي الجليل ميمون الكردي وقد ذكره الألوسي في تفسيره 26 / 105 .

ودخل الكرد في الإسلام بشكل جماعي في فجر الإسلام عندما طرق الصحابي عياض بن غنم رضي الله عنه أبواب كردستان في خلافة الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعلى الرغم من بعض المناوشات بين الكرد والفاتحين إلا أنه لا تذكر للمسلمين أية معاركة فاصلة مع الكرد، فمن المعلوم والمشهور أنهم من الشعوب الذين أسلموا طواعية من دون معمعة تذكر.

وبقي الكرد مخلصين وموالين للخلافة الإسلامية الأموية، ومن بعدها للخلافة العباسية والكل يعرف القائد الكردي أبو مسلم الخراساني ودوره في إقامة الدولة العباسية، وقد ذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان 3 / 155.
وفي العصر العباسي الثاني وصل الكرد إلى قمة ذكرهم التاريخي عندما انطلقت العائلة الأيوبية المتمثلة في ثلاثية شخصياتها نجم الدين أيوب، وأخوه أسد الدين شيركوه، وابنه صلاح الدين الأيوبي الذي لبى نداء الأقصى وهي تئن تحت وطاة الفرنجة، فحررها من براثنهم وإعادها إلى البيت الإسلامي بعدما بقي تحت حكم الفرنجة أكثر من تسعين عاماً !!

وفي ظل الخلافة العثمانية، بقي الكرد موالين بكل إخلاص وحسن نية – مع ملاحظة تنامي الشعور القومي في هذه الفترة – وهو ما أثر إيجاباً في منح العثمانيين – طوعاً أو كرهاً – الأكراد حكما ذاتياً في أكثر من 36 ولاية شبه مستقلة على مدى ثمانية قرون !!
وعندما دارت الدائرة وتولى كمال أتاتورك الأمر قضى على الخلافة العثمانية، ثم حرَّك ثمان فرق عسكرية باتجاه كردستان للقضاء على ثورة الشيخ سعيد بيران في ديار بكر عام 1925م، وعلى الرغم أن ثورة الشيخ سعيد أشتهرت بطابعها القومي الكردي – وهو ما استغله اتارتورك في إثارة الأتراك ضده – إلا أن المطلب الثاني لثورته تضمنت إيضاً إعادة سلطة الخلافة الإسلامية !

وبذلك كانت أول ثورة بل وآخر ثورة قامت لإعادة سلطة الخلافة الإسلامية قد انطلقت من كردستان وقام بها الكرد وبقيادة شيخ كردي، في الوقت الذي كان الشرق العربي منشغلا بالتحالفات مع الإنكليز والفرنسيين للقضاء على الخلافة، واليوم يتهم الكرد بأنهم يعملون ضد الإسلام، حقاً إنها معادلة غريبة، وحقا الأكراد باتوا ضحية الخلافة الإسلامية .
وبانتهاء الحرب العالمية الأولى بدأت مآساة الكرد القومية بتقسيم بلادهم إلى خمسة أجزاء في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا وأرمينيا إثر إتفاقية سايكس بيكو عام 1917 م

عطاء كردي مستمر :

لم يكن الكرد بعيدين عن الساحة العلمية، ولم ينقطع عطاؤهم للحضارة يوماً، وخاصة للحضارة الإسلامية .
فكردستان كانت محطة لرصد النجوم والكواكب وكانت مقراً للعلوم الفلكية .
في مجال العلوم لمع من بين أبناء هذا الشعب العالم الجزري/602هـ – 1206م/ صاحب كتاب: ( الجامع بين العلم والعمل ) الذي وضع أساس علم الميكانيك (الحيل) والهيدروليك باختراع مجموعة من الآلات والمضخات والساعات التي تعمل آليا، وقد وصف سارتون كتابه المذكور بأنه: ( أكثر الأعمال تفصيلا من نوعه، ويمكن اعتباره الذروة في هذا المجال بين الإنجازات الإسلامية)، وقد عاش في منطقة آمد وطبق أفكاره فيها، وقد ترجم كتابه إلى عدة لغات.
أما في علوم اللغة الأدب والنقد فقد ظهر ابن الحاجب وقدم : الكافية في النحو ، والشافية في الصرف والخط .
كما اشتهر أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي/370-980م كعالم بالشعر وناقد موضوعي ويعتبر كتابه /الموازنة بين الطائيين/ بحث ودراسة منهجية ناضجة في مجال النقد، وقد أشاد به معظم المؤرخين .

ونقل أبو علي القالي/356هـ –966م/ أمهات الكتب والتصانيف من المشرق إلى الأندلس، وجمع حوله أشهر علماء الأندلس في عصره، ونال الاحترام والحظوة في قرطبة، وأشهر أعماله /الأمالي/ ومعجم /البارع.
وفي مجال تدوين التاريخ اشتهر ابن الأثير/630هـ –1234م/ صاحب كتاب / الكامل في التاريخ / بدقته العلمية والموضوعية و كتابه يعد من أهم المصادر التاريخية الإسلامية .

أما أبو الفداء صاحب حماه اسماعيل بن عبد الملك الأفضل الأيوبي /732هـ –1331م/ فقد كان حاكما ناجحا وعالما موسوعي الثقافة، وقد كتب ألف وصنف في معظم الفنون نثرا وشعرا ( الطب، الفلك، الفقه، الأدب، التاريخ، الجغرافيا) ، وأهم أعماله كتاب: المختصر في تاريخ البشر، وفي الجغرافيا يعتبر كتابه/ تقويم البلدان من الكتب المشهورة في اوروبا وترجم إلى بعض لغاتها .
كما ظهر ابن خلكان /681هـ –1281م/ كأبرز الذين صنفوا في حقل التراجم، ويعتبر كتابه/ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، من أهم المصادر في التراجم وتاريخ الرجال .

أما في مجال العلوم الشرعية والقضائية فحدث ولا حرج عن إنجازات أبناء هذا الشعب المعطاة :
ففي علوم القرآن والتفسير : ظهر من الهكاريين كما ظهر العلامة حفيد أبي بكر المصنف ، والعلامة محمود شكري الألوسي .
وفي علوم الحديث : نبغ أمير المؤمنين في علم الحديث ابن الصلاح الشهرزوري الكردي كما ظهر أيضا الحافضان العراقيان .
وفي الفقه : سطع نجم شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني نسبة إلى حران وهي مدينة في كردستان تركيا قريبة من اورفا .
وفي علم الأصول ظهر سيف الدين الآمدي ( نسبة إلى آمد ) وهي ديار بكر الآن .
واما ملا محمد الكوراني وهو مربي القائد محمد الفاتح وأستاذه وكان يعلمه ويضربه على تقصيره ، وبقي من المقربين لفاتح القسطنطينية وخاصته إلى توفي .

وأما المعاصرين فليسوا بأقل من سابقيهم عطاءا وإنتاجاً : فأحمد شوفي، وعباس محمود العقاد، والعائلة التيمورية، والقارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ومحمد عبده وسعيد النورسي، عبد الكريم المدرس، الدكتور علي محي الدين القره داغي والشيخ أحمد كفتاروا، والعلامة احمد مفتي زادة وناصر سبحاني وعز الدين الحسيني من أقطاب علماء السنة في إيران.
واليوم أبناء الكرد منتشرون كأساتذة ومدرسين في جامعات أوروبا وأمريكا والخليج العربي.
الحياة في كردستان :
الأكراد مسلمون بنسبة (98%) على مذهب الإمام الشافعي، وبذلك يكون الكرد أكثر شعوب العالم الإسلامي صفاءاً من الناحية العقدية نقاءاً من الفرق الضالة .

للكرد لغتان رئيسيتان هما البهدينية وهي الأكثر تحدثاً بها والصورانية وهي الأكثر اهتماما من حيث الدراسة والأدب والنقد .
منطقة الأكراد تعتبر من المناطق الغنية بالنفط في العالم، فنفط العراق الكثير منه من كردستان، ونفط سوريا غالبيته من المناطق الكردية، والكثير من النفط الإيراني أيضا من المنطقة الكردية .
وقد اكتشف حديثا في كردستان وجود كميات من اليورانيوم .
وينبع من كردستان أعظم نهرين في الشرق الأوسط – دجلة والفرات – وغالب جريانهما عبر الأراضي الكردية كما تنبع منها نهرا سيحان وجيحان، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سيحان وجيحان والفرات والنيل أنهار من الجنة ). رواه مسلم .
الحياة في كردستان رعوية زراعية، والحياة الاجتماعية تسودها القبلية والعشائرية الإيجابية نوعاً ما .

للمرأة الكردية منزلتها ومكانتها عند الكردي، والدليل عندما قامت القاضية السويدية ( بريجيدا أولف هامر ) بدراسة حال المراة في كل من : سيدي نمران / بتونس ، فزان / ليبيا ، أبي طست في صعيد مصر، وريف السليمانية في كردستان العراق، توصلت أن الحالة النفسية التي تعيشها المرأة المسلمة عموما والكردية خصوصاً أحسن حالا من المراة الغربية لما لها من مكانة عند من يحيطون بها .
والأكراد يكرمون الضيف ويناصرون الحق وشجعان بعنادهم !!

القضية والمشكلة والمآساة :
بدأت مأساة الكراد كما ذكرنا بتقسيم بلادهم إلى خمسة أجزاء إثر اتفاقية سايكس بيكو عندما بدأت الدول الحاكمة بممارساتها القمعية لمحو شخصيتهم داعية إلى نعراتها القومية، فاستخدمت في حقهم شتى ألوان التعذيب وبكل انواع الأسلحة، واللافت للنظر أن الكرد هم آخر من رفعوا شعار القومية ولم يستغلوها – مع شعورهم بها عبر تاريخهم الطويل – للإنفصال عن الكيانات التي كانت فيها، ولم تسع يوما لتخريب ولا هدم مجتمع بالدعوة لقوميتهم، ولذلك دفعوا الثمن غالياً .
وما سأتحدث عنه نذر يسير جدا مما وقع لهم من الظلم والتقتيل والتشريد أمام أعين العالم القريب والبعيد :
ففي تركيا :
منذ أن استلم أتاتورك حكم الدولة التركية وقضائه على سلطة الخلافة، سعى ومن اللحظات الأولى باضطهاد الكرد واتهامهم بالانفصالية والقومية الكردية ليؤلب عليهم الأتراك وقد نجح نوعاً من عندما وقف في وجه ثورة السيخ سعيد بيران رحمه الله المطالبة بحقوق الشعب الكردي وإعادة سلطة الخلافة الإسلامية. فأرسل أتارتوك بضع فرق عسكرية وتمكنوا في النهاية من القضاء عليه، رحمه الله تعالى .

أما الصراع القومي بأحدث صوره فبدأ مع اللهيب المشتعل بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني في عام 1984م ، وكانت نتيجة هذا الصراع ترحيل الكثيرين من قُراهم نتيجة الصراع بينهم وبين حزب العمال الكردستاني .

 

كما تم حرق أكثر من 1600 قرية عن بكرة أبيها وهاجر منها الكرد إلى المدن الكبرى كاستانبول وانقرة.
ومع مجيء حزب العدالة والتنمية فقد قام ببعض التصرفات الجريئة التي عجز عنها الحكومات التركية السابقة في طريق حل القضية الكردية في تركيا. ومع ذلك بقيت السلطة الطورانية مسيطرة على الحزب والكثيرين من كوادره
وفي إيران :
فالأكراد يعذبون بعذابين ونارين، أما الأول فلأنهم من أهل السنة والجماعة، والثاني لأنهم من الكرد، ولم تنقطع مأساتهم لا في فترة الشاه ولا فترة الحكومة الحالية، والتي تدعي إنها إسلامية، وما قتل الشهيدين أحمد مفتي زادة وناصر سبحاني إلا خير شاهد ودليل .
وأما في العراق :
فقد هُجِّر الأكراد من منطقتهم إلى صحارى الجنوب، وفرق الجلاد والمجرم( صدام ) بين الأسر عن بعضها، هلك الحرث والنسل، وأنشأ معسكرات تعذيب الكرد تحمل أسماء الصحابة، كما أن أكبر الجرائم في تاريخ الشرق كانت باسم ( الأنفال ) وهي اسم صورة في القرآن الكريم .
وتوَّج المجرم السفاح إجرامه بإلقاء القنابل الكيماوية على مدينة حلبجة الشهيدة في ربيع 1988م حتى باتت كما وصفها بعص الصحفيين مدينة الأشباح ومدينة الموت !!
وفي سوريا :
للأمانة كان الأكراد في سوريا ينعمون بحق الحياة فلا يقتلون لأنهم أكراد، وفي عام 2004م انتفض الكرد في مواجه الأمن السوري بسبب فتنة أرادوا إيقاع الكرد فيها وقد سقط يومها العشرات من الثوار والشباب !!
كما أن وجود أكثر من (000 300 ) كردي لا يملكون حق المواطنة، بحكم حرمانهم من الجنسية ظلماً وعدواناً، بالرغم من منح الحكومة للبعض منهم الجنسية بعد اندلاع الثورة في صورة يشكك الكثيرون في سبب منح هذا الحق الذي انتظره الكرد في ظل ظروف قاهرة أكثر من أربعة عقود .
كما سلب من الكرد أراضيهم ووزعت على الذين قدموا من البادية .
واليوم يتواصل قمع الشعب السوري بأكمله على يد نظامه منذ بداية ثورته ولم يقتصر الحال على الكرد فقط !!

الحلول … ولابد من حل !!
المنطقة التي تحوي المشكلة الكردية (الشرق الأوسط) لا يمكن لها أن تهدأ ما دامت المشكلة الكردية قائمة بدون حل، والمنطقة ستبقى مضطربة إلى أن تحل هذه القضية حلاً عادلاً ..
ومنذ أن وعيت وإلى يومنا هذا أسمع الحلول المختلفة لهذه القضية توصف من قبل البعض بأنها خيالية وأخرى بأنها تخاذلية وبعضها منطقية وأخرى متطرفة .. ومنها :

أولاً : الدولة الكردية المستقلة : بأن ينفصل الكرد عن غيرهم في دولة مستقلة خاصة بهم، ولم لا فهم أكبر قومية في العالم لا تملك حق السيادة على أرضه، ما الذي ينقصهم؟ ليعيشوا أحرارا إسوة باشقائهم من العرب والأتراك والفرس وغيرهم من الشعوب ؟!!
ويرى أغلب الكرد – وأنا منهم – أن هذا الحل مع صعوبة تحقيقة إلا أنه حق طبيعي لشعب يملك كل مقومات الدولة كغيره من شعوب المنطقة، ويوصف هذا الحل بالمتطرف من قبل غير الأكراد وخاصة العرب والأتراك والفرس ، ويتهم من ينادي به بالانفصالي !!

ثانياً : الفيدرالية ضمن الدول التي تقتسم كردستان : كما هو الحال في كردستان العراق، وهي تجربة تستحق الاحترام، نجحت بعد مخاض عسير على المستويين الداخلي والخارجي وهذا أمر طبيعي، وهذا الحل أقرب للواقع من الحل السابق ويقبل به الغالبية من الأكراد، بالرغم من تشكيك غير الكرد به وصفه بالتطرف والتمهيد للإنفصال، مع إشارة أن الكرد في العراق مثلاً باتوا الحبل الذي يوحد كل أطراف العراق المختلفة فباتوا عنصر حماية لوحدة العراق، وسبباً في ازدهار كردستان وتحقيق الإنجازات المقبولة نوعا ما .

ثالثاً : الحكم والإدارة الذاتية : وهو ما يطرحه بعض الكرد في ظل الظروف والمراهنات الدولية، وكان هذا مطلب أكراد العراق في بداية الأمر ليتطور إلى صيغة الفيدرالية، ويميل بعض الكرد إلى هذا الحل لمعقوليته وإمكانية طرحه وتطبيقه .
رابعاً : المطالبة بالحقوق الكاملة والاعتراف الدستوري : وهذا مطلب بعض الكرد ويرون أن المطالبة بغير ذلك إنما هو ضياع للوقت وطرح لمكاسب خيالية، ويصفها بعض الكرد بالحل التخاذلي، لأن الظروف مؤاتية للمطالبة بأكثر من ذلك، فعلى الأقل المطالبة بالكثير حتى يتم الحد الأدنى من الكسب المعقول .

خامساً : الحل الإسلامي: وهو ما يطرحة من ينادون بإعادة الدولة الإسلامية واتحاد ولاياتها، وحينها تكون كردستان إحداها في كيان مستقل مرتبط بمركز الدولة كغيرها من الولايات، وهو حل أقرب إلى الخيال منه للواقع، بسبب بعد عن الأكراد عن هذا الحل فمتى ما أسسوا هذه الدولة العادلة فلا شك أن الكرد لن يرفضوا توحيد كيانهم باسم كردستان وتكون لها الحرية كتركيا وسوريا ومصر والعراق والسعودية وغيرها من الكيانات .

وربما هناك حلول أخرى، وقد تكون أفضل مما ذكرت، ولا شك بأن كل حل منها لها من يناصرها ومن يختلف معها … وقد أبرر لكل من يفضل حلاً على آخر، ولكني قطعاً لا أبرر لمن يريد أن يبقى الكرد تحت ظلم غيره يذوق مر الحياة ونكدها …

ولئن سألتني أين حلك وما رأيك … سأعيد لك ما قلته في مقالتي السابقة، تركت هذا لغيرى على الأقل في المرحلة الراهنة لأنه …. لي مهمة أخرى …
أما أنت أخي غير الكردي سواء من أحبائي العرب أو الأتراك أو الفرس أوالروس أو أي جنسية في العالم يملك في القلب بذور الإنسانية وعش الإيمان والرحمة، كثيراً ما كانت حجتكم بأن الكرد لم يوصلوا إليكم قضيتهم ولم يبلغوكم مأساتهم ولم يشرحوا لكم حقيقة وجودهم، فإن كان ذلك صحيحاً، فها أنا أبطل هذه الحجة وأقدم هذه الكلمات التي أكتبها والعالم يموج في تغيرات قادمة لا محالة، ستكون فيها للأكراد موطئ قدم راسخ بإذن الله، وأنبهكم أن مطالبة الكرد بحقوقهم لا يعني الاعتداء على حقوقكم، فلا تحملوا إخوتكم الكرد نتائج سوء فهمكم وظنكم.

إنها مهمتي وها أنذا أبلغكم مأساة قومي، وقضية شعبي وحقيقة وجوده، وآلام أرضه وأنين سمائه ….اللهم هل بلغت … اللهم فاشهد

السلطة الرابعة : الدكتور علاء الدين جنكو

تنويه : مقالات الرأي تعبر عن رأي وفكر كاتب المقال , ولاتعبر بالضرورة عن رأي ” السلطة الرابعة “

شارك