السلطة الرابعة : العرب والكرد بين بيانين، هل ستعبر النخب فوق الجسر أم تسقط في المياه المتلاطمة؟

السلطة الرابعة : العرب والكرد بين بيانين، هل ستعبر النخب فوق الجسر أم تسقط في المياه المتلاطمة؟

على خلفية المشادات والمناوشات الكلامية التي حدثت بين العرب والكرد وأخذت طابعاً تصعيدياً خطيراً، وذلك على اثر ما تلى تطهير مدينة تل أبيض -كري سبي من قوات داعش على ايدي وحدات الحماية الشعبية ذات القيادة و الغالبية الكردية، من عمليات هجرة واسعة للسكان العرب من المنطقة نحو تركيا أكدتها تقارير صحفية ومؤسسات حقوقية دولية، قال البعض إنها عمليات تهجير عرقية للسكان العرب، فيما نفاها الأكراد من جانبهم واتهموا جهات اعلامية بافتهالها.

أصدر مجموعة من المثقفين العرب والكرد في السابع والعشرين من حزيران المنصرم، بياناً مشتركا عنونوه بـ :

“سورية للجميع وفوق الجميع.. بيان الوحدة الوطنية الكردية – العربية في سورية”، وجاء فيه:

“ندعو أبناء شعبنا السوري، وخاصّة النخب الثقافيّة والسياسيّة، إلى الابتعاد عن التورط في هذه الفتنة، وفضح الضالعين فيها والمروّجين لها، والعمل على تنقية الأجواء، والتشديد على نقاط التلاقي المشتركة، وتحييد العرب والكرد عن هذه الصراعات الغرائزية التي لن تعود بخير على أحد، مؤكدين أن ما يحصل هو حالة طارئة لن تنال من عزيمة وإرادة شعبنا الكردي والعربي في المضي قدماً نحو سورية، ديمقراطيّة، تعدديّة، مدنيّة، لكل أبنائها، وبكل أبنائها”

ورغم أن هذا البيان وقع عليه المئات من العرب والكرد من أفراد وجهات وأحزاب، بينهم أعضاء في الائتلاف والمجلس الوطني والجيش الحر والعشرات من الكتاب والصحفيين، إلا أنه بعد أقل من أسبوع واحد أصدرت مجموعة أخرى من المثقفين في الرابع من تموز بياناً آخر حول نفس المضمون حمل عنوان:

“معاً لحماية السلم الإهلي وبناء سوريا إتحادية فيدرالية !!”

البيان الجديد ورغم أنه من حيث الروح و الشكل العام حمل مضموناً مشابها للبيان الأول، إلا أنه تضمن على الأقل تفصيلين ينافيان ما ورد في البيان الأول، بل إن البعض يعتقد أنه كتب تحدياً للرد على هاتين النقطتين

التفصيل الأول: أن البيان الثاني الجديد وكما هو واضح صراحة من عنوانه تحدث عن شكل نظام الحكم المستقبلي في سورية (إتحادية فدرالية) وهو ما ينافي ما لخصه البيان الأول بعبارة عامة لم يأت فيها على تفصيل شكل الحكم المقبل “سورية دولة، ديمقراطيّة، تعدديّة، مدنيّة، لكل أبنائها، وبكل أبنائها”

التفصيل الثاني: ما يتعلق تحديداً بوحدات حماية الشعب وبحزب PYD

ففي حين ان البيان الأول ادان علاقة الحزب بنظام الأسد، لكنه في الوقت نفسه أبقى الباب موارباً في وجه الاتهامات المنسوية إلى الحزب حول التهجير العرقي مالم تثبت بأدلة يقينية قاطعة:

” ندين علاقة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بنظام الأسد، ونطالبه بفكّ ارتباطه معه، ونستنكر بشدّة انتهاكات وجرائم وممارسات هذا الحزب بحق كل المختلفين معه في الموقف والرأي والسياسة من الكرد والعرب، وندين ما يُثبَت على ذارعه العسكرية وحدات الحماية الشعبية” (YPG) من انتهاكات وجرائم بحق العرب في المنطقة، إذا توفّرت الأدلّة اليقينيّة الدامغة على ذلك”

جاء البيان الثاني ليبرئ الـ PYD ووحدات الحماية الشعبية، بل ليصفها بالمدافعة عن قيم الديمقراطية والحضارة والانسانية:

“إن ما يحصل من معارك في المناطق السورية وخاصة الجزيرة وكوباني-عين العرب وماحصل مؤخرا في كري سبي-تل أبيض هي معارك دفاعية تحريرية تخوضها وحدات حماية الشعب وفصائل الجيش الحر المنضوية في غرفة بركان الفرات , وهي ليست موجهة إلى عرق أو طائفة ,وبالتالي لا يمكن وصف طرد الجماعات الإرهابية وداعش منها بأي شكل من الأشكال بعمليات تهجير وتطهير عرقي ضد العرب أو التركمان , كما زعمت جهات ووسائل إعلام لها أجندات سياسية خاصة ومرهونة لمصالح دول إقليمية هي على صراع تاريخي مع حركة التحرر الكوردية , وإن ماحصل في كري سبي-تل أبيض وريف الحسكة من هروب جماعي وبعض التجاوزات المتعلقة بظروف الحرب هناك, إنما كان نتيجة المعارك ونتيجة قصف التحالف الدولي لمناطق إحتلتها داعش وفرضت عليها قوانينها الخاصة , وكذلك ساعدت الإشاعات المغرضة بالهجرة ,إضافةً للتجييش الإعلامي الموجه الذي أدخل الرعب والذعر في نفوس المواطنين العرب خاصةً . وتأكيداً على دور الإشاعات السلبية و بعد التأكد من عدم صحة ما أشيع عاد الغالبية العظمى إلى أماكن سُكناهم وبمساعدة وحدات حماية الشعب التي أمنت لهم مستلزمات الحياة الضرورية من مأكل ومشرب بشكل طارئ . وعليه نستنكر وضع وحدات حماية الشعب وداعش والنظام في كفة واحدة عند توصيف الصراع الدائر وشكله, فوحدات حماية الشعب تضم في صفوفها جميع المكونات و تدافع عن القيم الديمقراطية والحضارة والإنسانية”.

على أن رغم ذلك، تبقى نقاط اللقاء بين البيانين كثيرة، ليس أولها الاتفاق على ضرورة الاحتكام للمصير المشترك بين العرب والكرد وضرورة وقف المناوشات الكلامية والاتهامات المتبادلة، وليس آخرها الاتفاق على اعتماد الآليات الديمقراطية في تحديد مستقبل سورية، كما جاء البيانان واضحين لجهة ضرورة اسقاط نظام الأسد كضرورة لازمة للانتقال للمرحلة الثانية وهي مرحلة التحرر والحل الدائم، كذلك لم يتطرق البيان لموضوع الانفصال، وهي التهمة التي لطالما اتُهم الاكراد بالسعي وراءها من قبل العديد من الجهات الوطنية والعربية.

لماذا البيان الثاني؟

حول مبررات وموجبات وأهداف اصدار بيانين لقضية واحدة في هكذا فاصل زمني قصير، التقينا الدكتور علاء الدين آل رشي أحد الموقعين على البيان الثاني:

علاء آل رشي2

هل صدر بيانكم للرد على بيان “الوحدة الوطنية الكردية – العربية في سورية” الذي وقّع عليه المئات من المثقفين العرب والكرد قبل بيانكم بأسبوع؟

بالطبع نحن نثمن تلك المبادرة والتي تعد بياناً للوحدة الوطنية؛ وهي بحق خطوة نشكر القائمين عليها؛ ولكن ليس من المعقول أن نجعل بيان الوحدة الوطنية الكردية العربية أو بياننا المسطرة التي نقيس عليها مصلحة الوطن والمواطن … إن رؤيتنا لا تنطلق من ثقافة (الجكارة؛ ولا النكاية)؛ ولكنها جهد وطني كوردي سوري امتياز يسعى لإيجاد المفقود وتحسين الموجود… بياننا لم ينطق بحرف عن الانفصال؛ ولكن للأسف الكثير يعدون الكورد انفصاليين!!! من حقنا أن نطالب بتصور يراعي التعدد من غير تناحر … ومن حقنا ان نبين فقهنا ووعينا بالسلم والمواطنة والحريات وإدارة الحكم… ان الجموع الطيبة من الذين وقعوا على البيان وهم كوكبة من العقلاء من كل سوريا لم يفكروا وهم يتوافقون على مضامين البيان ان بياننا هو بيان النكاية أو الوشاية او التخليط. نحن قلنا مع الحرية ومع العدل وهذا يزعج المتشددين … قد يقال: إن بياننا فيه استفزاز أقول:

نعم ربما هو مستفز وهذا طبع الحراك السياسي إنه عمل متحفز وليس خائراً؛ يثير العقل وقد لا يوافق هوى ما يطلبه المتشددون

البيان لن يريح الموتورين ولا المقاولين… من حق الآخرين ان ينقدوه لا ان يخونوه… ومن الواجب علينا ان نحترم رؤوى الآخرين … ثلة من المفكرين من طه الحامد ويوسف الخالدي وووو… تعاقدوا على سلمية المضمون وانسانية التصور هذا هو المشروع السياسي للكورد

عنوان بيانكم (وبناء سوريا إتحادية فيدرالية ) ألا تعتقدون أنه من المبكر طرح شكل سورية المستقبل والحرب ما زالت جارية وليس هناك من مؤهل لمنح شرعية هذه التسميات سوى ما يقرره الشعب السوري بشكل حر عند استقرار الأوضاع؟

دعنا نتجاوز فكر الأنظمة الشمولية التي أجلت كل إصلاح بحجة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأن الوقت الراهن لايصح فيه مطالبة إن مطالبنما تعمق الوحدة الوطنية وتمنح خيار الحرية واسقاط الديكتاتور القاتل

لكن هناك مواد متضمنة في المواد الجديد واضح أنها قيلت بالتحديد للرد على البيان المذكور.

عزيزي التفاصيل دائماً تخضع للأخذ والرد ؛ ومن حقنا ان نرد ونبين رأينا هل في هذا اي مشكلة ؟! كل الأحزاب الكوردية تخضع للمحاسبة وللمساءلة؛ إذا لم تلتزم الاعراف والقوانين وحقوق الانسان … و pyd ليس حزبا نزل من السماء؛ ونحن في البيان لم ندافع عن هذا الحزب، وان دافعنا عن قوات الحماية الشعبية لكننا نرفض ايضا التصورات المستحضرة لإدانته؛ نحن نريد ادلة لا فبركات إعلامية ولا نريد أيضا تعميم الأخطاء الفردية وإلصاقها بحزب له سابقة في دحر داعش وقوى الظلام … ما يروجه البعض حول قوات الحماية الكوردية أشبه بالحديث عن الديناصورات الطائرة … الوطن والاخلاق والدين والثورة تلزمنا واجب التثبت

هل من مصلحة المثقفين العرب والكرد الذين يقيمون في الخارج أن يتم الترويج لنقاط الخلاف التي تفضي للاقتتال على الأرض، ولماذا لا يستطيعون الاجتماع على أقل الممكن لحين الخلاص من النظام الذي أدانه البيانان؟

انها نقاط خلافية في ظاهرها ولكنها توافقية في مضمونها، نحن قدمنا تصورا انسانيا يخضع للدراسة والبحث والنقد ولكن لدي سوْال : هل رفضنا الحرية ؟ هل تمت مهادنة النظام ؟ هل أكدنا على غير السلم الأهلي وحقوق الانسان وسيادة القانون ؟ كل من وقع معنا يرفض أي تطرف سواء اكان قوميا أو دينياً

طرح العاملون على البيان الأول ما اسموه (المبادرة العربية-الكردية في سورية) بهدف تشكيل خلية عمل دائمة للعمل على تخفيف نقاط التوتر بين الطرفين وايجاد سبل اللقاء لما فيه سورية دولة حرة مستقلة لجميع ابنائها، هل أنتم مستعدون للتجاوب مع هذه المبادرة والعمل لأهدافها المعلنة؟

نحن جزء من التراب السوري، وسوريا في العين وفي القلب وعلى الرأس ونحن نمد يدنا للجميع بشرط ان يفكروا بعقل المواطنة والحريات العامة والكف عن ذهنية شمولية تختصر الكورد بحزب او العرب بحز، القضايا المشتركة مهمة وكبيرة ولن يسقط بشار اذا لم نكن يدا واحدة عرباً وكورداً وسوريان وآشور وووو… يد واحد من اجل الانسان بغض النظر عّن قوميته او دينه … مع احترام خصوصيات الجميع والعمل على دمجها لا اذابتها… الله لن يحاسبنا على اختلاف قومياتنا ولا أعراقنا ولا طائفتنا ولكنه سيحاسب الظالم … فهل سنقبل ان نلتزم باخلاق الله، ان الله يأمر بالعدل بين الناس والاحسان ايضا هل سنقبل ان نجتمع تحت سقف واحد … انبرى البعض يظلم الكورد ويتهمهم بالعمالة واستباق الواقع عندما طالبوا بالفدرالية !!! غريب اليس منطق الحكم العادل هو الذي يجمع الكل؟ اليس الظلم هو من جعلنا نثور على الاسد ؟! عندما نعمم أفكارا مدنية ودستورية نكون فوتنا على النظام اعادة تدوير وإنتاج استبداده وجمعنا الناس على الله سوريا حرية وبس .. هذا ما نؤمن به نحن الكورد سوريا للجميع وليس من قومية او دين فوق سوريا بالإكراه .

من جهته يقول الصحفي اياد شربجي أحد العاملين والموقعين على البيان الأول:
eiad-pic

مع تأكيدنا أنه كنا لا نتمنى أن يصدر بيانان طالما هدفنا المشترك المعلن هو محاولة التقريب ورأب الصدع الحاصل، وأنه كان يجب على النخب قبل غيرها أن تثبت أنها قادرة على الأقل على اثبات نجحها بإصدار بيان واحد مشترك يعكس جهودها وأهدافها المعلنة، إلا أننا لا يمكننا إلا أن نرحب بأي جهد يصب في صالح اعادة جمع السوريين حول قيم المواطنة والعدالة، اجمالا نحن نعتبر ما يحصل من خلافات بين العرب والاكراد بين فترة وأخرى هو دليل مرضي يدعونا لنعمل بجد أكتر لتكريس دولة المواطنة، فهذا النوع من الخلافات لا يظهر إلا عندما تشعر المجموعات المختلفة أنها مهددة وجودياً، وهذا طبيعي في ظل ما يحصل، وهو ما تسبب به أولاً واخيراً النظام السوري من افتعال لانقسام طائفي وقومي نتج بالضرورة عن عنفه الممنهج والطائفي، ما أمّن البيئة المناسبة لقدوم القوى المتطرفة الظلامية إلى سورية من كل حدب وصوب، وهذه القوى – بالمناسبة- كانت سببا رئيسياً وجوهريا في الخلاف العربي الكردي، وذلك على اثر ما قامت به داعش في الشمال السوري، وهنا يجب أن لا ننسى كيف قامت الثورة السورية حراكاً موحداً جامعاً، وكيف ارتفع علم الثورة والعلم الكردي جنباً إلى جنب في المظاهرات، وكيف سميت سميت إحدى جمع الثورة من قبل الغالبية العربية بـ “أزادي” ، وكيف قام النشطاء في كوباني بالتضامن مع ريف دمشق وبقية المحافظات السورية.

إنها مرحلة صعبة من الصراع يجب أن نتجاوزها بكل وعي ومسؤولية، فإذا لم نتجنب هذه الانقسامات الآن فقد تتفاعل الأمور ونصل إلى مرحلة يصعب أو يستحيل بها ذلك.

وعن المبادرة العربية الكردية في سورية، يقول شربجي:

من الواضح أن هذه الازمات مستمرة للسنوات القادمة، وفي حرب مجنونة كالتي تحصل على الأرض السورية اليوم فإن الخلافات مرشحة للتفجّر باستمرا، لذلك قررنا نحن المجموعة العاملة على البيان الاول اطلاق هذه المبادرة كخلية عمل دائمة تحاول أن تكون نقطة اللقاء الدائمة بين العرب والكرد، ونحن سعداء أن نسمع من الدكتور آل رشي ترحيبه بالمبادرة، وندعو الموقعين على البيان الثاني للعمل معنا على هذا المشروع، لنثبت جميعاً أننا أهل لهذه المهمة، ولتطلعات الناس، ولأننا أولباً وأخيراً نمتثل ما نقول.

السوريون اليوم أمام امتحانات صعبة، فعدا عن العمل على الخلاص من الأسد كهدف أول، فهم مطالبون الآن بالتعامل مع كل الأزمات الناشئة، وهي ازمات كبيرة ومعقدة (سياسية- اجتماعية- اغاثية…)، وضع يتطلب بالضرورة ان يرتب الجميع أولوياتهم، وأن يتوحدوا خلف أهداف مشتركة ويحاولوا فك العقد واحدة تلو أخرى، هذا الأمر لم يعد نوعاً من الترف الآن، بل هو مرور إلزامي وهادئ فوق جسر تحيط تحيط به الأمواج المتلاطمة، وان اي حركة أو تدافع فوق هذا الجسر سوف يطيح بالسوريين في بحار لا يعرف قرارها.

السلطة الرابعة : السوري الجديد- هيئة التحرير

شارك