السلطة الرابعة : فواز تللو …كيف صمدت الزبداني ؟

السلطة الرابعة : فواز تللو …كيف صمدت الزبداني ؟

لست هنا لأحلل الأبعاد العسكرية لمعركة الزبداني وقد أشبعها آخرون تحليلاً وأوهاماً وأمنيات، بل لأضيء على أمر أعتبره أهم بكثير، ليس للزبداني فقط بل للثورة السورية بشكل عام لتحقق النصر المنتظر.
فقد حصل في الزبداني تماما ما حصل في عموم سوريا الثورة، فبعد أن اقتربت الثورة من الانتصار بعد أقل من عامين على انطلاقتها، تدخلت المعارضة الفاسدة بشكل كبير لتفسد الثورة عبر تضليل سياسات الدول الداعمة ودعمها وتحولها إلى مشاريع ارتزاق وتناحر و”مقاولات” سياسية وعسكرية، شخصية وحزبية، انتقلت عدواها بسرعة للداخل الثائر، لتضيع الفرصة حينها (أواخر عام 2012) في زواريب المصالح الشخصية والحزبية لفاشلين وطامحين “إسلاميين وعلمانيين”، ولتدخل عوامل وأهداف جديدة ضيعت المشهد وأدخلت الثورة في متاهات دولية وعالمية تدفع ثمنها اليوم بإهمال مقصود لمعاناة السوريين نتيجة رمي الثورة بالتطرف تبريرا لسحقها والتآمر عليها مع النظام الأسدي الطائفي وسيده الإيراني الإرهابي.
وهكذا وقبل انطلاق معركة الزبداني الأخيرة وخلال العامين الأخيرين فعلت الفرقة فعلها بين أبنائها، فانقسموا وتناحروا بانتماءاتهم الفصائلية و”الشرعية”، انتماءات لتنظيمات كل قياداتها العليا لا تنتمي للزبداني، وبعضها غير سوري (مع احترامنا لكل من يساعد السوريين في ثورتهم دون مصادرة لها)، ومارس البعض في الزبداني الترهيب والترغيب ضد البعض الآخر سعيا لبسط سيطرة تنظيمه، وتم تغييب ناشطين مدنيين وعسكريين مهمين وإرغامهم على المغادرة بعد أن تم تكفيرهم من قبل “شرعيي” هذه الفصائل الموجودين خارج الزبداني، ولم ينتج ذلك إلا إبقاء لحال الجمود العسكري كما هو، مع تدمير ممنهج تدريجي للبلدة وتشريد وإفقار استراتيجي أكبر لأهلها، ودفع الناشطين المخالفين من عسكريين ومدنيين للتراجع و”المصالحة”، أو الابتعاد، أو التشرد خارج سوريا، مبتعدين عن ساحة الفعل لينعم من تبقوا بشرف الولاء والبيعة وغيرها من مصطلحات الفتنة التي أعتبرها باطلةً بالمفهوم والمرجعية الإسلامية لهذا العصر، مرجعية أنطلق منها شخصيا ولا أعمل بمواجهتها.
نعم، هي أقوالُ وأفعالُ باطلٍ يراد بها أيضا باطلٌ كونها تحتقر الثورة وأهدافها التي أطلقتها في البداية، وكونها تحتقر عشرات الآلاف من متظاهري الزبداني وعشرات الآلاف من أهل البلدة الذين تشردوا من أجل هذه الأهداف وخسروا كل ما يملكون، وآلاف من أهل الزبداني الذين لا يزالون يئنون في المعتقلات وآلاف من شهدائها الذين سقطوا من أجل أهداف الثورة في المعارك والمعتقلات، أهداف للثورة وجدها كل هؤلاء في صميم إسلامهم ومقاصد شرعه، أهداف واضحة اجتمعوا عليها معا دون خلاف تمثلت في “الحرية والكرامة والعدالة” رافعين فقط علم الاستقلال والثورة، أهداف تمثل روح الإسلام ومقصد شريعته ومبتدأها ومنتهاها، وتمثل مفهوم “إسلامية” الدولة بشكلها العميق العصري، مفاهيم حاول البعض تغييبها في شعارات “الخلافة والبيعة وتحكيم الشريعة” من قبل شرعيين عينوا أنفسهم مندوبين عن رب العباد كأوصياء على عباده وعقولهم ليفرضوا مفهومهم بالقوة والقهر، وفي غياب وفشل كامل لمشايخ الثورة المنغمسين في لعبة السلطة السياسية الشهية.
معركة الزبداني الفاصلة اليوم كانت ضرورية ليعود البعض إلى رشدهم، فمن يقاتل في الزبداني اليوم هم فقط أهلها وشبابها (ومعهم شباب من مضايا) بغض النظر عن انتماءاتهم الفصائلية و”الشرعية”، وبغض النظر عن تركيز وسائل الإعلام “الصديقة” والعدوة على جبهة النصرة ودخولها الاستعراضي للمعركة عبر عدد محدود جدا من عناصرها من أهل الزبداني العائدين بإرادتهم أولا للدفاع عن بلدتهم، ينطبق الأمر على ما قيل عن دخول “داعش” للمعركة عبر التركيز على عدد محدود جدا من عناصرها من أهل الزبداني العائدين للقتال فيها, وينطبق ذلك على إعلان دخول “حركة أحرار الشام الإسلامية” للمعركة مع العلم أن الحركة موجودة أصلا وشكلت الفصيل الرئيسي داخل الزبداني منذ عامين.
من دخل الزبداني مؤخرا للانضمام للقتال فيها من المنتمين لداعش والنصرة وربما آخرون هم قلة صغيرة جدا بالقياس للصامدين أصلا فيها والذين كانوا قد انضووا بمعظمهم على مراحل تحت راية “حركة أحرار الشام الإسلامية”، لكن النقطة الرئيسية في الموضوع تكمن في أن الذين عادوا للزبداني فعلوا ذلك دفاعاً عن بلدتهم وأهلهم لا استجابة لأوامر قادتهم ومشاريعهم أو عصيان لها، عادوا كأبناء للزبداني ومن أجل معركة الزبداني التي بدأت يوم انطلقت الثورة، وأيضا من كان موجودا في الزبداني بغض النظر عن انتمائه الحركي يقاتل اليوم لنفس الهدف وبنفس السياق دفاعا عن مدينته مرحبا بإخوته من كل الحركات.
وهكذا ، اتحد الجميع ليقاتلوا اليوم تحت راية “معنوية” واحدة حتى لو لم نراها مرفوعة في المعارك، وهي حتما ليست الراية “الفصائلية” لحركة أحرار الشام الإسلامية، عادوا للزبداني واتحدوا مع من كان فيها باعتبارهم جميعا وفقط أبناء الزبداني الثوار الأحرار الذين أطلقوا الثورة هناك، وهم يقاتلون اليوم بعد أن وضعوا خلف ظهورهم انتماءاتهم الفصائلية ومراجعهم “الشرعية” التي تكفر وتستحل دماء بعضها البعض، عادوا ليدافعوا عن حرية مدينتهم وكرامتها وحقوقها، لا لإنشاء دولة خلافة ولا لقطع الأيدي ولا لقمع حريات الناس تحت شعار تطبيق الشريعة، ولا لموالاتهم للبغدادي أو الظواهري أو فلان من الناس من طالبي البيعة.
باختصار إن من يقاتلون في الزبداني اليوم (ومعهم بعض رجال مضايا) إنما يفعلون ذلك بالعودة عمليا إلى جذور تمثل روح وأهداف الثورة بشكل ما دون إعلان وبياناتٍ وجلسات بحث وتحليل لا يسمح بها الظرف، بل دون أن يدري كثير منهم أنهم قد “عادوا” فعلاً إلى هذه الجذور، فهم يخوضون معركتهم اليوم بمن كانوا تحت الحصار وبمن عادوا للزبداني ليقاتلوا عمليا تحت راية الثورة وأهدافها تماما كما بدؤوا الثورة معا قبل أن تفرقهم دعاوى “الشرعيين” وأموال المانحين ومشاريع دولة الخلافة والدولة العلمانية، وتشوش عليهم “رايات” كلمات الحق الإسلامية وغير الإسلامية التي يُراد بها الباطل والتفرق.
أيضا كثير من الناشطين المختلفين في ما بينهم وضعوا خلافاتهم خلف ظهورهم وتوحدوا مرة أخرى تحت أهداف ورايات الثورة النقية الأصيلة مندفعين في معركة صمود الزبداني، صمود أسطوري لا يفسره إلا عودة الجميع من مقاتلين وناشطين إلى الجذور التي يرضى عنها الله، فالله ينتصر لسننه في الإخلاص والصواب عندما يجتمعا معا، كما يحصل في الزبداني.
إن تجربة الزبداني اليوم في معركتها وصمودها تعتبر مثالا مهما عن أهمية العودة إلى جذور الثورة وأهدافها، وأهمية توحد أبناء المنطقة الواحدة في هدف واحد يتمثل في منح بلدتهم “الحرية والكرامة والعدالة” بعيدا عن التنافس على الزعامة وبعيدا عن تناحر المشاريع والانتماءات الحركية، وفي تجاوزٍ عملي للمرجعيات السياسية والعسكرية و”الشرعية” التي ابتعدت عن جذور الثورة وتعيش خارج معاناتها الخاصة، ليأتي بعد ذلك التنسيق مع باقي المناطق لنفس الأهداف.
ومع ما حققت تلك العودة إلى الجذور من صمود أسطوري، وبغض النظر عن نتائج المعركة الدائرة هناك، وبعد تجربة “داريا” الرائدة، فإن تجربة الزبداني اليوم وتطويرها، أمر يمكن البناء عليه أيضا “فكريا وتنظيميا، سياسيا وعسكريا” في كل مناطق سوريا المحررة والمحاصرة في مشروع يتبناه شرفاء الثورة لكسر الجمود في موازين القوى العسكرية، وتسريع النصر وتحقيق الثورة لأهدافها، عبر مراجعة وتصويب البوصلة الفكرية، والخطاب والمرجعية السياسية، والهيكلية التنظيمية للثورة، لتستعيد زخمها وحاضنتها الشعبية.

السلطة الرابعة : فواز تللو – سياسي سوري معارض برلين – ألمانيا

شارك