السلطة الرابعة : فواز تللو … مشايخ برسم السلطة !!!

السلطة الرابعة : فواز تللو … مشايخ برسم السلطة !!!

مشايخ تمتعوا بنعيم تمثيل الله في سوريا في ظل النظام الأسدي وغالبا بتوافق وتفاهم معه، قرروا “الانشقاق” فخرجوا إلى بلاد الله الواسعة، ليس لجوءً في المخيمات وجحيمها بقدر ما هي سياحة في بلاد الله الجميلة “ليتمتع” (مشتقة من أحد أنواع الزواج) معظمهم بالمعارضة والسلطة بعد أن سيطر عليها النظام ورمى لهم بفتاتها.
أحدهم يفتتح خطبة العيد في أحد بلدان اللجوء بقوله “إن مشكلة الشام كبيرة ولن أتكلم عنها وسنتكلم في هذا العيد المبارك عن تقوى الله والصلة في الأعياد” وكأن هذه الخطبة لم يسمعها السوريون بعدد سنين حياتهم وفق روزنامة الخطب المقررة كمنهج دراسي سنوي إلزامي دقيق ممل.
شيخ آخر تحفز فأطلق فتوى ضد داعش الإرهابية وكأن هناك من ينتظر فتواه متناسيا أن أحد أسباب التحاق الشباب بداعش إنما هو تقصيره وفشله كداعية، بينما يتجاهل (وأقرانه) إصدار فتوى واحدة لمن يوجدون “رغما عنهم” في جيش النظام، فتوى تلزمهم بضرورة التمرد على النظام وتوجيه السلاح إلى قادتهم الذين يعطون الأوامر بالقتل إن اضطر الأمر وإلا سيموتون ميتة الجاهلية والخيانة.
بعض آخر لا زال وبعد كل ما حصل يصمت عن إطلاق موقف واضح من النظام الأسدي الطائفي مع أنه يعيش “بأمان” من بطش النظام في الخارج متمتعا هو أو “الباب” (وكيل الإمام المستتر لدى العقائد الباطنية) الذي ينتدبه بنعيم المعارضة الحرام، فالرجل حتى اللحظة لا يريد قطع طريق العودة “إن فشلت الثورة” كما أسر لخواصه.
ومشايخ بقوا في المناطق المحررة والمحاصرة، فقام بعضهم بواجبه منحازا للثورة وللناس في وجه النظام ثم في وجه تجاوزات ومشاريع بعض الثوار بمن فيهم “الإسلاميين”، بينما اندفع آخرون خلف شهوة السلطة وباتوا “مفتين” لدى أصحاب البندقية “المؤمنين” بعد أن مارسوا سابقا نفس الدور مع النظام أو أصحاب البندقية “غير المؤمنين”.
مشايخ آخرون يتقافزون في برامج بيع سلعة الدين التلفزيونية متمتعين بأجواء التصوير “السياحية الخلابة والمرفهة” في تركيا ليستمع الناس إلى “الشو” الاستعراض الرمضاني المنفصل عن واقع المعاناة التي تجري على بعد بضع مئات من الكيلومترات عنهم فقط.
مشايخ آخرون يلهثون لبناء مملكتهم “السياسية” فيخوضون في ما لا يفقهون “سياسيا” مستخدمين لحاهم والإسلام كأداة “ترويجية” حالمين بالزعامة السياسية مطلقين مشاريعهم السياسية الغامضة خوفا من كشف بواطنهم وأهدافهم للناس “الجهلة” الذين لا يدركون مصلحتهم كما يدركها “مشايخ السياسة” هؤلاء، طبعا مع ادعاء رخيص بتواضع مصطنع وتعفف عن السلطة واحترام مزيف للنقد يختبئ تحته مشروع مستبد لاهث للسلطة السياسية المباشرة المغرية بعد أن حصر النظام الأسدي امتيازاتهم في الفتات الذي كان يرميه لهم مقابل دورهم كمخدر للشعب المقموع.
طبعا لا يمكن المرور على موضوع “المشايخ السوريين” دون تناول نجوم الشاشات من “مشايخ العرب”، الذين سعدوا في رمضان بالنجومية والمال مقدمين إبر المخدر مبتعدين عن كل شأن عام بينما نصف جمهورهم العربي الذي تجرأ على طغاته يعاني الأمرين والويلات وسط صمت “مشيخي” شبه مطبق إلا بما تحدده الأوامر، ناهيك عن من سقط من هؤلاء المشايخ “العصريين” في مهاوي النفاق بعد أن غيروا معسكرهم أكثر من مرة من المستبد إلى الثورة عليه فعودة آمنة إلى حضن الاستبداد المستجد.
كل هؤلاء المشايخ السوريون والعرب نسوا واجبهم الأهم: تصحيح مسار الثورات والأخذ على يد من يطرحون مشاريع وأد الديموقراطية وقمع الحريات تحت شعارات إسلامية فضفاضة لا معنى سياسي أو تنظيمي لها كمصطلح الخلافة، أو يطرحون مصطلح تطبيق الشريعة الفضفاض ليطبقها كل منهم حسب فهمه وكأنه امتلك الحقيقة المطلقة والمعتقد النقي أما الآخرون فهم “ضالون” يحتاجون لإصلاح بالكلمة أو السوط أو السيف، وهو تماما نفس الفهم الذي أدى لاستباحة الدماء من قبل داعش، وهو ما بدأت تبدو ملامحه من صراع بين من يفترض أنهم شركاء الثورة السورية بكل تشكيلاتها بمن فيهم أهل المعسكر الواحد من إسلاميين ومعتدلين مع تحفظي على التصنيف، وهو ما سيؤدي لاحقا إلى انتشار الاقتتال بينهم واعتدائهم على حريات السوريين (الذين إنما ثاروا من أجل الحرية) وهو ما ظهرت ملامحه في أكثر من منطقة محررة أو محاصرة، وكله في إطار صراع على السلطة تحت عنوان “اصطراع المشاريع الإسلامية”، ناهيك عن احتقار كل هذه المشاريع لكل تاريخ الإسلام والبشرية وسوريا ودولة الاستقلال ورجالاتها، وذلك عندما تقوم هذه المشاريع التي تتصارع مدعية شرعيتها “الإسلامية” عبر الفرض بقوة السلاح مبدية الاحتقار لكل الإرث التاريخي السياسي والقضائي والشرعي والاجتماعي، ولكل إرث دولة الاستقلال التي صادرها البعث الطائفي والتي قامت الثورة في ظل رموزها وقيمها وعلمها رغبة باستعادتها.
بالمقابل يتفق معظم مشايخ “الثورة” المفترضين هؤلاء في الداخل والخارج مع تناقضهم، يتفقون على عدم الاقتراب من القضايا الأهم: ثورات الربيع العربي، قضايا الحريات والديموقراطية والدولة المدنية الحديثة بمفهوم ومرجعية ثقافية إسلامية، أنظمة الحكم الحديثة، التجديد وتصحيح المفاهيم وربط كل هذه الأمور بمقاصد الشريعة الإسلامية.
هذه هي القضايا الراهنة، والقضايا التي سيصطدمون بها بدرجات متفاوتة مع كثيرين ومع مجتمع يحمل مفاهيم مشوشة أو شوهها القمع الطويل، وسيصطدمون ببعض السلطات “المختصة” في كل موضع، ففي حالة الربيع العربي سيصطدمون بسلطة بعض أهل سلاح الثورة من تشكيلات إسلامية رمت بكل هذه القضايا خلفها فارضين بسلطة البندقية مفهومهم للإسلام والشريعة ومن خلفها “سلطتهم الاستبدادية”، تماما كما فعل قبلهم النظام الذي ثار الناس وهم عليه.
هنا وفي هذه القضايا الراهنة والمستقبلية الهامة يكمن دور المشايخ الوحيد المطلوب، وهو دور مهم جدا يوازي بل قد يفوق أي دور سياسي أو عسكري موازٍ له أهله، وهنا يظهر فشل البعض وضحالة بعض آخر وانتهازية آخرين، وهنا موضع حسابهم أمام الناس والتاريخ والله، فقد تحولوا من ساكتين ممالئين للسفاح وأبيه قبل الثورة إلى طلاب لسلطة الثورة أو ممالئين لكل من يحمل سلاحا من أهل الثورة، والأمر سيان بكل الأحوال، فالثورة قد اتاحت لهم الفرصة ليحصلوا على نصيب في كعكة السلطة بعد أن كانوا مجرد “دراويش” يقتاتون على فتاتها.

السلطة الرابعة : برلين : فواز تللو – سياسي سوري معارض

شارك