السلطة الرابعة : د. وليد البني . قراءة في نتائج اجتماع فيينا الأخير (هذه الجعجعة لن تنتج طحيناً)

السلطة الرابعة : د. وليد البني . قراءة في نتائج اجتماع فيينا الأخير (هذه الجعجعة لن تنتج طحيناً)

لم يرشح الكثير من التفاصيل عمَّا جرى في إجتماع فيينا الأخير ، حيث لم نسمع الكثير من التصريحات من الوزراء الذين حضروا الإجتماع كما في المرة السابقة ، ربما بسبب انحراف الاهتمام السياسي والإعلامي نحو الأحداث المأساوية التي حدثت في باريس نتيجة العملية الإرهابية التي أودت بحياة الكثير جداً من المدنيين الأبرياء.

لكن المؤتمر الصحفي الذي عقده وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا والمبعوث الأممي الى سوريا ستيفان دي مستورا لم يوحي بأن تقدماً حقيقياً قد حصل، فالخلاف الرئيسي والأساسي بقي قائماً والذي بدون حسمه سيبقى الحديث عن حل سياسي في سوريا مجرد جعجعة لن تنتج طحيناً.

ما قال الوزيران انه تم الاتفاق عليه هو ليس أكثر من الخطة الروسية التي تم تسريبها قبل أيام ولاقت رفضاً قاطعاً من قبل الأغلبية الساحقة من فصائل المعارضة السورية السياسية والعسكرية وأيضاً من قبل السعودية وقطر وتركيا. فالحديث عن حل يقوم به السوريون أنفسهم كما جاء على لسان الوزيرين يقوم على تشكيل حكومة وحدة وطنية ( وليس هيئة حكم كاملة الصلاحيات كما جاء في جنيف) ومن ثم إقرار دستور تجري على اساسه انتخابات عامة يشارك بها السوريون في الداخل والشتات (في ظل بقاء هيمنة الأسد وأجهزته الأمنية على المجتمع السوري) .

هو كلام عام لايمكن صرفه على أرض الواقع ، كما أن الحديث عن استعداد الدول دائمة العضوية على دعم قرار في مجلس الأمن يدعم وقف اطلاق نار يتفق عليه الطرفان السوريان ( اللذان لن يلتقيا غالبا على اسس فيينا المبهمة، وإن التقوا فلن يتفقوا في ظل بقاء الهوة بين داعمي الطرفين ) ، هو تهرب واضح من قبل هذه الدول من مسؤوليتها في حماية المدنيين السوريين وحفظ أمن وسلامة الدول والشعوب الأعضاء في المنظمة الدولية، فهم يستطيعون إصدار القرار وفرضه كمقدمة لكل هذه العملية لو شاءوا .

إن وقف إطلاق النار هذا والذي لن يشمل داعش والنصرة وبقية الفصائل التي ستحددها مجموعة فيينا كمجموعات إرهابية، وهو ما سيلاقي رفضاً من الأغلبية الساحقة من الفصائل المقاتلة حيث ستعتبر أن عدم اقتصار قائمة المنظمات الإرهابية على داعش والنصرة فقط، هو سيفاً مسلطاً على أي فصيل يرفض الخطة الروسية التي تهدف الى تعويم نظام طاغية دمشق وتجاهل الهدف الأساسي الذي دفع السوريين للثورة، وهو التخلص من نظام عائلي مافيوي فاسد وقاتل جرف ثروات بلادهم على مدى اربعين عاما ويدمر مدنهم وقراهم ويعذب أبنائهم حتى الموت في سجونه ومعتقلاته منذ خمسة سنوات.

لقد سبب حديث الوزيرين الكثير من الإحباط لمعظم السوريين الذين كان لديهم الكثير من الآمال بأن أحداث باريس المأساوية ستجعل المجتمع الدولي أكثر جدية في إيجاد حلول لمأساة السوريين كمقدمة ضرورية لتوحيد شعوب المنطقة مع جهود المجتمع الدولي في الحرب على إرهاب داعش والقاعدة ليس فقط في سوريا بل أيضاً في العراق وليبيا واليمن ومصر، وذلك من خلال رفع الظلم عن الشعب السوري ومنع إيران من تعميق الفتنة المذهبية في المنطقة عن طريق تسليح ودعم مليشياتها الطائفية في كل من سورية ولبنان والعراق واليمن ومحاولة الهيمنة على هذه المجتمعات وقهرها مما يحوِّل هذه المجتمعات الى تربة خصبة لنمو التنظيمات الإرهابية، حيث يجعل التغوُّل الإيراني ذو الخلفية الطائفية الواضحة من شباب هذه المجتمعات اليائس والبائس والمقهور صيداً سهلاً للأفكار التكفيرية والظلامية .

لقد كان التوصيف الذي وضعه الوزير الأمريكي لما حصل في سوريا خلال الفترة الماضية ابتداءً من التظاهرات السلمية التي واجهها الطاغية بالرصاص والتعذيب والتنكيل وعن الدور السلبي لإيران ومليشياتها اللبنانية والعراقية التي تقاتل الى جانب قوات الاسد (والتي تم استثنائها من توصيف التنظيمات الإرهابية الواجب محاربتها)، وعلاقة الأسد وتعاونه مع داعش وحديث الوزير عن الجرائم التي ارتكبها هذا الطاغية ضد شعبه، حديثاً واقعياً. لكن الخطة التي وافق الوزير الأمريكي على تبنيها مع نظيره الروسي لا يمكن أن تكون حلاً للمشكلة التي قام هو نفسه بتوصيفها.

في النهاية مصير نتائج مؤتمر فيينا لن تختلف عن مصير مقررات جنيف التي بقيت بدون تنفيذ منذ صدورها وهي تدل على أن الهوة بين مواقف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة على الوضع السوري لا تزال كبيرة جداً وبالتالي من غير المتوقع ان توضع موضع التنفيذ قريباً.

إن استمرار الوضع على ما هو عليه الآن واستمرار اللامبالاة الأمريكية والتوحش الإيراني والعدوان الروسي سيؤدي الى المزيد من الدمار في سوريا وإلى تعميق الفتنة الطائفية التي تغذيها كل من إيران و مليشياتها الطائفية من جهة والتنظيمات الظلامية التكفيرية في الجهة الأخرى مما سيؤدي الى استمرار عدم الإستقرار في المنطقة العربية والشرق الأوسط، الأمر الذي يتطلب من السوريين والعرب والدول الإقليمية الأخرى توحيد طاقاتها وجهودها وإرسال رسالة موحدة لكل من الولايات المتحدة وروسيا والمجتمع الدولي بأنها لن تقبل باستمرار الوضع كما هو عليه وأنها جادة في وضع حد لكل ذلك مهما كلف الأمر ، لأن مصير المنطقة ودولها وشعوبها لايمكن تركه وقوداً لنار هذه الفتنة الطائفية المدمرة ولا نهباً للأطماع الإيرانية في الهيمنة على شعوب المنطقة.

السلطة الرابعة : د . وليد البني . كلنا شركاء

شارك