السلطة الرابعة : فواز تللو … لأنني ضد الإرهاب “Je_suis_Syria” .

السلطة الرابعة : فواز تللو … لأنني ضد الإرهاب “Je_suis_Syria” .

هذه الأيام، وعندما يبدأ شخص (غربي خاصة) بطرح الموضوع السوري ينطلق من اتهام ضمني لمحدثه السوري الداعم للثورة بدعم الإرهاب مفترضاً دعشنة الثورة، أو باتهام ضمني لمحدثه المسلم بشكل عام بتأييد الإرهاب فقط لكونه مسلماً، وعندما يحصل ذلك يجب عدم تحويل الموضوع إلى دفاع شخصي للبراءة من تهمة دعم الإرهاب، والجواب المنطقي المختصر القاطع المستنكر والهجومي: وما علاقتنا كداعمين للثورة أو كمسلمين بالإرهاب؟
إن هذا الاتهام الضمني بدعشنة الثورة السورية واتهام الإسلام بشكل عام بالإرهاب ووضعه موضع المتهم الدائم كفكر ودين وانتماء حتى يثبت براءته، هو منطق أعوج يطفو على السطح كثيراً هذه الأيام بعد أن كان يتخفى سابقاً، لكن الغربي الذي يوجه هذا الاتهام يتجاهل حقائق صارخة تخصه وتدينه وفق هذا المنطق، فحكوماته وتاريخه وكنيسته مثقلة بالجرائم التي ينطبق عليها تعريف الإرهاب، ومع ذلك لا نتهمه “كمسيحي غربي” ولا نتهم المسيحية بالإرهاب أو بدعم الإرهاب، ولنتذكر أن 80% من قادة الكنائس عبر التاريخ قتلوا وانتهكوا حرية وكرامة الإنسان وحاربوا العلم والعلماء والمفكرين والحرية ودعموا الاستبداد في الغرب، وهم من جند أو دعم الحملات الصليبية على الشرق التي قتلت ملايين الأبرياء، وهم من بارك محاكم التفتيش بحق المسلمين واليهود في إسبانيا، وهذه الحكومات الحديثة هي من قتلت خمسين مليونا من الشعوب التي استعمرتها ظلماً وبوحشية، وهي التي قتلت سبعين مليونا من الغربيين في حربين عالميتين، وهي من تحمل وصمة العار لمذبحة البوسنة التي حدثت برعاية كنسية شرقية وسياسية غربية، وهي الحكومات التي دعمت كل أنظمة الاستبداد في الشرق ولا زالت تسكت عن جرائمها، وهي التي أنتجت فكراً قومياً متطرفاً أشعل الحروب الأوروبية البينية وقتل مئات الملايين منهم، فكر قومي وطائفي نشر الكراهية واضطهد اليهودي في أوروبا والمسيحي المختلف والآخر عبر البحار.
لا أنسى جرائم الرهبان البوذيين “الوديعين” في بورما بحق الروهينغا، وكثير من الهندوس في الهند وكشمير وما فعلوه بالمسلمين عند تقسيم الهند، ولا ننسى إرهاب “السيخ” بحق المسلمين والهندوس والانتحاريين الذين جندوهم في سيريلانكا.
لكن كل ذلك لم يدفعنا يوماً لاتهام دينٍ وأتباعه بالإرهاب، فكل الأديان في جوهرها تدعو لسلام الإنسان وخيره، وكلها دون استثناء تحمل نصوصاً يفسرها أتباعها بطرق مختلفة، وكلها دون استثناء جرى تفسيرها أحياناً قليلة أو كثيرة بطريقة عدوانية منتجة للإرهاب والقمع والاضطهاد الفكري والعقائدي والطبقي والقومي، وكثير من رجال الكنيسة “الغربيين خاصة” كانوا سباقين في هذا السلوك العدواني وقد بدؤوا باضطهاد المخالف بينهم كما حصل عندما اضطهدت كنيسة روما كنيسة الاسكندرية وأتباعها في ما يسمونه فتنة “آريوس”، ولم تصبح الكنيسة “وديعة” وقادتها (بمعظمهم وأنا لا أعمم) يسبلون عيونهم تواضعاً وسلاماً لإيمانهم بأن المسيحية دين السلام (وهي كذلك ككل الأديان)، إلا لأنه جرى تكبيلهم من قبل المجتمعات الديموقراطية الغربية العلمانية التي خاضت معركة مريرة لاقتلاع مخالب المؤسسة الكنسية المتوحشة لتجبرها على تصنع التواضع والتقوقع رغم أنفها.
نعم، أنا المسلم بشكل عام والسوري بشكل خاص، (وأنا شخصياً)، تضامنت بصدق لا بنفاق سياسي، كمسلم وكسوري وكعربي وككردي، وتعاطفت مع الضحايا الأبرياء للإرهاب في فرنسا، وكذلك مع ضحايا الطائرة المدنية الروسية، ومع ضحايا نيويورك الأبرياء، ومع ضحايا كل إرهاب في العالم، تماماً كما تضامنت وحزنت بشدة للجرائم بحق الكرد في حلبجة والأنفال وسط رخصة للقتل عبر صمت غربي، وتضامنت مع الفلسطينيين على طول مأساتهم في فلسطين ولبنان وأينما اضطهدوا وبكيت بحرقة يوم سقطوا في مجازر صبرا وشاتيلا ولم تكن مجزرة حماة قبلها ببعيدة، وتضامنت مع انتفاضة العراقيين في كل مرة وُئدت فيها بتواطئ غربي ليحاصر العراق وتسرق ثروته في أكبر فساد دولي عرفه التاريخ، وتضامنت مع شيعة العراق عندما كان الزرقاوي يقتلهم في حفلات الزفاف والحسينيات، وتضامنت مع سنة العراق عندما اضهدهم وتكالب عليهم الاحتلال الأمريكي والعراقي العميل للإيراني وتنظيم الزرقاوي الإرهابي، ثم عندما سُحق تحرك عشائر السنة العراقيين السلمي، وتضامنت مع شيعة لبنان عندما مسحت إسرائيل مناطقهم من على الخارطة، وتضامنت مع كل اللبنانيين والعراقيين الذين فروا من حروب بلادهم إلى بلدي سوريا، وتضامنت مع الإيزيديين الكرد وعين عرب/كوباني والكرد الذين هُجروا من أرضهم السورية، ومع المسيحيين والآشوريين والسريان الذين اضطهدتهم داعش في سوريا والعراق، ومع ضحايا داعش من الرهائن الغربيين في كل مكان، وأخيرا مع الضحايا في باريس.
هذا موقف غالبية عظمى من السوريين المؤيدين للثورة ومنهم تقريبا كل المسلمين السنة في سوريا، حاولوا التعبير عنه في مناسبات عديدة، لكن ذلك لم يكن كافياً ليتضامن الآخرون معنا ولو مرة واحدة وبشكل حقيقي لما يجري لنا في بلدنا الجريح النبيل سوريا على يد النظام الطائفي الأقلوي الذي باعه لحليفه الإيراني الأكثر طائفية والروسي الداخل حديثاً على خط المذبحة، بل إن بعض من تضامنا معهم كانوا هم من يمارسون قتلنا موزعين الحلوى مع كل مذبحة بحقنا، أما الغرب والمجتمع الدولي فقد تمثل تضامنه بإصراره على حصارنا لمنعنا من الخلاص من النظام لنجلس نحن الضحية على طاولة واحدة مع القتلة الإرهابيين ونعطيهم شرعية لم تكن لهم يوماً منذ نصف قرن، ونثبت احتلالهم لسوريا ثم بيعها للإيراني والروسي الذي بات شريك الغرب في حربه “الكاذبة” على الإرهاب.
نعم داعش عدو لنا كمسلمين وكسوريين خاصة، ولكل العالم، ونحن نعلنها دائماً وحربنا كثورة سورية ضد داعش هي الأنبل، فنحن نقاتل داعش وحدنا ولا نقتل المدنيين بحجة قصف داعش، وضحايانا في سوريا على يد داعش أكبر بمئات المرات من الضحايا الفرنسيين أو الأمريكيين أو الغربيين على يد داعش، لكن ضحايانا من إرهاب السفاح الأسدي والإيراني والروسي أكبر بمئات المرات من إرهاب داعش بحقنا، وأكبر بآلاف المرات من ضحايا الغرب على يد داعش، لذلك لا أجد أني مضطر في كل مرة لإعلان تضامني مع ضحايا الإرهاب في العالم تبرئةً لنفسي من تهمة مسبقة لي كسوري ومسلم خاصة بالإرهاب، فنحن السوريون أكبر ضحية للإرهاب في القرن العشرين وربما عبر التاريخ، إلا إذا أتبعت تضامني مع ضحايا داعش الغربيين بتوجيه الاتهام لكثير من العالم بدعمه غير المباشر لإرهاب أكبر وأكثر وحشية بكثير من إرهاب داعش بحقنا وحقهم، بدعمهم أو صمتهم عن جرائم أنظمة بحقنا في سوريا هي الوجه الآخر لداعش كالأسدي والإيراني والروسي، وبحمايتهم لإرهاب غير مسبوق تاريخياً عبر حماياتهم عملياً للنظام الأسدي الطائفي الأقلوي.
إنها “الإنسانية الانتقائية” كما وصفها ابني في مقالٍ منذ فترة، وعندما تكون الإنسانية انتقائية ويصبح الدم والمعاناة بورصة في سوق السياسات الدولية، عندها يفقد شعار الحرب على الإرهاب معناه وتتحول الحرب على الإرهاب إلى متاجرة بدماء الضحايا بل حرباً إرهابية من نوع آخر، وهذا ما يحصل في سوريا والعراق وفي بلاد الربيع العربي خاصة حيث سُحقت فيها الحقوق والإنسانية من أجل أهداف سياسية تحت شعار “الحرب على الإرهاب”، لكل ذلك ولأني أتضامن بشكل حقيقي مع ضحايا الإرهاب في فرنسا بدوافع أخلاقية وإنسانية وإسلامية “كما أفهم إسلامي كمعظم المسلمين”، وبعيداً عن النفاق والاستخدام السياسي الرخيص، لن أدافع عن نفسي وأرد الاتهامات المسبقة لي كمسلم وسوري وعربي بدعم الإرهاب بينما أقف بوجهه وأدفع الثمن الأكبر على يد الإرهاب قتلا وتشريداً ودماراً واعتقالاً وتعذيباً ومعاناة منذ نصف قرن، لكل ذلك وحتى تنتهي المأساة السورية سأتضامن مع ضحايا الإرهاب العالمي بالطريقة الوحيدة الأكثر صدقاً عبر إعلاني الدائم “Je_suis_Syria”، منتظراً أن يرددها الآخر الغربي خاصة تضامناً معي لينفي عن نفسه حقيقة تصرخ بدعمه لإرهاب أخطر وأكثر وحشية من إرهاب داعش، لينفي عن نفسه صفة “داعم لإرهاب الإنسانية الانتقائية”.

السلطة الرابعة : فواز تللو – سياسي وباحث سوري
برلين – ألمانيا 19/11/2015

شارك