السلطة الرابعة : فواز تللو : لا تحزنوا إن الله معنا

السلطة الرابعة : فواز تللو : لا تحزنوا إن الله معنا

نحن السوريون شعب طيب جداً، صابر جداً، يتحمل الكثير ويسعى دائماً ليسامح، نحن شعب نحب العمل ونتقنه، القليل البسيط يُفرحنا، نقنع بالقليل، نعلم قيمة “النعمة” ونحافظ عليها ولا نرميها حتى لو كانت بقايا طعام، نستذكر دائما في صغرنا ونحن نعيش المصاعب والمحن أنهم كانوا يقولون لنا “احمدوا الله على نعمته وانظروا للآخرين، الله مفضل علينا”، حتى الإسلام ورمضان في بلادنا له نكهة خاصة، نؤمن بالله ونخافه ونراه في كل تفاصيل حياتنا وبطريقتنا التي صنعت سوريا الملونة بقوس قزح حضاري لم يشهده بلد ولا تاريخ.

كلما رأيت خلق الله في بلاد الله التي تحترم الإنسان وحقوقه يعيشون بأمان وهدوء، يعيشون بين أقربائهم وأصدقائهم، يتحدثون لغتهم ولهجتهم، يعيشون عاداتهم، يجلسون في المقاهي، يعملون ويعيشون التفاصيل اليومية الجميلة البسيطة، ثم يعودون إلى بيوتهم ليناموا بأمانٍ منتظرين صباحاً آخر، كلما رأيت ذلك أصابتني غصة كبيرة لأهلي السوريين الطيبين، وحلمت بذلك اليوم الآتي بإذن الله، يوم يجلسون ليخبروا أبنائهم كم عانوا وكم كان الثمن كبيراً لكن مُستحقاً، ليصل الأبناء إلى تلك اللحظة الوادعة الآمنة ككل خلق الله الذين سبقونا ودفعوا الثمن.

لا يحزنكم أن معظم العالم متآمر علينا، باستثناء ثلاث دول عاجزة خائفة مترددة بتنا نقاتل عنها بينما تخذلنا، ونقاتل عن شعوب كثيرة تنتظر لترى وتتعلم منا، شعوب تبحث عن كرامتها وحريتها وبصيص أمل وطريق لمستقبلها من خلالنا، تصوروا 197 دولة تغمض عينيها عن مذبحة القرن أو تعادي شعب سوريا فقط لأنه طالب بحريته وكرامته، كل العالم يستكثر علينا الحرية والكرامة، معظم العالم يتآمر على ثورتنا أو يساند القتلة كل بطريقته، بإغماض عينيه أو بالتآمر بالسياسة أو السلاح أو المرتزقة، أو بوضع العصي في دواليب ثورتنا، أو بحصارنا عسكرياً أو إنسانياً، وبألف طريقة شيطانية.

استكثروا علينا قليلاً من الحرية والكرامة، استكثروا علينا تمردنا على ذُلنا واستعبادنا، استكثروا علينا الحلم بمستقبل بسيط آمن بحرية وكرامة، استكثروا علينا شعورنا بإنسانيتنا، استكثروا علينا الحلم بغدٍ مختلف، بسيطٍ جميلٍ آمن لا نريد فيه إلا أماناً وعدالة وكرامةً وحريةً ولقمة يومنا، غدٌ بسيط نقنع فيه قائلين “الحمد الله، الله مفضل علينا”.

نعم كبير جداً حجم آلامنا، معتقلينا، شهدائنا، مغتصباتنا الشريفات، لاجئينا، مشردينا، محاصرينا، وكل ما خسرناه من أعزاء وسنين من عمرنا وسعادتنا، كل ما خسرناه بعد أن قضينا عمرنا نبنيه من بيت صغير وعمل بسيط ومال قليل يعيننا وأولادنا على المستقبل، هذا الحلم الصغير الذي كنا نقضي كسوريين حياتنا نعمل عليه ونشعر أن الدنيا قد حيزت لنا عندما يتحقق بأبسط صورة.

لكن وبإذن الله؛ ورغم كل المؤامرات، أقسم بالله الذي لا أشك بعدله سننتصر، ونحن نمشي على هذا الطريق ولو احتجب مشهد النصر في غبار المعركة والمعاناة والمؤامرة غير المسبوقة في التاريخ ضد شعب، انظروا كيف بدأنا من الصفر وحققنا المعجزة التي لم يكن يتصورها أحدٌ منا ولو بمنامه قبل سنوات، والله الذي لا أشك برحمته سنعود إلى بلادنا ونفك حصار أهلنا ونحرر معتقلينا، والله الذي لا أشك بكرمه سيعود أطفالنا إلى مدارسهم، وشبابنا إلى مستقبلهم، والله سنبني بيتاً لكل من بذل بيته من أجل ثورتنا، والله سنخدم في بلدنا وبكل ما نستطيع كل من بذل جزءً من جسده في ثورتنا، وسنكون الأهل لكل يتيم، وإخوة لكل أرملة، وأبناءً لكل أم وأب استشهد أبناؤهم، والله ستكون سوريا كلها من أجل كل من بذل وضحى من أجلها، والله ستكون من أجل الضعيف قبل القوي، ومن أجل الفقير قبل الغني، ومن أجل المريض قبل الصحيح، ومن أجل المقهور في وجه المتجبر، ومن أجل الحق في وجه الباطل، ومن أجل كل عدلٍ في وجه كل ظلم، ليس في سوريا فقط بل في كل العالم الذي يئن من الظلم والإنسانية الانتقائية والقذارة التي يسمونها سياسة، من البراغماتية كبديلٍ عن الأخلاق، من فن الكذب الوقح بدلاً من فن إيصال الحقيقة، من “فن الممكن السياسي” على حساب فن “إحقاق الحق ورفع الظلم والجور”.

أنا مؤمن بالله، علمتني تجربتي في السجن وما قبله وما تلاه أن الذي يقاتل من أجل قضية الحق والعدل والحرية والإنسان بإخلاص لا يمكن أن يخذله الله، ودرب آلامه جزءٌ من فضل الله لا عقوبةً منه، درب آلامٍ لابد من سلوكه لأنه ينتهي بخيرٍ كثيرٍ قد لا يراه وسط غبار المعركة ومعاناته، لذلك كنت ولا زلت أردد وسط كل المحنة والألم والحزن والمعاناة، أردد يومياً ولمرات “الله مفضل”، ولأنني مؤمن بالله العادل الكريم الرحيم وواثقٌ بنصره، وحتى لحظة النصر والأمان والعودة، أقول لكم ولنفسي ما قاله الله في قرآنه على لسان الرسول النبيل الإنسان “محمد” في قمة محنته (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، وهو بإخلاصنا وصوابنا وصبرنا وتضحياتنا كافينا.

السلطة الرابعة : برلين : فواز تللو

شارك