السلطة الرابعة : فواز تللو : لماذا مضايا فقط ؟ شمس الحقيقة وقصة إعلاميي الثورة المغيبين !

السلطة الرابعة : فواز تللو : لماذا مضايا فقط ؟ شمس الحقيقة وقصة إعلاميي الثورة المغيبين !

ليست مضايا والزبداني هي المحاصرة فقط، ماذا عن المعضمية وداريا ومخيم اليرموك وحي الوعر الحمصي والغوطة الشرقية وقبلهم حمص القديمة والخالدية وبابا عمرو وبلدات عديدة سبقتها؟ لماذا لم ينتبه المجتمع الولي لهم؟ لماذا يركز الإعلام العالمي على بعض ممارسات داعش التي طالت أقل من 3% من الضحايا المدنيين في سوريا ويتجاهل المذابح بالقتل والحرق والسكاكين والقصف التي يمارسها النظام الأسدي والروسي والإيراني وعملاؤه والتي طالت أكثر من 97% ؟ من الضحايا المدنيين السوريين؟ لماذا مضايا فقط؟
من أوصل حصار مضايا إلى العالمية ليس تفاعل السوريين في الفيس بوك أو في اعتصاماتهم التي ومنذ خمس سنوات يخاطبون فيها بعضهم البعض فقط غالباً مع كل الاحترام لكل من تظاهر او اعتصم في مناسبات عديدة أكثر قسوة ووحشية (كمذبحة داريا والبيضا وبانياس والحولة) لكنها لم تحرك الضمير العالمي وتجاهلها الإعلام أحياناً بشكل كامل، وحتماً لم يحرك العالم حملات “الشحاذة والمتاجرة بالمعاناة والمفاخرة المبتذلة للعديد من المنظمات التي باتت بمعظمها تتعيش على الثورة السورية في هذه المهنة الجديدة المربحة السهلة التي لا تتطلب إلا الكذب على السوريين والخضوع للمانحين وسياساتهم المعادية أحياناً لأهداف الثورة، تبرعات تهدف أولاً للصرف على نفقاتهم كإداريين ومن ثم يأتي أي شيء، حملات مبتذلة للبعض مصورين أنهم من فتح طريق دخول المساعدات وآخرون يجمعون المال ولا يقولون للناس أن ما سيدخل منه “إن سمح النظام” فسيكون اقل من 10% بينما يستولي النظام وحلفاؤه على الباقي على شكل خوات وسرقة وغلاء أسعار جنوني.
أيضاً لم يوصل قضية مضايا إلى العالمية هيئات المعارضة التي لم تفعل شيئاً لكسب المعركة الإعلامية كمدخل للتأثير على الرأي العام الغربي ليضغط على حكوماته واكتفى أبطالها بالكلام السخيف على الشاشات العربية كما سوق عكاظ ليقنعوا جمهور الثورة بعدالة الثورة ويوزعوا الكلام السخيف الخالي من الصدق والفكرة، كما لو يوصل قضية مضايا إلى العالمية لقاءاتهم مع الدبلوماسيين الدوليين الذين يعلمون بكل ما يجري لكنهم ينفذون سياسات بلادهم الخبيثة، كما لم يوصل قضية مضايا إلى العالمية الدول المؤيدة لثورة وسياساتها وإعلامها الذي يخاطب شعوبهم فقط، وطبعاً لم يتحرك المجتمع الحكومي الدولي الحكومي الرسمي ومنظمة الأمم المتحدة الفاسدة والمبعوث الخبيث عديم الأخلاق ديميستورا، لم يحركهم ضميرهم فهم يعلمون ما يجري منذ خمس سنوات ويتآمرون على الثورة السورية بل يسعد البعض منهم وصبيهم المجرم ديميستورا بهذا الضغط الذي يمارسه النظام وحلفاؤه على حاضنة الثورة ليصبح تمرير بعض الغذاء لمضايا أقصى ما يطلبه المفاوضون.
إن من أوصل حصار مضايا إلى العالمية وجعل المجتمع الدولي والأمم المتحدة يتحركون مجبرين على مضض مع وضع ما استطاعوا من عصي في الدواليب، هو نفسه الذي أوصل قضية اللاجئين إلى العالمية وتعاطف كثير مع الأوروبيين مع اللاجئين ولفت النظر إلى ما يجري في سوريا، إنه الإعلام، فصورة للطفل السوري الكردي آيلان والتي وصلت بالصدفة وبشكل غير محسوب وغير مرغوب حكومياً عالمياً إلى الإعلام الغربي انتشرت كالنار في الهشيم الإعلامي، واليوم من أوصل حصار مضايا إلى العالمية ليس كل النشاطات السورية ولا الصديقة التي ذكرت، بل هو فقط الإعلام “الغربي” عبر مقطع الفيديو الذي نشرته مؤسسة “الجزيرة الإعلامية” على موقعها الإخباري التفاعلي الجديد باللغة الانجليزية “AJ” عندما قررت أن تخرج عن المألوف الحرفي وتعاملت “باحترام وتقدير” مع إعلامي ثوري من داخل الحصار ليوثق بأدواته البسيطة وخبرته القليلة اللحظة، خبرة حققها بالدم والتضحية ككل إعلاميي الثورة الذي خرجوا من رحمها “ولم يتلوثوا”، وهكذا وبمونتاج بسيط وترجمة إلى الإنجليزية وترويج محدود حقق المقطع أرقاماً لم ولن يشهدها هذا الموقع أو أي موقع آخر (50 مليون مشاهدة خلال خمسة أيام) ومنه خرج حصار “مضايا” إلى العالم.
هذا الإعلامي الثوري الذي صور المقطع لا أعرف اسمه حتى اللحظة ربما بسبب سياسة البعض في عدم تقديم الشهرة له ولأمثاله كما حصل في مرات عديدة، فجنة “الإعلام” مقتصرة على “المختارين” حتى لو كان منهم من أسس محطة مؤيدة للنظام في لبنان تبث السموم الطائفية، أو مراسلين هم طابور خامس لا زالوا على رأس عملهم في لبنان وأماكن أخرى يعملون بأجندة النظام وإيران وعملائها بينما يتواجدون في محطات تابعة لدول مؤيدة للثورة، لكن طل هؤلاء من “المختارين”.
الإعلامي الذي صور المقطع هو واحد استشهد قبله المئات واعتقل الآلاف لكن وسائل الإعلام ومنظماته اعتبرتهم نكرة، كمنظمة “صحفيين بلا حدود” في تقريرها الأخير عن العام 2015 الذي روجت له كل وسائل الإعلام “بما فيها المؤيدة للثورة” والذي اعترف فقط بالقتلى الإعلاميين “الشبيحة” لدى النظام وإيران وعملائها وبعض الغربيين ملخصاً ضحايا الإعلام بتسعة من هؤلاء بينما تجاهل مئات الإعلاميين الثوريين السوريين الطاهرين الذين سقطوا في نفس الساحة دون ان ينتظروا مقابلاً وليضيع حتى حقهم في الاعتراف بهم كإعلاميين، مئات من إعلاميي الثورة الذين نعرف منهم قلة يعملون في محطات معارضة، أو تستضيفهم المحطات العربية الأخرى لفترات بسيطة مقابل غثاء “طق الحنك” الذي تخصصه هذه المحطات العربية للسياسيين المعارضين والمحللين “الاستراتيجيين” العرب والدوليين الذين يقدم الكثير منهم قراءة ببغاوية ونادراً ما نسمعه يضيف شيئاً، وكم من مرة قطعت المحطات الإعلامية رسالة كان يوصلها هؤلاء الإعلاميين الثوريين من وسط القتال والحصار “لضيق الوقت” ومنعتهم من تناول الشأن السياسي وهم من عجنتهم الأحداث والسياسة والمعاناة، فصمد بعضهم وخرج قلة منهم للخارج ليكملوا رسالتهم وعلق آخرون بين النيران “الصديقة” لإصرارهم على استقلاليتهم أو تمسكهم بروح الثورة وأهدافها.
أيضاً “لغز” إيصال قضية مضايا إلى العالمية يتلخص بكلمات بسيطة تضمنها مقطع الفيديو المنشور: “الصدق والإخلاص للهدف” وليس احترافية الطاقم، مع الترويج الاحترافي من قبل إعلامٍ محترف لقضية عادلة كالثورة السورية، ويحترم الإعلامي الثوري غير المحترف باعتباره الأساس وليس المحطة ولا طاقمها “المحترف” في الاستديو أو مكاتب المراسلين المحميين ليبث رسائله عن بعد وبالكاد نرى خلفه الطرف الآخر السوري من الحدود ليعطينا هذا الإيحاء “الميداني الوهمي”، وأخيراً عندما تبذل الوسيلة الإعلامية جهداً ومالاً بسيطاً لدعم هذا الإعلامي الثوري بالمعدات وتأمين حياته اليومية والتدريب، عند ذلك سيربح هذا الإعلام قضيته، مع العلم أن الإعلام قادر على توجيه الرأي العام حتى من أجل قضايا غير عادلة فكيف إن توفر فيها الحق والعدل.
الحكومات الغربية لا تقيم وزناً للعدالة والأخلاق، لأن “إنسانيتها انتقائية” حسب مصالحها، ولا يمكن التأثير عليها إلا عبر ضغط الرأي العام، ومن يتحكم بالرأي العام هو الإعلام، الذي يتغاضى عن كل المذابح والجرائم ضد الإنسانية في سوريا ويسلط الضوء على بطة عالقة مع صغارها تعاني خطر الموت في أمريكا أو على جريمة لداعش توحي بأن سوريا باتت ملكاً لطرفين فقط هما داعش والنظام الأسدي، لتشيع مصطلحات تصف الثورة السورية بالأزمة ثم الحرب الأهلية فحرب على الإرهاب مع رفض مطلق على طول الخط لاستخدام كلمة “ثورة” طوال خمس سنوات.
تحرك مجلس الأمن والمجتمع الدولي الغربي الأمريكي والأوروبي لا يأتي نتيجة استيقاظ ضمير غير موجود غالباً فهم يعرفون بتفاصيل ما يجري من مذابح وقتل للسورين وهي اكبر بكثير مما يجري في “مضايا” لكنهم يتجاهلونه، تحركهم يأتي بسبب وصول القضية للإعلام الغربي ومن ثم للرأي العام الغربي والمنظمات الأهلية الضاغطة والبرلمانات، فهذه الحكومات (بمعظمها) تتحرك اليوم ومعها الأمم المتحدة مرغمة، فمعظم هذه الدول والأمم المتحدة وديميستورا كانوا وبشكل ضمني يؤيدون كل ما يجري من قتل وتجويع وتدخل روسي وإيراني لدعم النظام وإجهاض الثورة وإرغام السوريين على الاستسلام لحلهم الذي يحفظ النظام، وبالتالي فهم إن تحركوا اليوم (وعلى رأسهم إدارة أوباما) فسيتحركون بخبث وهم يضعون العصي في الدواليب لإفراغ الحملة من مضمونها وسيكتفون بخطوات تجميلية لا تؤثر على هدفهم وهدف المجرمين الذين يقومون بالحصار للضغط على الثورة ومؤيديها وتنفيذ مخطط التهجير الطائفي تمهيداً للتقسيم الذي يحلمون به مع النظام وحلفائه، لذلك سنرى كذباً كثيرا تقوده الأمم المتحدة بالتواطؤ مع النظام، ولذلك لابد للحملة أن تستمر وتتوسع لتشمل كل مناحي معاناة السوريين مع التفكير في الخطوة الأهم: “كيف نوصلها للإعلام الغربي”.
“الإعلام” هو أحد الثغرات الكبيرة في الثورة وفي إعلام الدول التي يُفترض دعمها للثورة السورية، إعلام عربي مؤيد للثورة ينغمس أحياناً في الصراعات ليبرز البعض ويتجاهل البعض بغض النظر عن القضية التي يحملها كل منهم، وبغض النظر عن ما يضيفه ظهور البعض، فالمحسوبيات والمواقف الشخصية هي الأهم أحياناً، وباستثناءات قليلة يجري تغييب الإعلاميين الثوريين الذين لا يجدون لهم من مكان عملياً إلا في عدد محدود جداً من الوسائل الإعلامية للمعارضة (والتي لا تتبع لهيئات المعارضة)، هذه الهيئات المعارضة التي يكفي رؤية قصورها وعجزها وعدم بذلها أي جهد في هذا الإطار الإعلامي العالمي وتقديمها لكثير من النكرات الفاشلين لندلل على تفريطها بسلاح مهم في المعركة متمثلاً بالإعلام، لتخسر أكثر القضايا عدالة كونها المحامي الأسوأ خاصة في مجال “الإعلام”، فالثورة السورية تحتاج اليوم لتنتصر إلى قيادة ورؤية ترتكز وتجيد استخدام ثلاثة أدوات استراتيجية: السلاح والسياسة والإعلام، وأحد العناصر المهمة في هذا الإعلام هم إعلاميي الثورة، الجندي المجهول والمهمل مع الأسف من قبل وسائل الإعلام المؤيدة للثورة.

السلطة الرابعة : برلين ” فواز تللو – كاتب وسياسي سوري

شارك