السلطة الرابعة : فواز تللو … لا تطعنوا الثورة بظهرها في جنيف !

السلطة الرابعة : فواز تللو … لا تطعنوا الثورة بظهرها في جنيف !

الحرف له قيمته، و”ال” التعريف في ترجمة قرار الأمم المتحدة 242 من العربية للإنجليزية شرعن إضاعة ما تبقى من فلسطين وتم احتلاله عام 1967، وقد جاء في بيان هيئة التفاوض لتبرير “التنازل” عن كل شروطها والذهاب للمفاوضات:

“قررنا المشاركة في عملية سياسية لاختبار جدية الطرف الأخر من خلال المباحثات مع فريق الأمم المتحدة لتنفيذ الالتزامات الدولية والمطالب الإنسانية كمقدمة للعملية التفاوضية”، ورد متحدث باسم ديميستورا مباشرة عليهم:

“لا اجتماعات في مقر الأمم المتحدة (أي مع الأمم المتحدة) وأي اجتماعات ستتم فقط في الفندق في مقر المفاوضات (أي في إطار المفاوضات وبين المتفاوضين)”.

يقولون أنهم سيذهبون إلى مفاوضات جنيف “لاختبار نوايا النظام”، أيها “الدراويش” السوريون، بانتظار ظهور نتيجة “اختبار نوايا النظام التي تجهلونها” بعد ستة أشهر استعدوا لدفع كلفة الاختبار:

مليون لاجئ ومائة ألف شهيد وسقوط بعض المناطق المحاصرة وخسارة سياسية هائلة، لكن لكم أن تتسلوا في المفاوضات كما قال ديميستورا مباشرة بعد قراركم “بمناقشة الانتخابات والدستور لكن مع التركيز على محاربة الإرهاب كأولوية”.

يدركون كهيئة تفاوض أن لا قيمة لـ “التطمينات الكلامية من الأِشقاء والأصدقاء” التي تلقوها، فجدول أعمال المفاوضات وأهدافها تم تحديدها في بيان فيينا الذي أفرز قرار مجلس الأمن 2254 لكنهم يعتمدون على أننا “شعب لا يقرأ” إلا بوستات الكسبريسو القصيرة (للحصول على إعجابات أكثر كما ينصحني الخبراء دون جدوى باستجابتي)،

ويحضرني هنا اجتماع القاهرة للمعارضة في حزيران 2012 حيث كانت المبادرة المحور والحديث الساخن في المؤتمر ووثائق القاهرة التي صدرت عنه، وهي مبادرة حملت كثيراً من العبارات المراوغة حمالة الأوجه لم يناقشها أحد، يومها وزعت 50 نسخة من مبادرة عنان على 50 من المشاركين لا على التعيين ممن أعرفهم أو تعرفت عليهم

(ومعظمهم أكمل طريق المعارضة حتى اليوم بشكل من الأشكال وكثيرون يقبعون في الواجهة) والمفارقة أنني اكتشفت أنهم جميعاً، نعم جميعاً لم يقرؤوا المبادرة وإنما سمعوا الحوارات عنها في الإعلام او الفيس بوك. الأمريكيون لم يتغيروا، ولمن يقرأ “ال” التعريف وأمثالها في بيان فيينا “المؤامرة” والقرار 2254 الذي ترجمه، فإن ما يجري الآن هي نفس الموقف الأمريكي الذي سمعته في لقاء خاص مع “فريدريك هوف” في اجتماع أصدقاء سوريا الأول في تونس، وكل المعارضة تعرف الموقف الأمريكي هذا وسمعته بطرق دبلوماسية لكنهم تعودوا إخفاء ما يجري خلف الكواليس،

ويقولون اليوم أنهم تلقوا تطمينات “هاتفية” من الأمريكي “كيري”، لكننا نذكر ما قال لهم كيري قبل أيام في الرياض وضج به الإعلام، نعم يقول الأمريكيون للسعوديين والخليجيين والأتراك والمعارضة ما يودون سماعه لكنهم (أي الأمريكيون) يفعلون ما تريد روسيا وإيران والنظام الأسدي،

فيبيعون تصريحات “الترضية” الفارغة من قبيل “الأسد فقد شرعيته ونحن ندعم موقفكم”، للتغطية على الحلف الأمريكي الإيراني العملي وكسب الوقت وعدم تقديم الحلفاء أي دعم فعال للمعارضة السورية بانتظار هزيمة الثورة وانتصار المشروع الإيراني في سوريا والعراق فكل المنطقة حسب سياسة باراك حسين أوباما. حلفاء الثورة لا يستطيعون قول “لا” لأمريكا، فاحملوها عنهم وعنكم وقولوا “لا”،

ولا تذهبوا للمفاوضات إلا بشروطكم، فبذلك تريحوا هؤلاء الحلفاء “وتحملونها” عنهم، لا يجوز خضوع هيئة التفاوض لهذا الضغوط على حساب الثورة بغض النظر عن رأي حلفائنا (مع احترامنا لهم) الذين يخضعون بدورهم للضغط الأمريكي، و”لا” ضمن المعطيات الحالية هي مصلحة الثورة اليوم حتى لو كان للحلفاء رأي آخر نتيجة الضغوط الأمريكية، فالثورة سورية والأرض سورية والمعاناة والتضحيات سورية والمصلحة الثورة السورية أولاً وبعدها يمكن أن يأتي أي شيء،

ودعم الحلفاء لنا بدعم كل اعتراضاتنا وتسليحنا خلافاً للفيتو الأمريكي الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت له في سوريا (والمنطقة) من تدخل روسي إيراني سافر يقابله تكبيل الأمريكي للحلفاء لمنع تسليحنا أو القيام بعمل عسكري أو سياسي فعال كما نود من حلفائنا، فنحن أقوياء والله معنا ونرحب بمن أراد أن يكون معنا ومثلنا، ولا شك أننا كسوريين نقوم اليوم بأهم ثورة في التاريخ، ثورة ستغير سوريا والمنطقة والعالم،

ثورة تقود كل العرب والمسلمين وأحرار العالم الذين يحتمون بنا، دولاً وجيوشاً واقتصاداً وإمكانات وحنكة سياسية، لكننا وبإمكاناتنا البسيطة الوحيدون الذين يقولون “لا” لتفاوض المؤامرة على الثورة السورية واثقين بنصر الله في النهاية ونحن من اطلق أروع وأقوى سلاح عرفته لبشرية: “ما لنا غيرك يا الله”.

مشكلتهم في هيئة التفاوض تماماً كما هي مشكلة من سبقهم في المجلس الوطني والائتلاف وهيئاتهم وحكوماتهم، ولماذا تختلف المشكلة ومعظم الأشخاص يتكررون بعد كل “لا نجاح”، مشكلتهم في هيئة التفاوض أنهم يحاولون تبرير سياساتهم التي تُملى عليهم بالمراوغة “كلاميا” لخداع السوريين بدل الصراحة الكاملة، قولوا أن الأمريكيين يضغطون علينا وعلى الحلفاء، قولوا على الأقل بعضاً مما دار خلف الكواليس،

اعرضوا الوضع كاملاً بصدق وشفافية وصارحوا السوريين وسيعذرونكم إن كنتم على حق أو يصوبوكم إن كنتم على باطل، اكشفوا المتخاذلين بينكم واطردوهم خارج الوفد والهيئة وتصرفوا كقادة، واجهوا الحلفاء بموقفكم واطلبوا منهم سلاحاً نوعياً وكمياً حقيقياً كشرط مسبق للدخول في هذه المناورة السياسية الخطرة لكي يعوض الميدان ما ستخسرونه حتماً بالسياسة بذهابكم للمفاوضات وفق هذه الشروط.

ألا تدركون قيمة قرار الحضور الذي فرطتم به، إن لم تحضروا فليس هناك من مفاوضات وهذا سيثير جنونهم، ولو تمسكتم بشروطكم لخضعوا لها في النهاية رغماً عنهم ولو جزئياً، أما اليوم وقد ذهبتم فانسوا الأمر، لن يخرج إلا بضع مئات من المعتقلين اعتقلهم النظام لهذا الغرض قبل أشهر، وستدخل بضعة شاحنات تكفي لأيام لبعض المناطق بشكل استعراضي، وسيستمر القصف بشكل وحشي وستمشون في أجندة فيينا التي تقول بحكومة وحدة وطنية وانتخابات في ظل هذا النظام ورئيسه، فهذه أجندة المفاوضات، إن نجحت وُئدت الثورة، وإن فشلت فهي مناورة سياسية مكلفةٍ خوضوها بذكاء وإصرار لا بتقديم التنازلات المسبقة “المجانية”، فلن تحصلوا على شيء بعد بدء المفاوضات.

لماذا لا تأخذوا موقفاً صارماً حتى لو انزعج “الحلفاء” ظاهرياً قليلاً لكنهم سيرضون ضمناً فقد أرحتموهم من عبئ كبير أمام الأمريكي وسيدعمونكم وسيدعمكم السوريون كما فعلوا في الأيام الماضية بشكل غير مسبوق في تاريخ المعارضة، فيوم افتتح المؤتمر وفي كثيرٍ من المناطق تحت القصف والحصار في سوريا خرجوا بمظاهرات تقول “لا تتنازلوا عن شروطكم قبل التفاوض – لا تذهبوا إلى جنيف”، لكنهم معذورون في هيئة التفاوض،

فالمساكين منذ خمس سنوات يتعرضون لضغوط عليهم وهم يتنقلون من مؤتمر إلى مؤتمر وما يرافقها من “جهاد الخمس نجوم”، ضغوط عليهم كانت أكبر من ألف صاروخ وبرميل متفجر سقط فقط يوم بدأت المفاوضات فوق المحاصرين والمقصوفين الذين لا يفقهون مصلحتهم ولا السياسة، ضغوطاً أكبر من مسنين اثنين استشهدوا جوعاً في مضايا والمعضمية في نفس اليوم.

كل الدعم الذي تلقته هيئة التفاوض من السوريين لا ينبع بأي حال من حلم السوريين بالتفاوض مع النظام الذي يرغبون (وسيفعلون) باستئصاله بكل مؤسساته الأمنية والعسكرية التي يصر رعاة التفاوض على المحافظة عليها، أو لإيمانهم بجدية المجتمع الدولي بحلٍ مقبول عادل “نسبيا”، أو الثقة بشخوص كل من حضر ومن انبثقوا عن مؤتمر الرياض (باستثناء بضعة أشخاص)، بل إن دعم السوريين لوفد التفاوض يتعلق بمواقف الوفد الحازمة وشروطهم الأربعة التي وضعوها كشرط قبل بدء التفاوض وهي:

“لا تدخل في أسماء المفاوضين ولا دعوة لآخرين – رفع الحصار الإنساني – إطلاق سراح المعتقلين بدءً بالنساء والأطفال – وقف قصف المدنيين”، وهي الشروط التي لم يتحقق منها شيء بما فيها الشرط الأول ممن جاؤوا ليمثلوا المعارضة وليس كمستشارين كما يروجون وتصريحات ديميستورا موجودة لمن يقرأ “ال” التعريف وأمثالها في كل ما هو رسمي.

القابض على الثورة اليوم كالقابض على الجمر، ويدرك السوريون قساوة المرحلة القادمة لكنهم يدركون ضرورتها وعدم التنازل لما يعني ذلك من قتل للثورة وضياع للتضحيات، لذلك أيدوا وفد التفاوض في شروطه الحازمة وتبعاتها المتوقعة من ضغط عسكري وحصار إنساني دولي على الثورة والمدنيين، وهذا يعني اليوم وفق مؤامرة “الأمريكي الروسي الإيراني الأسدي ديميستورا” أنه يجب على وفد التفاوض وبوضوح ودون تردد رفض الذهاب للمفاوضات وإلا فإن ذلك سيعني نزع أي دعم وشرعية من السوريين لوفد التفاوض، فلا مجال للمساومات اليوم وأي تبرير للذهاب لن يكون له قيمة.

سواءً حضرنا أو امتنعنا عن حضور مفاوضات جنيف3 وفق أجندتها وأسلوبها وأطرافها وأهدافها الحالية، فسيحدث معنا نفس ما يحدث الآن، أي استمرار القتل والقصف والتدمير والتهجير وقتل المعتقلين تعذيباً والمحاصرين جوعاً ومحاولة سحقنا عسكرياً، لكن في حال عدم الخضوع وعدم الذهاب لهذه المفاوضات بهذه المواصفات ستستمر الثورة حتى انتصارها بعد حين بتضحيات أكبر، أما الذهاب لهكذا مفاوضات بهذه المواصفات الآن فسيكون بمثابة استسلام وخسارة كل ما سبق من تضحيات،

ومرة أخرى وقبل فوات الأوان في الساعات والأيام القادمة وقد وصلتم إلى جنيف بعد أن رميتم خلفكم رأي الغالبية الساحقة التي قالت لكم #‏لا_تذهبوا_إلى_جنيف‬‬‬ ، لا زال هناك الكثير مما يمكن عمله ما دمتم لم تبدأوا، باختصار: لا تطعنوا الثورة بظهرها في جنيف.

السلطة الرابعة : برلين : فواز تللو – سياسي وكاتب سوري

شارك