السلطة الرابعة : فواز تللو …حقيقة الخطة “ب” في سوريا !

السلطة الرابعة : فواز تللو …حقيقة الخطة “ب” في سوريا !

هي الكوميديا السوداء ما يجري اليوم في تفسير المصطلحات لما يجري في سوريا أو في “صدمة” الكثيرين وانشغال السياسيين والإعلام بها وكأن الأمر مفاجئاً، منها مصطلح الخطة “ب” في سوريا، تلميحاً أو تصريحاً، حيث يصفها الروس والكرد بالفيدرالية ويصفها الأمريكان أحياناً بالدولة اللامركزية وأحياناً بالفيدرالية وأحيانا بالتقسيم، وتفسرها بعض المصادر الحليفة أحياناً بأنها التقسيم وأحياناً بأنها التدخل الأمريكي عسكريا لفرض شيء ما إن فشلت الهدنة، وكأنهم لم يدركوا حتى اللحظة أن أوباما يخدعهم بهذا التفسير ولن يقدم أي دعم سياسي أو عسكري لهم وللثورة وأنه شريك حتى النخاع للكرد الانفصاليين والإيرانيين والروس والحامي الحقيقي للنظام الأسدي الطائفي.

يحضرني هنا مثال متمم عن كوميديا المصطلحات السوداء يتعلق بتعريف الإرهابيين في سوريا، فهم لدى النظام والإيرانيين كل من يقاتل النظام أو يعارضه بأي شكل سياسي حقيقي بل حتى من يحمل مساعدات لأطفال محاصرين جوعى، أما الروس فيستثنون المعارضة المعتدلة لكنهم يصرحون أنهم لم يكتشفوا وجودها بعد بينما طائراتهم تبحث عنها بكل جدية بين أنقاض قصفها،

أما الأمريكان فيرون أن الإرهابيين هم النصرة وداعش ولائحة ستظل مفتوحة يندرج فيها كل من يعارض تفسيرهم للخطة “ب”، أما الأتراك فيرون الإرهابيين متمثلين أولاً في كرد أوجلان السوريين الانفصاليين، بينما للسعوديين رأي آخر يتمثل في أن الإرهاب يتلخص بشخص بشار أسد والتدخل الإيراني، لكن الأتراك والسعوديين لا يثبتون تعريفهم رسميا مكتفين بالتصريحات الإعلامية بينما يوقعون على بيان فيينا “الخبيث” حمال الأوجه الذي يميل للتفسير الآخر المناقض لتفسيرهم مكتفين بثقة واعتماد كامل على أوباما عسى أن تحرك عواطفه العلاقات التاريخية الحميمية الأمريكية معهم متناسين بتسامح نادر خمس سنوات مريرة من التجربة المريرة معه في الملف السوري واليمني والإيراني، وبينما يتابع أوباما العمل الجدي على مخططاته الجهنمية تراهم لا زالوا “بانتظار غودو” المتمثل بقيادة أوباما لهم لتدخل عسكري في سوريا ضد داعش ومن ثم (كما يحلمون) ضد الانفصاليين الكرد والنظام الأسدي والإيرانيين.

وسط هذه المسرحية الكوميدية الدموية السوداء يتحرك النظام الأسدي والإيراني والانفصالي الكردي سياسياً وعسكرياً بتناغم مع ما يرسم حلفاؤه الروس (والأمريكان ضمناً) مقابل فوضى ضاربة الأطناب في الطرف الآخر، فبينما تغيب المعارضة السياسية “المفصلة” على قياس الحلفاء والمنفصلة “شيزوفرانياً” عن الواقع، وبينما تغرق قوى الثورة العسكرية بفوضى غياب رؤية موحدة ومجلس قيادة حقيقي يعبر عنها بعيداً عن المعارضة “المفصلة”، يكتفي الحلفاء بالدعم عبر سياسة “تفصيل المعارضات سياسياً والقصف بالتصريحات عسكرياً” بينما ينشغل الروسي والأمريكي والإيراني بأمور “ثانوية” تتمثل بالتسليح والقصف والتهجير الممنهج وصولاً لحسم عسكري شامل يثبت تفسيره النهائي للخطة “ب” بدعم من الحلفاء الرعاة الشركاء “الأمريكي/الروسي” لكل الأطراف المعادية للثورة “الأسدي والكردي والإيراني” كل من موقعه.

الروس وأوباما ودي ميستورا وإيران وكل العملية السياسية الدولية الحالية تهدف لتقسيم سوريا، بغض النظر عن مسمى الخطة “ب”، سواءً سميت دولة لا مركزية سياسياً (كبيان فيينا) أو فيدرالية أو تقسيم، وهي نوايا لكل من يقرأ السياسية لكنها تغيب عن بصيرة الذين باتت الثورة “دكاناً” لهم وما أكثرهم وهم من تصدر أو لا زال الواجهة السياسية منذ أربع سنوات مع “شريك حياتهم” المتمثل بمعظم ما يسمى منظمات المجتمع المدني التي باتت بغالبيتها سرطانا تماما كنظيرتها المعارضة السياسية،

جريمة “محاولة التقسيم” بأي شكل تبناها الأمريكي والروسي والإيراني حماية للأسدي واستخداما للكردي، لكن ساهم فيها كل من دعا أو ارتكب جريمة التفاوض في أي مرحلة بعد أن كسر هذا “التابو”، وساهم بها هؤلاء الذين أنكروا هذا الدور والهدف الأمريكي منذ أربع سنوات والهدف الدولي منذ عامين والهدف الروسي منذ أربعة أشهر وصولاً إلى بيان فيينا والقرار 2254 والمفاوضات الحالية، التي تهدف كلها لتقسيم سوريا،

جريمة ساهم فيها كل من “فوجئ” اليوم بينما باع الوهم مصوراً جنيف3 بأنها تهدف لحل سياسي وأن وقف إطلاق النار حقيقة ممكنة وليست أداة في إطار العمل العسكري الهادف للقضاء على الثورة، بينما متن العملية التفاوضية وحيثيات وقف إطلاق النار الخبيثة تصب كلها بمرجعيتها ومسارها ووثائقها في بيان فيينا والقرار 2254، تصب عملياً في خيارين: الخطة “أ” سحق الثورة وشرعنة النظام والاحتلال الروسي والإيراني أو الخطة “ب” تقسيم سوريا على حساب العرب السنة.

جريمة الترويج للتقسيم ساهم فيها كل من ارتكب خطيئة الكفر بالثورة بعد أن دعا وفتح الباب للتفاوض، وكل من لم يتعامل مع الشبيحة كرد أوجلان منذ أربع سنوات كأعداء وصحى لذلك فقط منذ بضعة أشهر، جريمة ساهم فيها آخرون كانوا ولا زالوا يتعاملون مع كرد آخرين انفصاليين متربصين لم يشاركوا يوما في الثورة بينما همشوا كرد الثورة منذ المجلس الوطني مرورا بالائتلاف الوطني وصولا لهيئة التفاوض، جريمة ساهم فيها كل من شرعن ما يسمى معارضة الداخل وشخوصها ولو بتصريح، جريمة ساهم فيها الفاسدون والتابعون وأصحاب المشاريع الحزبوية والشخصية وهو ما ينطبق على من هو في مؤسسات المعارضة بكل نسخها دون استثناء لهيئة او شخص،

جريمة ساهم فيها كل سوري تملق هؤلاء المعارضين ومشاريعهم التفاوضية، أو صمت عن دورهم. ما يتم طرحه منذ مؤتمر فيينا وصولا للقرار 2254 وقرار وقف النار يتلخص فيما يلي: جعل هدف أي عملية سياسية إعادة تأهيل النظام مقابل وقف جرائمه والقبول برئيس وزراء من المعارضة يعين بعض الوزراء الهامشيين تحت سلطة بشار أسد مع الإبقاء على الأجهزة الأمنية والاكتفاء بتعيين بضعة ضباط (خمسة) على رأسها يرضى بهم النظام والمعارضة، والعمل معا على محاربة الإرهاب متمثلا بداعش والنصرة وكل من لا يرضى بهذا الحل من قوى الثورة العسكرية بعد استصدار قرار بذلك من مجلس الأمن، مع اعتماد صيغة سورية الفيدرالية، ومن ثم تغيير النظام ورأس النظام تدريجياً من الداخل بعد طمأنة جمهوره الطائفي وبالتالي انفضاضهم عن رأس النظام بعد شعورهم بالأمان نتيجة عودة السوريين إلى بيت الطاعة. قد يظن البعض أن ما ذكرته هو ما استنتجته اليوم وقد بات واضحاً في كل ما يجري،

لا بل أؤكد لكم أنه وبالحرف ما طرحه وعمل عليه معارضون منذ نهاية عام 2014 بدقة وبالتفصيل لكن دون التطرق إلى “الفيدرالية”، طرحوه على الروس والأمريكان والأوروبيين الذين طاروا فرحاً وبدؤوا التحضير له بعيداً عن الأضواء لتأتي انتصارات الثوار عام 2015 وتقلب الموازين وتصيب بعض هؤلاء المعارضين “حرفيا” بالاكتئاب بعد أن انتعشت آمال الناس من جديد في إسقاط النظام عسكريا وفقد مروجو هذا المشروع التفاوضي الانهزامي أرض الإحباط والتثبيط التي اعتمدوا عليها،

وهكذا وبعد ظهور ملامح انهيار النظام تدخل الروس بسلاحهم الجوي والإيرانيون مباشرة بحرسهم الثوري برضى أمريكي لكن هذه المرة لرسم حدود التقسيم “الفيدرالي” ورمى الحلفاء الروسي والأمريكي والإيراني كل أوراقهم على الطاولة، عسكريا بدعم للانفصاليين الكرد وخنق الثورة تسليحيا بالضغط الفج على حلفاء الثورة وشرعنة التدخل الروسي والإيراني ومرتزقته، مقابل وضع كل قوى الثورة بموضع الاتهام حتى تثبت براءتها من الإرهاب عبر تبنيها مشروع الاستسلام هذا.

مطلوب اليوم من كل سوري شريف ومنهم ما يسمى هيئة التفاوض، مطلوب منهم موقف عملي واضح مباشر، مطلوب تسمية ما يجري حربا طائفية على سنة سوريا العرب، مطلوب من كل الأقليات صوت واضح لا يقبل اللبس قبل فوات الأوان ومنهم الكرد الذين ينتقلون تدريجياً إلى الطرف الآخر، مطلوب من الجميع موقفاَ يسمي الأمور بمسمياتها، يرفض بوضوح كل مشاريع التقسيم بكل مسمياتها، موقفاً يؤكد أننا لن نتوقف حتى نستأصل النظام الطائفي وكل أجهزته الامنية والعسكرية وأينما تواجد في مفاصل الدولة، موقفاً يقول بوضوح لا فيدرالية ولا كانتونات ولا تقسيم تحت أي مسمى‘ فمن سيطالب بذلك سينهي وجوده في سوريا، مطلوب فضح وصفع أوباما وإدارته والتعامل معها سياسا ودبلوماسيا بوضوح على أنهم حلفاء للنظام الطائفي، مطلوب أن نطلب بصراحة من الداعمين تسليحنا دون قيود أمريكية فلن يتدخلوا عسكرياَ بغض النطر عن التصريحات.

اليوم يوم رمي كل معارض ساهم في الوصول إلى هذه المطالب التقسيمية خلفنا، سواء مباشرة أو بفشله أو بتأخيره انتصار الثورة بأي طريقة، اليوم يوم الملحمة، يوم من صدقوا الله ما عاهدوه عليه، يوم الإخلاص لدماء الشهداء وآلام المعتقلين وأنين المغتصبات وعذابات المهجرين، اليوم يوم النصر المؤزر أو الهزيمة التي لا تبقي شيئاً، والسوريون الشرفاء يعرفون طريقهم، فكما هزمنا النظام بكل جبروته وحلفائه سنتوازن ونهزم مشروع التقسيم، لا تخافوا التقسيم ليس قدراً بل حلماً واهماً يجري إقناعنا به بكل طريقة من تثبيطٍ وقتلٍ وتهجير، لكنه مجرد موجة جديدة ستخمد تحت أقدامنا مع من صنعها وروج لها وسعى لها كما فعلنا في كل الموجات التآمرية السابقة.

السلطة الرابعة : برلين : فواز تللو – سياسي وباحث سوري

شارك