السلطة الرابعة : خناف أيوب : سورية كوردية تروي . هذا ماحدث معي في مدارس البعث ! وسأبقى سورية

السلطة الرابعة : خناف أيوب : سورية كوردية تروي . هذا ماحدث معي في مدارس البعث ! وسأبقى سورية

كنا نحن الكرد عبارة عن مجموعات كبيرة يتجاهلنا الجميع من شركائنا في الوطن سورية ، بل كان الكثير منهم يربون أبنائهم على عدم معرفتنا أبداً ، نهاية ٢٠٠٦ سافرتُ لمدينة اللاذقية للدراسة في جامعتها ، في الطريق من المحطة للفندق كان السائق يسأل والدي عن القامشلي ويستغرب إننا حضر ! حسب قوله كان يعتقد إن الكرد بدو وسكان خيم ومضارب !!!

لا أدري إلى الأن كيف بنى نظريته المتناقضة تلك فمن المعروف إن عرب الجزيرة السورية أو غرب كردستان هم عشائر عربية قدموا من الجزيرة العربية ، وهم نفسهم العرب البدو الذين تحدث لنا معلم التاريخ عنهم في المرحلة الثانوية :

“إن العرب البدو الرُحَل تنقلوا خلف الماء والكلأ ” ، وقتها قلت له استاذ أنت من عشيرة الطي هل قدمت من الجزيرة العربية ؟ وأقسم بأنني لم أتعمد إهانته كما فهم هو ورفع صوته علي ، فالجزيرة العربية ليست مكاناً سيئاً فهي مهد الرسول وهي أرض عربية وكان عليه أن يعتز بعربيته حينها ، ودون استطراد ،

في ذات العام حين ذهابنا لمدينة اللاذقية استأجرنا بيتاً في منطقة “الزراعة” ، لرجل من الطائفة العلوية التي أحبها جداً ،

يدعى ( أبو علي ) كان موظفاً سابقا في القنصلية السورية في إيطاليا ولديه ابنتان جميلتان جداً وكان بين بيتنا وبيته باب داخلي ، كانت ابنته الصغيرة الطالبة الإبتدائية ” يارا ” تزور قسم بيتنا كل يوم وتتسمع لحديثنا نحن الطالبات الكرديات الخمسة بلهفة واستغراب شديدين كانت تسألنا ماهذه اللغة فنبتسم ابتسامة أشدّ استغراباً منها ونقول “اللغة الكردية ” بقيت يارا تأتي كل يوم وتمارس طقوس اكتشافها لنا وكأننا مخلوقات فضائية ، إلى أن أتت يوما وهي تقفز فرحاً وتقول ” بابا جابلي ياها وأخيراً من شهر بطلبها منه ” كانت تحمل خريطة العالم وبدأت أسئلتها لأبدأ أنا بالأجوبة ” – من رئيسكم ؟ :

مسعود برزاني . – ما اسم دولتكم ؟ : كردستان . وبعدها فرشت الخارطة التي بيدها أمامنا وهي تقول – أين تقع كردستان ؟ أشرتُ لها بالقلم على الوطن المقطع في الخارطة وفي الواقع أيضاً ، ابتسمت يارا وهي تقول كل الكرد يسكنون هنا في هذه البقعة ؟: لا يارا نحن نسكن هنا ، وأشرت لها على كل الأوطان ، ” هي لم تفهم ماذا حدث وصديقاتي بدأ الحزن يفرد جناحه على تراسيمهم الجميلة بالوراثة ، حتى إن أحداهن قالت لي باللغة الكردية ” دعيها تذهب طفلة مثلها لا تجيد هذه الأسئلة ربما والدها قد بعثها ” بقيت يارا تلقي أسئلتها والخريطة التي أمتلأت بلون القلم مفروشة أمامنا وكأنها ملك للجميع وليس لنا نحن ، فقط نحن .

– من تعبدون ؟ – لدينا ديانات كثيرة منا المسيحي واليهودي والمسلم الشيعي والسني والدرزي والايزيدي والصابئي ، صمتت يارا لبرهة وهي تقول اليهود أعدائنا وهم مجرمون كيف منكم اليهود وأنتم في بلدنا وبيتنا !!. صعقتني بتحليلها السريع وببديهتها القوية ومعرفتها الكبيرة رغم صغر سنّها بقضية اليهود والعرب والعداوة الضخمة بينهم ، يارا كانت تعرف اليهود جيداً رغم إنهم أعدائها كما لقنوها ودربوها ، ولكنها لم تكن تعرف الكرد رغم إنهم شركائها في الوطن ، وربما سيصبحون يوماً جيرانها أو أصدقائها ، حتى إن اللغة العبرية كانت تُدَّرس في الجامعات السورية في حين كانت اللغة الكردية عقوبتها السجن ، سأل أحد زملائي دكتوراً في الجامعة مرةً :

لماذا تعلم الطلاب العبرية أجابه بكل سخف ” إذا أردت أن تتقي شر قوم فأتقن لغتهم ” ، ربما لم يكونوا يعتبروننا شراً ، وأيضاً كانو يتحدثون عنا وكأننا من الممنوعات ، ولم يتغير شيء لعشرات السنوات فمنذ استلام آل الأسد والبعث الحكم أصبح الكرد في سوريا عدواً لا وجود له بالعين المجردة وأيضاً لغماً يهدد أمان الفسيفساء السوري وسينفجر في أي لحظة ، رغم إن قبل حقبة البعث كان قد برز من الكرد أهم الشخصيات في سوريا من رؤساء وزعماء وعلماء وكتاب وشهداء فدوا سوريا بدمائهم ، إلى عام ٢٠٠٤ حيث انتفاضة قامشلو لتبدأ الحكومة البعثية بسياستها المجرمة بإبراز الكرد كمجموعة مشاغبين يريدون الانفصال عن سوريا الدولة وتقطيع الأرض الواحدة ذات السيادة الواحدة والتاريخ الواحد واللغة الواحدة والدين الواحد ،

فخرجت في درعا المدينة حينها مظاهرة حاشدة شعارها ” جندونا جندونا وعلى قامشلي خدونا ” وكانت تلك المسيرة لا أدري أم المظاهرة العود الذّي أشعل الكره العربي في قلوب الكرد السوريين ، وبدأت حوادث قتل متعمدة برعاية حافظ والبعث تظهر بحق الكرد هنا وهناك ولا أحد يتحدث ولا أحد يندد ولا أحد يستنكر بل كان الكردي يقتل عشية عيد نوروز وكأنه عشاء القاتل في ليلة الاحتفال ، وبقينا أعداءً نسكن الوطن الواحد ونحتفل بالحركة التصحيحة معاً !!!

 رغم إن إسرائيل قطعت منها الجولان وتركيا قطعت منها لواء إسكندرون وبقيت إسرائيل وتركيا صديقتين حميمتين للبعث أما الشعب السوري فلم يكن بريئاً لأنه كان يغض الطرف عن قضية لواء اسكندرون والجولان السوريتين ولايتذكر إلا شريكه الأزلي الكردي بأنه مستوطن في دياره وعليه الواجبات وليس له الحقوق ولم يكن الشعب السوري بريئاً أيضاً فهو كان يعلم بأن مئات العائلات من شركائهم في الوطن محرومون من الجنسية السورية وممنوعون من الدراسة في وطنهم بل وممنوعون من السفر إلى الداخل السوري بل حتى كانوا محرومين من السكر الأحمر والرز البني الذي كان يهبه البعث كل شهر للمواطنيين عوضاً عن براميل النفط وأطنان القمح المصدرة للخارج ،

ولم نرَ يوماً أحداً من شركائنا يواسينا ولو ببضعة أحرف ، لا بل كانوا يعتبرون إنّ العرب الغمر لهم كل الحق في استيطان أراضينا وليس لليهود الحق في استيطان الضفة الغربية ، فالحر الذي يدافع عن فلسطين الجارة ويشجع احتلال شركائه في الماء والهواء لا يمد للحرية بذرة وصل ، مئات الأعوام ونحن نعيش في حالة فوضى من التضاد ، أحياناً كانت دماغي تتحول لإشارة استفهام كبيرة أمام ما كنا نلاقيه من شركائنا في الوطن ،

تربية البعث التي دخلت أكثر البيوت السورية وأصبحت تربية منزلية كانت كفيلة بأن تجعلنا كالذئاب والخراف الساكنين بذات الغابة ، أذكر صديقتي العربية التي كانت تتحدث مع عمها عبر الهاتف ونحن في حرم الجامعة مركز الثقافة والعلوم وتربية الأخلاق الإنسانية وهي تقول أنا مع صديقاتي الآن

( نور ، فاطمة ، أمل ، هند ، وخوناف من أخواتنا الكرديات ) تلك الصفة التي استفردت ولحقت باسمي لوحدي ( أخواتنا ) كانت كفيلة أيضاً أن تقنعني بأنني لست أخت أحد فلو كنا حقاً ( بلديات بعض ) كما يقال ، لما قالت عني تلك الصفة التي لم تقلها عن صديقاتها العربيات شقيقات دمها ، ورغم كل المحاولات البائسة لجعلنا أخوة وكل المحاولات البائسة الأخرى لجعلنا أعداءً ، بقي العربي السوري عربياً والكردي السوري كردياً ، لكننا قمنا معاً بأعظم ثورة على مر التاريخ لم يقم بها أحدٌ قبلنا . سنذكرها معاً وسنبكي راحليها معاً وسنحتفل بها معاً كل عام ،

١٥ أذار ليست كردية ولا عربية بل ثورة  سورية، وهي التاريخ الوحيد لشراكة شركاء الوطن على مدار سنوات ، التاريخ الوحيد الذي سيجمعنا دائماً ولو تحولنا لألف دويلة ، سنكون معاً دائماً ، في تاريخ الحرية ،

يوم ( الشعب يريد إسقاط النظام )

السلطة الرابعة : أربيل : خناف أيوب

شارك