السلطة الرابعة : فواز تللو .. عام المحرقة السورية الكبرى ودرب نهاية النظام

السلطة الرابعة : فواز تللو .. عام المحرقة السورية الكبرى ودرب نهاية النظام

 قبل عام من الآن في بدايات 2015 استنفذ التدخل الإيراني غير المباشر الذي بدأ عام 2013 لإنقاذ النظام أغراضه، فقبل عام أُنهِك عملاءه اللبنانيين والعراقيين والأفغان وقادتهم الإيرانيون، واستنفذ الدعم التسليحي الروسي – الإيراني أغراضه، وأُستُنزِف طيران النظام السوري وميليشياته المتعبة وجيشه المتلاشي، فبدأت ملامح الانهيار،

من تحرير إدلب المدينة والمحافظة، فسهل الغاب والاقتراب من حماة، وفتح طريق جبال التركمان والأكراد في جبال الساحل، ليصبح خط الجبهة هو مناطق مؤيدي النظام، كما بدأت ملامح الاستنزاف والهزيمة تظهر على النظام وحلفائه الإرهابيين اللبنانيين في القلمون، وتقدم ثوار درعا والقنيطرة، كما تقدمت داعش في ريف حمص الشرقي لتصبح على أبواب حمص وريفها الشمالي والجنوبي، وهكذا وصل النظام إلى النقطة الحرجة. حلفاء الثورة قبل عام أعادوا اصطفافهم بعد تسلم القيادة السعودية الجديدة، وبات التركي والقطري والسعودي يعملون معاً ليس في سوريا فقط بل في كل المنطقة، تحرك السعوديون بقوة بدعم تركي قطري في تلميح لحسم الأمر عسكرياً عبر تصريحات واضحة، وتحرك التركي بدعم سعودي قطري لإنشاء منطقة أمنة في مناطق داعش المتاخمة له في سوريا، وماطل الأمريكي ما استطاع لمنع الطرفين حتى وصل الأمر إلى نقطة القرار رغماً عنه بالموافقة.

هنا بالضبط وقبيل الانهيار العسكري المتسارع للنظام، والموقف السعودي القطري التركي القوي الجاد العملي الجديد (كما عبرت التصريحات)، هنا تدخل الروسي مباشرة بقوة نارية جوية صاروخية كاملة وهو تدخل في تصاعد، كما تدخل الإيراني مباشرة بإرساله آلافاً من حرسه الثوري وسيصل الأمر حتماً قبل نهاية عام 2016 إلى عشرات الآلاف، وفي الحالتين صمت الأمريكي راضياً كما صمت سابقاً عن تدخل عملاء إيران، وتنفس النظام الأسدي الصعداء، فالإيراني أنقذه بشرياً، والروسي قطع الطريق على المنطقة الآمنة التركية، وعمل على إنشاء كانتون كردي عميل لـ “الإيراني – الروسي – الأمريكي – الأسدي” لعزل تركيا عن سوريا ومنع تقديم أي دعم للثوار،

بل بدأ الروسي بقصف كل القوافل الإغاثية لفرض حصار إنساني “غذائي طبي” على المناطق المحررة. سريعاً وعلى التوازي بدأت مرحلة اجتماعات فيينا التي هدفت لترسيخ نتائج التدخل الروسي ورسم حدود التقسيم غير المعلن تحت شعار “الدولة اللامركزية”، التي تهدف لأن يحتل الكردي نصف حلب وكل الشمال مع مصادر المياه والطاقة كسد تشرين ومنابع النفط

(وربما سد الفرات إن لم يُترك للنظام مع الرقة لتحقيق نصر سياسي “ضد الإرهاب”) مع تهجير عرقي في العمق العربي في الرقة ودير الزور وحلب، ويرسم النظام حدود دويلته الطائفية مستثنياً ربما حماه المدينة (بثقلها الديموغرافي السني) ليضم حمص وكل الساحل والقلمون ودمشق محيطها مع تهجير طائفي ما استطاع، وتثبيت ذلك من خلال القرار الدولي 2254 بمرجعية فيينا التي تقول بدولة لا مركزية وعملية سياسية هدفها حكومة وحدة وطنية تشرعن النظام من جديد مهمتها “الحرب على الإرهاب” بالتعاون مع النظام وحلفائه “الروسي والإيراني والأمريكي” وأدواتهم الكرد،

مع تلاعبٍ متذاكٍ أحمق بتعريف القوى الإرهابية كطفل يلعب بمدفع رشاش وسط حفل مزدحم. هذه أهدافهم عبر الحسم العسكري الذي يقومون به والمفاوضات المرافقة له، وهو ما اضطر حلفاء الثورة للدخول بالمفاوضات كمناورة سياسية محكوم عليها بالفشل، فهي لا تنسجم مع مصالحهم والخطر المحدق بهم ولا مع مصالح الثورة، وها هي المفاوضات تنذر بالفشل لأنها قامت على مقاربات خبيثة، مفاوضات سياسية وهدنة سريالية لم تكن إلا أداة في معركة حسم عسكري استخدمت فيها المعاناة الإنسانية كسلاحٍ للضغط وهو ما ظهر من عدم تقديم النظام الأسدي أي تنازل أصرت عليه المعارضة في هذا المجال قبل بدء المفاوضات.

مجريات المفاوضات ونتائجها (مهما كانت) ووفق هذا القرار ومرجعية مؤتمر فيينا سترسخ وتشرعن ما يرسم له الحلف الرباعي الإرهابي “الروسي الأمريكي الإيراني الأسدي”، فهي ستثبت قيام كانتون “المنصة الكردية لحزب العمال” للانقضاض على تركيا وتقزيمها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وسيضعف العدالة والتنمية أمام معارضيه “العلمانيين (العلويين) وسيقوي فرصهم في تحريك الجيش للقيام بانقلاب عسكري يذكر بما حدث مع “عدنان مندريس” قبل نصف قرن،

كما أن نتائج المفاوضات (مهما كانت) لن تُخرج الإيرانيين من سوريا بل ستثبت وتشرعن وجودهم وسيطرتهم وبالتالي تمدد مشروعهم الطائفي التخريبي للخليج العربي والمنطقة، كما أنها ستشرعن وترسخ الوجود الروسي وسيطرته على غاز المتوسط ومنع الغاز القطري والخليجي من الوصول لأوروبا عبر سوريا فتركيا لتبقى روسيا ممسكة برقبة أوروبا عبر الطاقة. لكن الأهم هو موقف السوريين، فنتائج المفاوضات لن يمكن تمريرها على الأرض،

فالقوى العسكرية بمختلف توجهاتها لا يمكن أن ترضى بهذا الحل “الفانتازي” الذي تم اختصاره بترشح رئيس النظام، ويدركون أن هذا الحل يعني الحكم على معظم المقاتلين والمعتقلين بالإعدام وضياع الحقوق والعدالة وترسيخ التهجير الطائفي وعدم عودة معظم اللاجئين، ويدرك السوريون الثائرون أنهم وسط تآمر المجتمع الدولي خلال خمس سنوات وعدم عرضه حلاً سياسياً معقولاً وعادلاً “نسبياً” قابلٍ للتطبيق، وعدم ممارسة أي ضغط على النظام بل تشجيعه على القتل وتخريب البنية الاجتماعية والاقتصادية والحضارية والثقافية للبلد، لم يعد أمامهم إلا خيار واحد:

“القتال حتى النهاية وظهرهم للحائط، فلا مجال للتراجع ولو قبل خطوة واحدة فذلك يعني ضياع كل شيء”، وفي الحقيقة تمثل هذه نقطة القوة الحاسمة في الصراع بعد أن انقلب السحر على النظام الذي اختار وحلفائه (ومعهم الأمريكيون) منذ البداية الخيار الصفري، أي كل شيء أو لا شيء،

حالمين بنصر سهل على شعب أعزل. المؤشرات كلها تؤكد أن مفاوضات فاشلة ستجري خلال عام 2016، يقابلها تصعيد عسكري كبير للضغط على السوريين الثائرين وحاضنتهم الشعبية “العربية السنية” للقبول بهذا “الاستسلام غير المشروط” تحت اسم حل سياسي، مع التصعيد ضد قوى عسكرية ثائرة “إسلامية خاصة” لا علاقة لها بتنظيم القاعدة لدفعها للقبول أو التخلص منها، وممارسة كل أنواع العدوان الوحشي على المناطق المحررة والمحاصرة لإجبار السكان على القبول بالمعادلة القديمة – الجديدة، المسماة قديماً “الأسد أو نحرق البلد – الجوع أو الركوع”.

بعكس الأوهام التي يجري تسويقها؛ 2016 ليس عام التسوية السياسية ووقف إطلاق النار وفك الحصار الإنساني وإطلاق سراح المعتقلين وعودة اللاجئين، بل إنه عام المحرقة الكبرى لما تبقى من سوريا والشرفاء من السوريين، المحرقة الكبرى التي بدأت بالتدخل الروسي المباشر قبل أشهر وستتصاعد لتصل إلى مستويات غير مسبوقة خلال عام 2016 عام الفشل النهائي للتسوية السياسية وفق ما خطط له وأعلنه الأمريكي منذ أربع سنوات في مؤتمر أصدقاء سوريا الأول في تونس وما تبعه من نسخ جنيف وصولاً لمؤتمر فيينا والقرار 2254 الأممي الذي أعلن ضمناً اتفاق الروس والغرب بقيادة أمريكية مع الإيرانيين على وأد الثورة وإنقاذ النظام الأسدي الطائفي “بكل رموزه”، عام 2016 هو عام دمارٍ وقتل للمدنيين لم تشهده السنوات الخمس الماضية ولا نعلم إن كان ما سيليه أقل تدميراً،

هو عام سيدمر كثيرا من “بقايا سوريا” كما أنذر “جون كيري” في خطابه الأخير للسوريين في تناغم مع شعار “الأسد أو نحرق البلد” ليصبح الشعار بنسخته الأمريكية “الأسد أو ندعه وحلفاءه يحرقون ما تبقى من البلد”، هو عام سيدفع مليون او اثنين إضافيين من السوريين ليصبحوا لاجئين وهو ما رأينا مقدماته في النزوح الجماعي من جبال الساحل والريف المحيط بحلب ليُغرقوا أوروبا ودول الجوار بغض النظر عن كل محاولات منعهم.

لكن 2016 أيضاً عام استنفاذ العالم لكل فرصه وأوراقه في محاولاته لقتل الثورة السورية وإنقاذ النظام الأسدي الطائفي، وهو عام وصول الأمور إلى نهاياتها، وفي ذلك أيضاً خير، فهو عام فشل التدخل الروسي وبداية استنزافه الذي لم يبدأ بعد، وعام فشل الأمريكي في حرب داعش بسبب تآمره على “السنة”، وعام كشف الأقنعة، وعام مواجهة حلفاء الثورة للحقائق الصادمة بحجم المؤامرة عليهم بشكل لا يعودون بعده للتردد في تسليح الثورة، ترددٌ يدفعون وتدفع الثورة ثمنه غالياً اليوم،

وأخيراً هو العام الذي سيودع فيه العالم عهد أوباما المشؤوم الذي انقلب على حلفائه في المنطقة وأشعلها حروباً وناراً بسبب تحالفه مع ملالي إيران وترك الوحش الروسي المافيوي والإيراني الطائفي يعيثون فساداً في المنطقة والعالم. عام 2016 العام السادس للثورة السورية ليس عام الحل السياسي ونهاية المأساة السورية، ولا عام تقسيم سوريا باسم الفيدرالية أو غيرها من مسميات، ولا عام انتصار النظام، ولا عام انتصار الثورة أيضاً، إنه مع الأسف عام المحرقة الكبرى للسوريين، فالتوقف ولو قبل خطوةٍ انتحارٌ وتثبيت لتهجير طائفي وانتصار ساحق للنظام وتضييع نهائي للحقوق، فالعالم يجرب حسمه العسكري ضد الثورة (بغض النظر عن مسرحية مفاوضات جنيف ووقف الأعمال العدائية) لكن لا إمكانية لانتصاره عسكرياً،

فالأمل الواقعي معقود على الثوار السوريين الذين باتوا الرقم الأصعب، حتى لو كبا جوادهم مؤقتاً وخسروا منطقة هنا أو هناك، لذلك فإن عام 2016 سيكون عام إعادة التوازن للثورة السورية بعد أن تمتص الصدمة الروسية وما تبقى من أوراق التآمر الدولي كما فعلت دائماً سابقاً، لكن بثمن كبيرٍ جداً مع الأسف قدر السوريين دفعه عبر ممر الآلام الإجباري الذي فرضه العالم عليهم تمهيداً لعام يليه حتماً وبإذن الله سنرى فيه بداية النهاية النهائية الرهيبة للنظام الأسدي بعد استنفاذ حلفائه كل الفرص للحفاظ عليه لتعود الأمور إلى النقطة التي توقفت عندها قبل التدخل الروسي عام 2015 حين كان النظام ينهار،

ولن يوقف انهياره شيء في تلك اللحظة، ليكون عام المحرقة الكبرى المفروضة على السوريين هذا العام هو الممر الإجباري والمقدمة الحتمية لنصرهم لاحقاً بإذن الله.

السلطة الرابعة : برلين : فواز تللو – سياسي وباحث سوري

شارك