السلطة الرابعة : تصريحات العميد أسعد الزعبي بحق الكرد – من يتحمل المسؤولية؟

السلطة الرابعة : تصريحات العميد أسعد الزعبي بحق الكرد – من يتحمل المسؤولية؟

القضية الكردية في سورية ليست بالبساطة التي يتناولها القوميين المتطرفين من العرب والكرد بالتقاذفات اللفظية والتزييف المتعمد لحقائق التاريخ والجغرافية ولا تحل بقول العرب أن الكرد قادمين إلى سورية هاربين من الإضطهاد التركي والإيراني بعد إفرازات الحرب العالمية الأولى ولا بقول الكرد أن الأرض الممتدة شرق الفرات والشريط الحدودي مع تركيا حتى البحر المتوسط هي أرض تاريخية كردية .

الحقيقة أن العرب والكرد كانوا جزء من الإمبراطورية العثمانية التي كانت تهيمن على جزء كبير من آسيا وشمال أفريقيا وشرق أوربا على مدى 400 عام وهذه الفترة كانت كافية لإنتاج ديمغرافية سكانية متجاوزة للديمغرافيات القومية وبالتالي فإن التداخل السكاني في شمال شرق سورية هو نتيجة طبيعية لحالة المواطنة التي كانت تسود الخلافة العثمانية على مدى تلك الفترة الزمنية الطويلة .

ومع مجيء الدول القومية في شرقنا على أثر الحرب العالمية الأولى وما أفرزته ترتيبات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى للشرق الأوسط من إعلان دول جديدة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنهارة كان هناك ليس فقط غبن بحق الشعب الكردي فقط بل كان هناك سلب كامل لحقه بدولة كردية قومية على غرار الدول القطرية العربية والدولة التركية وتوزيع الأراضي التي يسكنها الكرد على الدولة الإيرانية والدولة التركية والدولة العراقية وعلى أجزاء بسيطة من الدولة السورية لمناطق هي بالأصل لم تكن تشكل نسيج قومي لقومية معينة ,

بل كانت ولازلت موطن لقوميات وطوائف متعددة أهمها العرب والكرد والسريان والآشوريين ونظرا لعدم وجود ديمغرافية كردية خالصة على أراضي الدولة السورية الحديثة فإننا لم نلحظ حراك سياسي كردي سوري على أثر إنتاج دول سايكس بيكو ينزع نحو الإنفصال أو حتى المناداة بفدرالية أو حكم ذاتي على غرار ماكان يحصل في كردستان إيران والعراق وتركيا بل وصلت حالة المواطنة السورية للكرد وتجسدت بوصول أكثر من شخص كردي إلى سدة الرئاسة أعلى منصب سياسي في سورية إلى أن تنامت الكثافة السكانية الكردية على أثر مجيء عدد لايستهان به من الكرد من كردستان تركيا والعراق إلى سوريا على أثر الحروب والثورات الكردية ضد تلك الدول نزوعا إلى التحرر والإستقلال ,

حيث أخذت تتنامى نزعة قومية لدى بعض الشخصيات والتيارات السياسية الكردية وبدعم وتغذية من الأحزاب السياسية الكردية العراقية والتركية ومع مجيء حزب البعث العربي الإشتراكي إلى السلطة في سورية وإنتهاجه للسياسات العنصرية ضد الأقليات العرقية في سورية وعلى وجه الخصوص ضد القومية الكردية تولدت حالة من الإحتقان والتطرف القومي لدى عامة الشعب الكردي في سورية كرد فعل طبيعي تجاه السياسات العنصرية التي مارسها حزب البعث ضدهم فأخذت الأحزاب الكردية السورية بالتشكل وأخذت تحظى بالقاعدة الشعبية الكردية المنادية بإسترداد حقوق المواطنة والحقوق القومية المسلوبة على حد سواء ,

وتتوج ذلك الحراك الكردي بإنتفاضة 2004 التي لم تجد مساندة وتأييد من باقي شرائح الشعب السوري التي هي أيضا لم تكن تتمتع كثيرا بحقوق المواطنة في ظل حكم الإستبداد والإقصاء وهذا مازاد في نقمة الشعب الكردي ليس فقط على النظام الإقصائي بل على الشعب العربي بالمجمل وإعتباره مساندا للنظام في عملية إضطهاد الكرد وللإنصاف عندما أندلعت الثورة السورية ضد نظام الأسد أول من بادر للإلتحاق بها إلى جانب الشعب السوري هم الكرد متناسين حالة الخذلان التي تعرضوا لها عام 2004 ولكن نظام الأسد لم يكن بغباء النخبة السياسية المعارضة والتي تصدرت قيادة الثورة ففي حين النظام أستدار 180 درجة تجاه التعامل مع القضية الكردية ,

وأخذ يخطب ودهم بالتراجع عن الكثير من المراسيم التي سنها بحقهم سابقا وعلى رأسها قرارات منح الجنسية للكرد اللذين كانت مسلوبة منهم ومع زيادة ضغط الثورة عليه قام بإيهام الشعب الكردي بأنه النظام اللذي سيمنحهم ليس فقط ممارسة شعائرهم القومية بل سيمنحهم حكما ذاتيا وإن لزم الأمر يمنحهم جزء من الأرض السورية يقيموا عليها كيان سياسي كردي مستقل في حال إضطراره إلى الإنفصال بدولة علوية فقام بترتيب أوراق حزب الإتحاد الديمقراطي اللذي يشكل الجناح السوري لحليفه السابق حزب العمال الكردستاني وتنظيمه وتسليحه بهدف مصادرة الثورة الكردية الوطنية التي شكلت جزء أساسي من الثورة السورية لإستخدام قوة هذا الحزب في عملية السيطرة على الثائرين ضده كردا وعربا على حد سواء,

موهما القاعدة الشعبية الكردية أنه يقف إلى جانبها في نيل حقوقها في حين هو من أنتج الحزام العربي وعرب كثير من البلدات الكردية مستندا إلى إفتقار النخبة المعارضة والتي تصدرت مشهد الثورة إلى الخبرة السياسية وفقرها في الإلمام بتركيبة المجتمع السوري وجغرافيته فبقيت المعارضة السورية تدور في فلك الأفكار البعثية بقصد وغير قصد وبقيت على ترديد الخطاب البعثي الخشبي متناسية أن الشعب السوري ثار على البعث ونظرياته وإفرازاته التي كان أهمها المجيء بالنظام القمعي إلى سورية .

وبالتالي فإن تصريحات العميد الزعبي بحق الكرد والتي تفتقر إلى الدراية بحجم هذا المكون على الساحة السورية وتفتقر إلى اللياقة السياسية والأدبية في وصفهم بأنهم كانوا يرجون حافظ الأسد كي يمنحهم صفة بني آدم هي تصريحات تستوجب البحث عن من يتحمل مسؤوليتها كونها صادرة عن شخص يشغل أعلى منصب في فريق يساهم برسم شكل سورية المستقبل وتصويب هذا الخطاب اللذي يصب في خانة الإختراقات الأسدية المتكررة والمتنامية للشعب السوري وثورته . لذا على قيادة المعارضة السورية التي تتصدر واجهة الثورة تفنيد ماورد على لسان الزعبي وطرح خارطة طريق منصفة وواضحة للتعامل مع القضية الكردية السورية ؟

السلطة الرابعة : لندن : حمد طلاع شهاب الجبوري

شارك