السلطة الرابعة : الباحث الألماني شتيفان فينتر : كورد سورية في مرآة مصادر الأرشيف العثماني خلال القرن 18 للميلاد !

السلطة الرابعة : الباحث الألماني شتيفان فينتر : كورد سورية في مرآة مصادر الأرشيف العثماني خلال القرن 18 للميلاد !

كانت لسورية (بلاد الشام) أهمية كبيرة بالنسبة لتاريخ الشعب الكردي.

على الرغم من أن قبائل كردية صغيرة استقرت منذ القديم في المناطق الجبلية الساحلية واندمجوا مع سكان المنطقة، إلا إن التاريخ الحقيقي للكرد يبدء بحسب المصادر العربية منذ هجرة (ربما المتحدثين باللهجة الكرمانجية) أشباه البدو من المناطق الشرقية لجبال طوروس في العصور الوسطى.

مع صعود الاقطاع العسكري في الشرق الأوسط وإعطاء الأراضي لبعض القبائل وقادة العسكر، استقرت ومنذ القرن 11-12[1] قبائل كردية في مناطق فيها حصون ذو أهمية استرتيجية مثل حصن الأكراد (قلعة الأكراد فيما بعد قلعة الحصن) والقصير في أعالي أنطاكية. أقوى قائد عسكري في هذا العصر هو صلاح الدين الأيوبي (توفي 1193) الذي وحد كامل سورية واستطاع الانتصار على الصليبيين، وهو يتمتع بأهمية تاريخية عظيمة لدى الكرد والقوميين العرب.

لم يتم حتى الآن البحث بشكل واسع في تاريخ القبائل الكردية. في تقارير البلاط العثماني والرحالة أمثال شرفخان البدليسي[2] وأوليا جلبي[3] لدينا معلومات غزيرة عن الإمارات الكردية في القرن 16-19 الميلادي والتي كانت تتمتع بنوع من الحكم الذاتي في أيالة دياربكر والمناطق المحيطة بها.

بعكس ذلك يتم الحديث عن المجتمع الكردي في شمال سورية ابتداء من القرن 19 في كتابات المستشرقين الروس وموظفي الانتداب الفرنسي في القرن 20.

بإمكان المرء الحصول على الكثير من الوثائق من الأرشيف العثماني بخصوص حلب والرقة وطرابلس والتي تلقي الضوء على الهيكل الإداري والمشاكل المتعلقة بالإدارة لدى القبائل الكردية في نهاية القرن 17 و18.

بعد فشل الحملة العثمانية ضد فيينا 1683م وما تبعها من فقدان لبعض المناطق في منطقة البلقان، تركزت سياسة الباب العالي بالدرجة الأولى على الأمن الداخلي والبناء الاقتصادي في المناطق الآسيوية للامبراطورية العثمانية، وترتكز هذه السياسة بشكل أساسي في مسألة الإسكان الداخلي للقبائل الكردية والتركية والمرتزقة من الجند، ولتحقيق ذلك اتبعت وسائل العنف والترحيل، إضافة إلى إيجار الأراضي بأسعار مناسبة وحوافز أخرى تدفع المرء للأستقرار

[4]. غزارة الوثائق الكتابية في الأرشيف العثماني ليس لها مثيل، وهي تزودنا بمعلومات عن مراقبة ومعاقبة القبائل من قبل الجهاز الإداري للسلطنة العثمانية، الأمر الذي يوفر لنا فرصة فريدة لمعرفة أمور كثيرة لم نكن نعلمها عن تاريخ الشعوب والاستعمار ضمن آسيا الغربية في بواكير العصر الحديث.

توجد ثلاثة مناطق في سورية الحديثة مجاورة للحدود التركية مفصولة عن بعضها البعض، تسكنها أغلبية كردية يتحدثون بلغتهم الأم.

في هضبة عفرين (كرداغ) شمال غرب حلب، ومنطقة عين العرب (نبع العرب)

[5] شمال الرقة والحزام الحدودي حول القامشلي مع امتداد جبل سنجار العراقي في شمال شرق الحسكة.

يتم التعرف في الوثائق العثمانية على مجموعات بدوية كردية كثيرة كانت تتوزع على مناطق واسعة من سورية الداخلية خلال القرن 18، وكانوا يجمعون الضرائب باسم الدولة، إضافة إلى هؤلاء البدو وجد قسم من الكرد الذين استقروا حديثاً وبنوا القرى.

يهدف هذا البحث إلى سرد العلاقة بين تلك المجموعات الكردية والدولة العثمانية من الناحية التاريخية وذلك من خلال وثائق الأرشيف العثماني.

في الجزء الأول من البحث تتم دراسة القبائل والإمارات الكردية التي سكنت المناطق الغربية من الساحل السوري في القرن 18 والذين اندمجوا مع مرور الوقت في المجتمع العربي أي أنهم استعربوا.

في الجزء الثاني من البحث تتم دراسة هجرة قبيلة الملان والرشوان خلال القرن 18 من مناطق الأناضول إلى منطقة الجزيرة، ولو أن الوثائق الحالية تمكننا من إلقاء نظرة تقريبية على توزع القبائل في ذلك العصر، وهي تبين لنا تداخل المجتمع الكردي والعربي خلال بواكير العصر الحديث.

1.2 حمص وحماه تعتبر الأراضي العليا غربي مدن سورية الداخلية حمص وحماه من أقدم المناطق التي سكنها الكرد.

ذكرت سابقاً بناء حصن الأكراد 1031 للأغراض العسكرية، وهو يقع في منطقة أستراتيجية هامة بين حمص وموانئ طرطوس وطرابلس الساحلية، ومع بداية العصر العثماني سكن الكرد في المناطق المحيطة بالحصن.

يرد في السجل العقاري العثماني (طابو التحرير) من القرن 16 و17 ذكر المجموعة القبلية (جماعت) التي تعرف بالكرد الحسكية (HESEKîYE) والتي شكلت مجموعة منفصلة في ناحية حصن الأكراد، وكانت تقوم بجمع الضرائب

[6] وترسلها مباشرة إلى الصندوق الخاص للدولة العثمانية، كما كان الحال بالنسبة للبدو وأشباه البدو في سورية أيضاً

[7]، وكانت هذه الضرائب تمول المنح الدينية لعائلة السلطان.

وقد تم تحصيل الضرائب من 48 عائلة وهي عبارة عن غنم وجاموس.

لا يظهر أسم الحسكية في أية وثيقة بعد سنة 1645-1646 (تاريخ آخر سجل عقاري لمدينة حمص).

مع بداية مشروع السلطة العثمانية لإسكان القبائل بنهاية القرن 17 تظهر عشيرة الساضلو Saçlo الكردية في مدينة حماه, التي لجأوا إليها تجنباً لدفع الضرائب للعثمانيين، وكان للساضلو علاقة قرابة مع كرد كلس[8].

أما قبيلة قيليضلؤ (loçQili)- والذين سيتم ذكرهم أثناء الحديث عن حي الأكراد بحلب- فقد كان لديهم شعبة في قضاء محافظة حمص، وقد تم رفع دعوى قضائية سنة 1695 ضد أحد قادتهم المحليين بتهمة سرقة الغنم من أحد التركمان المحليين[9].

لا توجد في الوثائق أية معلومات أخرى بخصوص منطقة حصن الأكراد.

كانت قرية وادي الحضور (udhῡrḤ) في سنة 1715 مركزاً يختبئ فيه الكرد خوفاً من قطاع الطرق (الأشقياء) الأتراك من الذين كانو قد تركوا قبائلهم وتجنبوا دفع الضرائب واعتادو على العيش على النهب والسلب[10].

أما بالنسبة للكرد فقد كانت هناك نخبة منهم أعضاء في طبقة الضباط العسكريين, وقد كانت لهم اتصالات جيدة مع قبائل الأناضول وكذلك الجيش العثماني، الأمر الذي مكنهم من التحكم باستيراد الصوف والغنم من كامل المنطقة[11].

كان سليمان آغا- وهو شخص أصوله غير معروفة- يجمع الضرائب لسنوات طويلة من سكان حصن الأكراد وقراهم, ومول في بعض الأحيان الأستئجار لأمراء حمادة amāda-EmireḤ في لبنان[12].

استناداً إلى ملفات القضاء نعلم بأن البرازي كانت أهم عائلة أغوات كردية، حيث امتلكوا مساحات واسعة من الأراضي العقارية ضمن مدينة حماه في القرن 19[13].

اندمجت هذه العشيرة مع مرور الوقت بالمحيط العربي (أي أنهم استعربوا) وقد وصل البعض منهم إلى مناصب عليا في الجمهورية السورية.

2.2 إمارة الجبل الكردية في طرابلس استقر الكرد بشكل أساسي في سورية كما هو الحال في كردستان في المناطق الجبلية العالية، بحيث يستيطعون بدون عوائق تربية الماشية وكذلك ممارسة تقاليدهم.

تعتبر الجبال الساحلية الوعرة في لبنان -والتي يمكن للمرء أن يصل إليها بصعوبة- ذو أهمية كبيرة بالنسبة للتاريخ الكردي، حيث استقرت هناك مجموعات قومية ودينية تمتعت بحكم شبه ذاتي واستطاعت الاحتفاظ بتقاليدها بشكل أفضل.

كانت عائلة جان بولات (جان ثؤلات [14]Can polat) وعائلة معن من أهم تلك العائلات الكردية الأميرية والذين تحولوا بعد انتقالهم إلى جنوب لبنان إلى المذهب الدرزي وهيمنوا لسنوات طويلة على سياسة القبائل وتحكموا بالضرائب.

كذلك عائلة شعب وهي غير معروفة كثيراً فهي تنتمي إلى الطائفة الأثنا عشرية الشيعية في جنوب لبنان.

كانت هذه العائلة تتمتع بحق جباية الضرائب في منطقة جبل عامل ولكنهم لم يستطيعوا الصمود طويلاً أمام إمارة شهاب (1788-1840) القوية .

يرد اسم هذه الإمارات بكثرة في الوثائق العثمانية المتعلقة بأمور التمويل، ولكن نظراً لاندماج هذه الإمارت السريع في المجتمع الأقطاعي اللبناني لا يمكننا معاملتها كجزء من التاريخ الخاص بالكرد.

أما بالنسبة للعائلات الكردية في سنجق طرابلس فقد كانوا ومازالوا حتى القرن 18 محتفظين بهويتهم القومية، وأهم إماراتهم كانت الكورة في رأس نحاش وأحفادهم هم الأيوبيون الحاليون في شمال لبنان.

في ملفات قضاء طرابلس من النصف الثاني للقرن 17 يتم ذكر إمارة الكورة ومجموعات كردية أخرى منهم عائلة حمادة التي كانت تحت حكم إمارة الكورة وكانت هناك علاقات زواج بين العائلتين.

كانت عائلة حمادة تنتمي إلى الطائفة الأثنا عشرية ووقع على عاتقهم جباية الضرائب[15].

عاشت إمارة الكورة مرحلة الانتعاش في منتصف القرن 18.

في سنة 1740 حصل الأمير علي ابن حسن الكردي (حفيد الأمير أحمد ابن موسى الكردي) مع شريك مسيحي على ضرائب الإيجار في عكار وعنفة[16].

خلال العقد اللاحق هيمن فرع موسى وفرع حسن من العائلة الأميرية على الإيجار بشكل فردي أو معاً في محيط الكورة وعنفة والزاوية في جبال أعالي طرابلس[17].

كان على الأمراء الكرد كباقي الأمراء المحليين أن يبعثوا بأحد أعضاء العائلة كأسير إلى قلعة طرابلس إلى أن يتم استلام الضرائب.

في سنة 1745 تمكن قاسم (على الأغلب ابن حسن الكردي) عن طريق الرشاوى من تجنب ذلك الاحتجاز[18].

تمتع أخوه عمر بالحصول على الإيجارات من الكورة وعنفة حتى سنة 1764 بعد ذلك فقدت العائلة هذا الحق[19].

لم يأخذ الإقطاع الكردي في لبنان حقه الكافي من البحث[20]وهو أمر ينطبق على هذا البحث أيضاً نظراً لقلة الوثائق.

بالنسبة لجماعات أخرى والتي ربما أصولها كردية، مثل عائلة سيفا الأميرية من عكار, الذين حكموا كامل أيالة طرابلس اعتباراً من سنة 1579, يتم ذكرهذه العائلة في المصادر على أنهم أكراد ولكنهم كانوا من ضمن الاتحاد القبلي التركماني (ذوالقادر).

أما شعير الذين ربما هاجرو من شمال سورية، فينتمون إلى الطائفة الأثنا عشرية وكانت لهم في القرن 17 علاقات حميمة مع كرد الكورة وسيفا.

تقدم لنا عائلة المرعبي حالة جديرة بالأهتمام, حيث بسطت هذه العائلة سيطرتها حتى القرن 20 على منطقة عكار في أقصى شمال لبنان.

في دراسة تفصيلية عن تاريخ عكار أظهر الباحث فاروق هبلوس أن هذه العائلة كانت تجبي الضرائب للعثمانيين، وقد هاجرت من حلب إلى طرابلس سنة 1715, ويرى الباحث بأن هذه العائلة ربما كانت ذات أصول عربية[21].

ولكن هذا التقدير عائد إلى خطأ في ترجمة وثيقة من اللغة التركية (من طرابلس)، وحسب الوثيقة فأن وزيراً عثمانياً (وليس شديد الناصر المرعبي) هو الذي بات لعدة أيام (في سنة 1714) في حصن الأكراد أثناء ذهابه من حلب إلى صيدا، في ذلك الوقت امتلك شديد وأقربائه تحصيل الضرائب من عكار وحصن وصافيتا وأسرع شديد في الانتقال إلى جانب الوزير العثماني عندما حاول الحصول على منصب الحاكم في طرابلس ووضع المنطقة لسنوات عدة في حالة من الاضطرابات[22].

تمتعت عائلة المرعبي بدعم السلطات:

في سنة 1741 يظهر شديد وأولاده سلهب وإسماعيل ضمن قائمة من 38 ثائراً أغلبهم تركمان كانوا قد انطلقوا قبل سنة من وادي الحضور وهاجموا منطقة صافيتا وأرهبوا سكانها[23] (هذا الأمر ربما يوضح السبب الذي تم بموجبه نقل حق تحصيل ضرائب الإيجار في هذه السنة إلى أمراء الكورة: انظر في الأعلى).

الأمر غير المعروف بالنسبة لنا هو فيما إذا كانت الدولة العثمانية تعتبر المرعبي إمارة كردية كما كان الحال بالنسبة لإمارة الكورة، ولكن الأمر المؤكد هو أن وجهاء عكار مازالو يفتخرون بأصولهم الكردية وكانوا حتى الأربعينيات على الأقل يتميزون بلهجتهم الخاصة وبلباسهم الكردي[24].

3.2 اللاذقية وجبال العلويين كانت كامل المنطقة الغربية من الساحل السوري في القرن 18 موطن مجموعة قبائل كردية صغيرة التي لم يعد لها اليوم تقريباً أي أثر.

في هذا الفصل سيتم الحديث عن عشيرة رشوان، ويجب أن أذكر هنا بأن أجزاء من اتحاد قبيلة ليكوان (Lekwan) هاجرت من مناطق الأناضول إلى طرابلس عندما أنهوا عقود الإيجار الأقليمية سنة 1749[25].

كان اتحاد قبيلة ليكوان يسكن في أضنة وكانوا معروفين بالسرقة والنهب ومرتبطين بتحالف مع عشيرتي يني إيل وأفشار التركمانيتين وقد أجبرتهم السلطنة العثمانية على السكن في مدينة الرقة [26],وقد اندمج هؤلاء أيضاً كأغلب القبائل الكردية في منطقة الساحل السوري في المجتمعات المحلية.

نحن نعلم الآن وبالاستناد إلى وثيقة قضائية تعود إلى سنة1761 بأنه كان لدى قبائل عربية رعاة أغنام كرد, حيث مارسوا معهم البداوة بين عكار في لبنان وصافيتا جنوب جبال العلويين[27].

تاريخياً كانت منطقة الجبال الساحلية الشمالية حول اللاذقية مركز استيطان كردي مهم.

يوثق السجل العقاري للضرائب من القرن 16 بناء مسجد (مسجد الأكراد) في جبلة من دخل محصول خاص[28] يعود ربما إلى طبقة من الأكراد المتحضرين والذين ربما كانوا يمتلكون أراض زراعية منذ عصر المماليك الشركس في سورية 1382-1516.

كان يطلق حتى القرن 20 أسم جبل الأكراد على المناطق المرتفعة خلف جبلة واللاذقية، وما تزال المناطق المحلية تحتفظ إلى أيامنا هذه بأسمائها الكردية:

دوير الأكراد، مزارة الأكراد، بيت الكردي وإلى آخره.

كانت بيت ياشوث وقرى علوية أخرى تعود ملكيتها و لفترة طويلة لآغا عائلة كنج (طنج).

كان حصن صهيون في سنجق جبلة حسب المصادر العثمانية – والذي كان يعود بالأصل إلى الفرسان الصليبيين- مسكوناً من قبل قبيلة ساجلو (ساضلؤ Saçlo) الكردية في القرن 18، وكانوا يدفعون الضرائب للجوامع وإلى إمارة كوربرولو (Körprülü) محمد باشا في جسر الشغور، أما القبائل الأخرى فكانت تدفع الضرائب لخزينة الدولة في حماه[29].

في وثائق اخرى يتم اعتبار أكراد حصن صهيون جزءاً من عشائر الملية (ملان)، وقد عرف عن هؤلاء بأنهم عاشوا على جني الضرائب والنهب والهجوم على مناطق جسر الشغور[30].

يقع جسر الشغور على نهر العاصي وقد تمتع الجسر بأهمية استرتيجية إضافة إلى منشآت أخرى كانت لها أهمية كبرى بالنسبة للذاهبين إلى الحج وكذلك الأمر بالنسبة للتجار، لذلك كان محل طمع الحكام المحليين في المنطقة الجبلية المحيطة بها.

في سنة 1698 هاجمت عشيرة الشيخان الكردية[31]وبمساعدة ألف فارس من العلويين جابي ضرائب من اللاذقية كان يتاجر أيضاً بالتبغ، عندما كان هذا في زيارة إلى أملاكه العقارية بين مدينتي جبلة وجسر الشغور، ولكن رجاله تمكنوا من حمايته.

كان حسن آغا ابن رستم (جابي الضرائب) من أهم الأمراء العثمانيين في شمال سورية في ذلك الوقت وكان كردي الأصل، امتدت منطقة نفوذه بعض الأحيان من هضبة القصير أعالي أنطاكية وكامل منطقة جبل الأكراد إلى قلعة المرقب قرب بانياس على الساحل السوري.

بنى حسن آغا مسجداً من أمواله الخاصة في جسر الشغور سنة 1721 وأشرف مع أولاده لعدة أجيال على المنح المالية الغنية لإمارة كوربرولو (Körprülü).

قاد عمر وحسن سنة 1730 عشيرة موسان في ثورة قصيرة الأمد ضد العثمانيين، وذلك لأن موظفي الدولة كانوا قد اعدموا أخاهم رستم ابن حسن الكردي قبل ذلك بعدة سنوات (وذلك بسبب امتناعه عن دفع الضرائب) وأحتلوا قلعة العائلة في منطقة سلمى (ناحية بهلولية) ودمروها[32]، لكن عائلة رستم آغا تمكنت من استعادة دورها المؤثر في المنطقة وتحكمت حتى القرن 19 بتجارة التبغ في المنطقة المحيطة بجسر الشغور وجبلة واللاذقية.

تقع القرى التي كانت تخص رستم آغا في ايامنا هذه على جانبي الحدود السورية التركية في القصير، و كان سكان بعض تلك القرى مثل قرية باداما يتحدثون غالباً باللغة الكردية حتى سنة 1850 [33].

شمال سورية وأقليم الرقة كانت الأراضي العليا على طول الحدود الشمالية السورية التركية -والتي تشكل منطقة انتقال من الصحراء العربية إلى منطقة جبال طوروس- وما زالت حتى اليوم ذات كثافة سكانية كردية.

وهناك جدل حول تاريخ الاستيطان في هذه المنطقة وهذا الأمر يعود إلى الاضطرابات والهجرات خلال الحرب العالمية الأولى. وفي مقابل ذلك تشير مشاريع التوطين العثمانية العائدة إلى القرن 18 إلى تبدل سكاني شمل الكرد والعرب والترك قبل ظهور عصر القوميات الحديثة.

الأمر الجدير بالملاحظة هو عدم دراسة الوثائق الغزيرة والمتعلقة بالتجمعات الكردية حتى الآن من قبل المؤرخين.

بغض النظر عن مصطلح أكراد الذي يرد في الوثائق العثمانية والذي يشك في أنه يشير إلى الكرد بالمعنى القومي وأنما يشير على الأغلب إلى القبائل البدوية (التركمانية) بالمغزى الأجتماعي[34] فان الأمر الجدير بالملاحظة هو تقريباً عدم ذكر القبائل العثمانية الموجودة اليوم في المنطقة.

في هذا الفصل سيتم إلقاء نظرة على الوجود الكردي في ظل الإدارة العثمانية في منطقة شمال سورية، والذي يجب أن يأخذ حيزاً أكبر في المستقبل, وذلك من وجهة نظر جغرافية وتاريخية ومنهجية.

1.3 حي الأكراد في حلب كان منطقة جبل الأكراد /كرداغ yayê kurmêncÇ (عفرين الحالية) شمال غرب حلب في الأمبراطورية العثمانية تتمتع بإدارة ذاتية كما كان الحال بالنسبة لكردستان الشرقية.

و حسب الزمن والسياق الإداري يظهر بأن هذه المنطقة كانت لواءاً (سنجق) كرديا مستقلا, مركزا إداريا عشائريا أو مركزاً لجامعي ضرائب كبار.

يتم ذكر الأقليم العسكري كلس في التسجيلات القديمة بخصوص التمويل[35]وكانت كلس تخضع حسب نظام السناجق الكلاسيكي لسيادة حلب وتسمى رسمياً بأقليم الأكراد، وكانت بالنسبة للعثمانيين مصدراً لتزويدهم بالعساكر من القبائل المحلية، في حملات تجنيد تصل إلى ألف رجل[36].

كانت عائلة جان-بولات التي تم ذكرها سابقاً تحكم كلس لعدة أجيال قبل أن يصبح علي جانبولات حاكماً لحلب، لكنه قام في سنة 1607 بثورة ضد الدولة العثمانية انتهت بهروبه إلى لبنان[37].

احتفظ لواء (سنجق) كلس بأهميته كمصدر منتظم لتزويد الدولة بالعساكر حتى أواخر القرن 18 ، ولكن مالكيه الكرد لم يمولوا العساكر مالياً في أوقات الحرب، وأنما كانوا يرسلون مبلغا محددا إلى صندوق الدولة[38].

تم تمثيل أكراد كلس لدى السلطات العثمانية كما باقي الاتحادات القبلية من قبل قائد محلي.

كان هذا القائد مسؤولا بشكل خاص عن الضرائب ومراقبة استيطان القبائل الكردية في المنطقة بعد انتهاء حرب سنة 1683-1699.

في سنة 1739 سعى إسماعيل وهو قائد من كلس إلى الحصول على مساعدة حاكم حلب، لأن عدة عشائر من قبيلة جوم الكردية غربي عفرين كانوا قد هاجرو إلى المدينة وامتنعوا عن دفع الضرائب الملقاة على عاتقهم[39].

سعى قائد كلس مرة اخرى الى تحصيل الديون القديمة من أعضاء من عشيرة موسى بكلي Mȗsa Beglî المعروفة لأرسالها إلى حلب[40].

في سنة 1761حصل شيخ من عشيرة أوقجي عزالدينلو Oqcî Izzedînlo على منصب الحاكم في كلس وذلك بعد أن نصحه أحد الحكام بأن يكون مطيعاً في تحصيل الضرائب وأرسالها إلى الباب العالي[41].

لم تعد المنطقة تذكر كأقليم عسكري كردي في الوثائق العائدة إلى القرن 18 وإنما كمقاطعة كلس وشيخلو xloêŞ.

و قد مولت ضرائب عشيرة أوقجي عزالدينلو- مثلها مثل العشائر الاخرى التي لا تحصى في المنطقة-مولت الوقف الديني لوالدة السلطان آتيك (وقف) والتي توفيت سنة 1583، وكان الوقف تحت إشراف استانبول.

و لكون الأكراد المحليين عنيدين[42] فقد أعطيت جباية ضرائب كلس- والتي كانت غالباً امتيازا مدى الحياة- لحاكم الرقة الذي لعب دور رائداً في سياسة توطين القبائل في القرن 18.

بما أن المسؤولية المالية كانت تقع على عاتق حاكم الرقة فأنه كان يقوم بحملات تأديبية ضد أكراد كلس وطرد القبائل المقاومة إلى صحراء الجزيرة[43].

يتم ذكر قبيلة شيخلو Şêxlo الكردية في وثائق كثيرة، وكما كانت الحال بالنسبة لقبيلة جوم أيضاً، ليس واضحاً دائماً فيما إذا كان المقصود هنا اسم العشيرة أو اسم الموقع الجغرافي (موقع بالقرب من كلس) .

ولا يظهر في الوثائق أية تأكيدات فيما اذا كانت عشيرة ما هي فرع من قبيلة محددة ام لا.

على سبيل المثال تظهر في بعض الوثائق أميكي îkîEm الكردية بالقرب من بحيرة آموك على الحافة الغربية من كورداغ كعشيرة منفصلة وفي وثائق اخرى كمظلة لدوشيرلو وبكداشلو وأصبحت أميكي معروفة في منتصف القرن 18, وذلك نتيجة لأعمال الغزو والسلب التي كانت تمارسها على الطرق والقرى المحيطة بأنطاكية (كانت أيضاً سنجقا تابعا لحلب)[44].

سيطرت بكداشلو بشكل خاص على المنطقة المحيطة بقره مورت وهي محطة قوافل على الطريق الشمالية من أنطاكية إلى مضيق بيلان, و في سنة 1754 تم ارسال حملة جديدة من قبل الباب العالي بقيادة حاكم كردي من أضنة (رشوان زادة سليمان) إلى قره مورت لتأديب القبائل التي تقوم بأعمال السلب في المنطقة بعد أن كان قد سبق وقام بحملة كبيرة فاشلة ضدها[45].

كانت قبيلة سركتانلو Serektanlo كذلك الأمر ذات سمعة سيئة، حيث قامت في سنة 1743على سبيل المثال بعرقلة نقل أدوات حربية إلى بيرجيك، وفي سنة 1756 قام 200 رجل منهم بمهاجمة قافلة تجارية ونهبها أثناء سيرها من الأناضول باتجاه حلب[46].

الجدير بالذكر هو أن مجموعات من القبائل التي يتم ذكرها هنا ترد اسمائها في أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية أيضاً.

ففي سنة 1743هاجمت مجموعة كردية تجاراً فرنسيين على الطريق إلى أسكندرون وتم كذلك إزعاج التجار الفرنسيين في المدينة واستغلالهم[47].

كانت قبيلة قليجلو QiliÇlo تسكن في كلس حتى نهاية القرن 19 وهي قبيلة شبه بدوية ومكلفة بتحصيل الضرائب من منطقة جوم القريبة من عفرين وكان لهذه القبيلة فرع في حمص، وكلاهما كانتا تشكلان فرعاً من قبيلة قليجلوا الكبيرة المستقرة في الأناضول، وتم أرسالها خلال القرن 19 من مرعش وسيواس كاستمرار لعمليات الاستيطان في الرقة[48].

تتم المساواة تقريباً في كل هذه الوثائق بين الأكراد السوريين وغيرهم من الأكراد مع قطاع الطرق (الأشقياء).

يجب أن يتسائل المرء فيما إذا كان هذا الموقف من الجانب العثماني يشير في حقيقة الأمر إلى موقف ثابت وعدائي اتجاه المجموعات الكردية, أو أن الأمر يشير بالأحرى إلى تقييم ذاتي جديد من قبل القبائل الريفية كمشكلة إدارية خاصة.

تميزت سياسة الاصلاح للحكومة العثمانية في القرن 18 بمراقبتها الشديدة ومطاردتها ليس للقبائل الكردية فقط وإنما لكامل القبائل التركمانية والعربية أيضاً، وكان التوطين (إلاسكان) الدائم للقبائل، وكذلك الذين خدموا سابقاً في الجيش، في المناطق القاحلة مثل حران والرقة من ضمن مخططات الاصلاح ، وكان الغرض من ذلك هو حماية العمال والفلاحين وكذلك لأهداف أقتصادية, بحيث يوسع هؤلاء من مساحة الأراضي الزراعية.

سأعطي هنا آخر مثال، حيث يرد ذكر عشيرة أوقجي عزالدينلوOqcî Izzedînlo الكردية في مصنفات الديوان في حلب وأنطاكية، ويتم وصفها بأنها من أكثر العشائر سوءاً وأنها تقوم بأعمال السلب في المنطقة.

ربما كانت عزالدينلو أكبر عشائر تجمع كلس، ويرد بعض الأحيان في الوثائق بأن عزالدينلو كانوا يشكلون أساسا لتحالف قبلي ضم سركتانلو وعشائر أخرى صغيرة.

يرد في الوثائق كثيراً بأن عشيرة أوقجي عزالدينلو قد عوقبت من قبل السلطات وتم ترحيلها إلى الرقة ولكنها كانت تعود وبدون تردد إلى المناطق الرعوية المحيطة بحلب.

في سنة 1735 حاول البعض منهم الهرب وذلك عندما تم نقلهم من قبل حاكم حلب، وفي سنة 1756 أمتدت حملات نهب عشيرة عزالدينلو من سهول عميق Amīq̒ بالقرب من حلب حتى إلى الأقاليم المجاورة لأضنة ومرعش[49].

لم تستطع السلطات العثمانية أساساً أن تقوم بمطاردة أوقجي عزالدينلو بشكل دائم، وفي آذار 1757 (بداية حساب السنة الجديدة) تم استدعاء قادة عشيرة أوقجي عزالدينلو وعشائر أخرى في جبال كلس ليمثلوا أمام الباب العالي وطلب منهم جمع ضرائب أربع سنوات سابقة وأن لا يسجلوا أعضاء العشيرة الذين ارتكبوا جرائم السرقة[50].

بعد ذلك بعدة سنوات كما ذكرنا سابقاً كان أحد قادة أوقجي عزالدينلو وزعيم كامل تجمع كلس يلعب دور الوسيط بين الدولة وأهم المجموعات الريفية الهامشية.

2.3 قبيلة الملي/ملان توجد فقط مجموعات قبلية قليلة تظهر ارتباطاً وثيقاً مع التاريخ السوري كما هي الحال بالنسبة لقبيلة الملان.

تكونت هذه القبيلة أساساً من عشائر كردية وعربية من منطقة ويران شهر، وهيمنت ابتداء من القرن 18 على شمال سورية بالكامل.

عين الباب العالي بعض الأحيان قائدهم تيمور مللي[51] حاكماً على مدينة الرقة ولكنهم لم يتمكنوا من ايقاف حملاته الدائمة على أورفا وقرى المنطقة[52].

عندما احتل والي مصر ابراهيم باشا سورية وقفت قبيلة الملان إلى جانب المصريين[53] (1832 معركة قرب حمص).

وفي النصف الثاني من القرن 19 استطاع الملان ثانية تحت قيادة إبراهيم باشا حفيد تيمور-الذي عهد إليه السلطان أمر قيادة فوج من الفرسان الحميدية[54]- استطاع فرض سيطرته على كامل العشائر في المنطقة ومن بينهم عشيرة شمر العربية.

بعد الحرب العالمية الأولى وقفت قبيلة الملان إلى جانب قوات الانتداب الفرنسي ضد الكماليين ولكنهم ضربوا من قبل هؤلاء، ومع مرور الوقت وبعد رسم الحدود بين سورية وتركية (1921) استقر القسم الأكبر من الملان على الجانب السوري من الحدود وبشكل خاص حوالي رأس العين وفي الحسكة وأجزاء اخرى من الجزيرة.

أما بالنسبة لمدينة مدينة الرقة فمازال بعض وجهائها يدعون بأنهم من أصول ملية ولو أنهم حالياً من وجهاء قبائل عربية.

في بحث ألفه عبد الحميد الحمد حول المجموعات السكانية المحلية، يؤكد الباحث الأصول القومية المتناقضة (ألف ملة) لقبيلة الملان، والتي تم تكوين اتحادها القبلي بداية في عام 1790 من قبل تيمور بك[55]، لكن المؤلف تجاهل ذكر قبائل الملان قبل ذلك التاريخ بكثير[56], وذلك في المصادر العثمانية التي اعتبرتهم قبيلة كردية خالصة.

كانت عشائر الملان في القرن 16 ممثلين للسلطنة العثمانية في ماردين ويحتكرون ربح الضرائب، مع أن هذه المنطقة لم تكن على الاطلاق من ميراث القبائل الكردية[57] في كردستان[58].

ولم تكن عشائر الملان بمنأى عن مخطط الاسكان الذي اعتمدته السلطنة العثمانية, ففي سنة 1701 بدات محاولة اسكانهم في مناطقهم الأصلية حول دياربكر/آمد ومن ثم بدأت واعتباراً من 1711 بترحيلهم إلى أقليم الرقة, ولكن الملان وكما هو الحال بالنسبة لجميع البدو لم يبقوا هناك لفترة طويلة وعادو إلى حياة السلب، وكان يتم أرسالهم في السنوات التي تلت ذلك إلى مناطق الصحراء[59].

يجب أن لا يطمس خطاب الكتبة العثمانيين ضد الكرد الذين يمارسون أعمال السلب (أشقياء) حقيقة أن الملان كانوا واحدة من أبرز التجمعات السياسية في شرق الأمبراطورية العثمانية في القرن 18.

كان الباب العالي يكلف عادة زعيم ملان الكبير/ milanê mezin (Millî-i Kebir) باسكان القبائل الملية. وبذلك تحمل زعيمهم كامل المسؤولية بالنسبة لعشائر قبيلة الملان في إطار مشروع استيطان الرقة, ولكن هذه الوساطة كانت مشوشة:

على سبيل المثال يرد شكوى في أحد الفرمانات إلى حاكم ديار بكر والرقة في صيف 1750 من نقص الضرائب التي كان قد تم فرضها قبل سنة على الملان والمتحالفين معم من التركمان، وذلك عندما رفضت مجموعة من هؤلاء إطاعة أوامر المسؤول عن الاستيطان وانتقلوا إلى مناطق مختلفة من الأقاليم المجاورة.

وفي نفس الفرمان يظهر بشكل واضح بأن قائد الملان بنفسه (وهو المسؤول عن الاسكان) قد انتقل برفقة 1000 خيمة إلى سيويرك Siverek في أقليم ديار بكر وحاصر هناك ولعدة أشهر السكان المحليين ومارس عليهم الظلم[60]، ولم يكن باستطاعة حاكم دياربكر مواجهة الملان لهذا تمت محاكمته من قبل الباب العالي.

وفي السنة التي تلت ذلك كلف الباب العالي والي ماردين والموصل وبغداد بوضع حد لتصرفات الملان، وذلك عندما قام هؤلاء وبمساعدة قبيلة قيس العربية بارهاب سكان مناطق أورفا وبهسني Behisni[61].

الأمر الجدير بالأهتمام هو أن الباب العالي أرسل كتاباً إلى رئيس الملان، بشير ابن كلش عبدي وأخيه محمود جد تيمور مللي الذي سبق ذكره، وهددهم مباشرة بأقصى العقوبات، في حال لم يتبعوا إرادة السلطان ولم يتراجعوا عن أعمالهم السيئة ويعودوا بعوائلهم إلى مناطق الاستيطان[62].

كانت العشائر الملية بالكامل بما فيها فرع كلش عبدي، تدين في الماضي بالديانة الإيزدية.

يتم ذكر الإيزيديين واتباع الطوائف الدينية الأخرى من الكرد (على سبيل المثال العلويين) في الوثائق الإدارية بشكل متقطع، وعلى عكس ما يتم ادعاءه في الدراسات الحديثة فأن السلطات العثمانية لم تتبع سياسة مباشرة ضد أعضاء الأقليات الدينية في ذلك الوقت*, ولكن يرد دائماً ذكر عصابات من قطاع الطرق في مرتفعات شمال العراق الذين تمت محاربتهم بشدة من قبل الإيزديين (احتلال ودمار برج تل اعفر في سنة 1740).

ويرد في أماكن اخرى بأن الإيزديين استطاعوا التمتع بحماية السلطات العثمانية، على سبيل المثال كلف حاكم حلب في سنة 1724 قاضي كلس بحماية جماعة بدوية إيزيدية (Konar-Göçer) من مطالب نقدية مفرطة من قبل مالك عديم الرحمة[63].

في مرسوم من سنة 1756 وجه اللوم بشكل صريح إلى ملان كبير بسبب اتهامهم بالادلاء باعترافات كاذبة، ولكن في واقع الحال هو أن قيام الملان ومن جديد بخلق الاضطرابات وجلب الويلات في مناطق سويرك كان وراء توبيخ الباب العالي لهم[64] ولكن الأمر المدهش هو دحض تلك الاتهامات من قبل حاكم الرقة، حيث قام بإخبار الباب العالي بوجود خلافات سابقة بين حاكم سيورك ومحمود باشا زعيم الملان.

بينما قضى الملان شتاءهم سلمياً، ذهب حاكم سيورك إلى استانبول ليفتري عليهم وخوفاً من عقاب السلطات انسحبت عشائر الملان إلى عمق الصحراء السورية ليسلموا من المضايقات[65].

دامت لعبة القط والفأر بين الملان والأعداء المحليين وبينهم وبين السلطات العثمانية وسلطات الأقاليم لسنوات عدة.

كمثال أخير يوضح لنا الوضع السياسي لاتحاد عشائر الملان في شمال سورية في ذلك الوقت نورد انه في شهر شباط من سنة 1758 أنذر الباب العالي كلاً من حاكمي مدينتي الرقة وبغداد بوبال فضيع لو لم ينسحب محمود والملان سريعاً من منطقة وادي الخابور قائلا انه يجب طردهم وابعادهم إلى الرقة.

ويعود السبب وراء هذا الطلب حسب السلطنة هو تجرؤ محمود وذهابه بدون ابداء احترام إلى منطقة الخابور وقيامه بحجز مخزون الحبوب في قرية مجدل[66]، ومن ثم بنائه لحصن في خربة (arbaḤ) وكذلك مباشرته العمل على بناء القرى الصغيرة والمزارع في المناطق المجاورة، ومخططه لحجز مياه الخابور ومن ثم حفر مجرى نهر جديد ليستملك كامل المنطقة لقبيلته.

وقد استطاع رجال قبيلته نزع السلاح من أحد عشائر طي العربية واستولوا على ماشية قبيلة كيكان الكردية[67].

لقد جاء في الامر انه يجب على الملان أن يعودوا إلى مناطق سكناهم، ويجب تدمير حصنهم في منطقة الخابور[68].

من الواضح ان تصرف محمود بشكل مستقل هو الذي أثار حفيظة الدولة وليست مشاريعه.

بعد أربعة أشهر من ذلك التاريخ وحصول حوادث جديدة تم جرد محمود من منصبه كمسؤول الاستيطان Iskan-Başi″″ وتمت محاربته في قرشداغ Karaca Daǧ حيث اضطر للهروب إلى دياربكر ومن هناك قاد لعدة سنوات الثورات ضد الباب العالي وهو أمر كلفه رأسه[69]. 3.3

قبائل رشوان في الختام سأعطي لمحة عن عشيرة رشوان الكردية والتي استقرت في كامل مناطق السلطنة العثمانية:

ليس بإمكاننا واستناداً إلى الملفات الإدارية العائدة إلى القرن 18 تحديد أصولهم وترتيبهم الإداري, ولم تجر حتى الآن أية دراسة عنهم.

يرى نجدت ساكوغلو Necdet Sakaoǧlu بأن الرشوان لم يكن تجمعا سكانيا وإنما عبارة عن مصطلح يطلق على أعداد كبيرة من العشائر البدوية، والتي كانت تنتقل سنوياً بين شمال سورية والأناضول[70], أما السلطات العثمانية فقد تعاملت معهم كمجموعة مستقلة وفرقوا بشكل واضح بين البدو (erçȍg) والمستقرين (Yarlü) منهم, وتبدو الصورة واضحة إذا أجرينا مقارنة مع قبيلة بوز أولوس(Boz Ulus) التركمانية، حيث تعاملت السلطات مع هذه القبيلة كوحدة إدارية وضريبية.

وجد شبيه لوضع هذه القبيلة حتى بداية القرن 16 في اتحاد قبلي كردي يسمى قرة اولوس ((Kara Ulus (″الاتحاد الأسود″) في جنوب شرق الأناضول[71]، ولكن اسم هذه القبيلة لا يظهر في الوثائق المتأخرة.

من المفيد ذكر أن رشوان- والذي يعني باللغة الكردية أسود- كانوا يشكلون في مناطق محلية متنوعة في القرن 18 بقايا اتحاد قبلي كردي, ويرد ذكرهم بشكل خاص في مناطق سيواس ومرعش وأضنة، وكان يحكم مرعش وأضنة وال من عشيرة رشوان زاده. يبدو أن مركز قبيلة رشوان الرئيسي كان في حصن المنصور (آدي يآمان) في منطقة مرعش، ولو أنهم توزعوا في مناطق الأناضول المختلفة[72].

هنا كان يوجد على الأقل جزء من مقاطعة تابعة لقبيلة رشوان، وقد خصصت إيرادها لجامع والدة السلطان في استانبول.

وكان يمثل كل عشيرة أمام السلطنة العثمانية شخص ذو مكانة بارزة. تخبرنا الوثائق العثمانية المتعلقة بالشكاوى المالية (شيكايت دفترلري)- والتي تعتبر من المصادر الغنية لدراسة التاريخ الاجتماعي والإداري للسلطنة العثمانية – كيف وجب على سبيل المثال في سنة 1690 على فرهاد أوغلي يوسف وهو من بدو الرشوان تحصيل الضرائب المتأخرة، والتي حاولت الحكومة المركزية تحصيلها بشروط أكثر عدلاً[73].

وقد شغلت المسائل الإدارية موظفي الدولة في أقاليم شمال سورية أيضاً، والتي قضى فيها الكثير من أشباه البدو من الرشوان فترة فصل الشتاء.

تسببت على سبيل المثال مجموعة من الرشوان في سنة 1712 بخسائر كبيرة في منطقة حارم غرب حلب، حيث لم يتوقفوا عند المراعي الشتوية التي كانت مخصصة لمواشيهم وإنما تركوا أغنامهم تدخل بساتين أحدى القرى.

[74] وفي أحدى المرات كان على حاكم حلب جمع الضرائب المتأخرة منهم, أو، بناء على رغبة الرشوان، ترحيل الأعضاء المتمردين إلى قبرص[75].

استقرت بعض المجموعات من الرشوان لفترات طويلة في سورية، ويرد في الملفات القضائية من طرابلس بأن ثلاثة من قادتهم طلبوا في سنة 1712 الموافقة من السلطات باستيطان 600 عائلة منهم في منطقة عكار، وقد تم لهم ذلك بموجب شروط فرضت عليهم السكن في منطقة محددة وان يتقيدوا برعي مواشيهم في منطقة مخصصة لهم.

إضافة إلى ذلك توجب عليهم دفع قليل من الفائدة للسلطات والمحافظة على الأمن والسلام في المنطقة[76].

ولكن بعد ذلك بعدة سنوات الغيت الاتفاقية من قبل السلطات العثمانية, ويعود ذلك إلى شكوى من قبل محصل الضرائب الذي ادعى بأن هناك نقصا في المبلغ الذي توجب على الرشوان ارساله إلى طرابلس[77].

كانت أيالة الرقة أهم منطقة لهجرة الرشوان في القرن 18 ، حيث وجب عليهم كما كان الحال بالنسبة لقبائل الملان وقلجلو Qilçlo وعشائر كردية اخرى كثيرة وكذلك عشائر تركمانية، الخضوع للسياسة الحكومية بخصوص الاستيطان التي بدأت منذ العام1691, ولتحقيق ذلك قدمت الحكومة لهم التسهيلات المناسبة بخصوص الضرائب، وكانت تتم في بعض الأحيان معاقبة القبائل بإرسالها إلى الرقة.

لا نملك معلومات وافية بالنسبة لمدى تطبيق تلك السياسة ونتائجها، وهو أمر يحتاج إلى بحث مستفيض. الكثير من الرشوان وغيرهم من القبائل تركوا وبسرعة المنطقة المخصصة لسكناهم ليعودوا إلى الشمال.

وقد كان لحاكم الرقة (مقره الوظيفي في أورفا) إلى حدما ما سلطات واسعة على القبائل خارج حدود أقليمه وكان يطلب منه مطاردة القبائل في المناطق الاخرى ومعاقبتها وإرجاعها إلى مناطقها المحددة.

توجب عليه في سنة 1751 مهاجمة جماعة من قطاع الطرق من الرشوان في حصن المنصور، وكان سكان عنتاب وحصن قد اشتكوا قبل ذلك بعدة سنوات من معاون حاكم الرقة لدى الباب العالي بتهمة ابتزاز الأموال وسرقة الأغنام[78].

كانت عشيرة عمرانلو (Omranlo) الكردية وهي فرع صغير من قبيلة جيهان بكلو Cihanbeglo ضمن مخطط الاسكان، حيث عهد بمسألة انتقالهم من ملاطية إلى حاكم الرقة، بعد أن كان هؤلاء قد عبروا نهر الفرات في صيف وخريف 1764 ونهبوا القرى في منطقة سيفرة-أرغانيSivre-Ergani[79].

من غير الواضح هنا أيضاً الفترة التي قضتها القبيلة في الرقة، ولو أن الكثير من الكرد في مناطق الأناضول والذين ينتمون إلى عشائر كانت جزءا من الاتحاد القبلي لقبيلة رشوان و جيهانبكلو- يدعون بأن أصولهم سورية وهذا الامر ربما يعود إلى حقبة الاسكان في القرن 18.

تعتبر الوثائق التي تزودنا بمعلومات عن علاقات الرشوان مع الجهات المحلية الفاعلة في شمال سورية أمرا في غاية الأهمية بالنسبة لغايات البحث.

كما كان الحال بالنسبة للكرد، تمت قيادة القبائل البدوية العربية من قبل أمير صحراوي (öl BeǧiÇ) معترف به رسمياً كان يتوجب على الحكومة دائماً حماية العشائر الصغيرة منه.

اشتكى الرشوان في سنة 1694 من الأمير الصحراوي السابق حسين حمد العباس الذي هاجم مع المئات من أعضاء عشيرتي موالي وقيس وعرب آخرين قبيلة الرشوان في مقرهم الشتوي في السلمية وسرقو 200 ألف رأس من الماشية.

حصل موظفوا السلطنة العثمانية في كامل سورية على أوامر توجب عليهم بموجبها السعي إلى أرجاع المواشي إلى الكرد[80]. كان الرشوان يتوقفون عادةً خلال ترحالهم في مناطق غير مأهولة بالسكان، ولكن في سنة 1736 وعندما كانت عشائر الرشوان تجوب المنطقة بين سلمية وكوك سو (Gök Su) في الشمال تسببت بأضرار بالغة بمحاصيل قرى شرق حلب وكان عليهم دفع تعويض لتلك القرى.

بعد ذلك بسنتين هاجم الباب العالي ثانية أخو حمد العباس وذلك نصرة لقبيلة الرشوان التي تعرضت مناطقهم للاضطرابات وتم ابتزازهم مالياً بنتيجة صراع داخلي ضمن إمارة الصحراء.

حصلت قبيلة رشوان على مرافقة عسكرية وصلت إلى الفرات واستطاعت من جديد الاتفاق مع جول بكي حول دفع الضرائب السنوية، وتعهد حكام حلب والرقة من جهتهم بمراقبة حمد العباس مراقبة شديدة[81].

كانت حماية قبيلة رشوان الكردية من الأهداف الأساسية لأمير الصحراء[82]وتم رفع واجب دفع الضرائب عن الرشوان من قبل الباب العالي وذلك في سنة 1750 بعد أن عجزوا عن الدفع في السنة التي سبقتها.

[83] الخاتمة

كان وضع القبائل الكردية في سورية خلال القرن 18 متناقضاً ، فمن جهة تم وصفهم من قبل السلطات العثمانية بالأشقياء أي قطاع الطرق وذلك لقيامهم بأعمال السلب على الطرقات، ونظراً لتملصهم من دفع الضرائب كانت تتم معاقبتهم بابعادهم إلى مناطق أخرى.

ومن جهة أخرى تخبرنا الوثائق الإدرية بأن الباب العالي كان يسعى وبشكل دائم لتأمين لقمة عيش القبائل، وبأن فرض الضرائب على القبائل كان يتم بشكل عادل ووفقاً للقانون.

قبل كل شيء كان يتم تعيين زعيم القبيلة في الإدارة العثمانية عن طريق تمييزه برتبة أمير أو مسؤول الاسكان وغير ذلك، وكان هؤلاء يتمتعون بمكانة بارزة كوسطاء بين القبيلة والسلطنة. كان كرد سورية ضمن السلطنة العثمانية كغيرهم من القبائل العربية والتركية خاضعين لسياسة الدمج والمراقبة، وهو أمر يمكن تشبيهه بوضع تقريباً كل المجموعات الهامشية في الريف الاوربية وأسيا الغربية في بواكير العصر الحديث.

سيكون من الخطأ ومن خلال استحضار إجراءات نموذجية عفى عليها الزمن لتحديث الدولة العثمانية من جمع تاريخ قومي كردي، ومن جهة أخرى يمكننا الملاحظة بأن مسألة تطوير الهوية الكردية في عصر الهوية القومية الحديثة أصبح صعباً، نظراً لأن الكرد من بين أسباب اخرى، لديهم نقص في الوثائق العلمية والتي بناءاً عليها يتم تصويرهم ببساطة على أنهم شعب بدون تاريخ.

وقد حاولت هنا من خلال إلقاء نظرة أولية عامة على الأرشيف العثماني العائد إلى القرن 18 إظهار الوجود التاريخي للكرد, الذي أتمنى أن أكون قد وفقت فيه.

 

الباحث الألماني شتيفان فينتر

Stefan-Winterr1

السلطة الرابعة : مدارات كورد : ترجمها من الألمانية: د. نضال محمود حاج درويش

شارك