السلطة الرابعة : علي سفر و خبطة صحفية : لقاء المسؤول عن اوراق بنما الذي يعد بالمزيد قريباً!

السلطة الرابعة : علي سفر و خبطة صحفية : لقاء المسؤول عن اوراق بنما الذي يعد بالمزيد قريباً!

إنه الزلزال. أو لنقل إنه تسونامي الوثائق الذي سيطيح بالسياسيين وبأنظمة الفساد والرّشوة والمحسوبية والابتزاز. بهذه الكلمات يمكن اختصار العشرات من التوصيفات التي أطلقت على وثائق بنما بعد أن بدأ الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ببثها في ساعة متأخرة من يوم الأحد الماضي.

 

وثائق بنما تقدم التفاصيل عن قيام العديد من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال وغيرهم بتسجيل 215 ألف شركة ‘أوف شور’ في الملاذات الضريبية الآمنة.

القصة بدأت مع صحيفة “سودوتشيه زيتونغ”، التي تلقت اتصالاً في العام 2014 من شخص مجهول لقّب نفسه بـ”جون دو”، وعرض عليها نشر وثائق تتعلق بـ”فضح الجرائم أمام الرأي العام”.

وبعد مراسلات طويلة ظلّت محفوفة بالسرية الكاملة، حصلت الجريدة على كمية هائلة من الوثائق تقدر بـ2.6 تيرابايت من المواد التي تصل إلى 11.5 مليون وثيقة، تتضمن 4.8 مليون إيميل، و3 ملايين قاعدة بيانات، و2.1 مليون وثيقة “بي دي أف”، تغطّي أعمال شركة “موساك فونسيكا” البنمية خلال أربعين عاماً.

قرّرت الصحيفة دراستها بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، الذي قام بإشراك 370 صحافيا من 100 مؤسسة إعلامية في ثمانين بلداً حول العالم، في عملية قراءة الوثائق والتحقق من معطياتها القانونية والمحلية، نظراً إلى اتساع قائمة المتورطين فيها لتشمل العشرات من البلدان في العالم.

تداعيات مثيرة حتى هذه اللحظة، ورغم أن عدد الوثائق التي أتيحت للعامة مازال قليلاً جداً قياساً بحجمها، إلا أنّ ما كُتب عنها يبلغ عشرة أضعافها، وقد بدأت الإثارة التي فرضتها، تأخذ منحى تصاعدياً مع قيام رئيس وزراء أيسلندا بالاستقالة من منصبه، إثر احتجاجات جماهيرية تفجّرت بعد ورود اسمه مع عائلته في القوائم الأولى للسياسيين الذين قاموا بالاستفادة من شركات “أوف شور” تتيح لهم التهرّب من الضرائب في بلدانهم.

ويبدو أن الأيام القادمة ستشهد تصعيداً أكبر مع ورود تقارير تقول بأن الدفعات القادمة من الوثائق لن تبقي ولن تذر في عالم الفساد السياسي، الذي بات السمة الأكبر للحكومات في العديد من بلدان العالم. كل هذا يصل إلى الجمهور عبر الصحافة، التي تلعب دوراً كبيراً ومختلفاً في نشر الموضوع، فقد تمّ نشر التسريبات المشابهة سابقاً من المسربين إلى الجمهور مباشرة، بينما تكفّل الاتحاد بنقل المادة إلى الصحافيين ليقوموا بالبحث فيها قبل نشرها.

هنا تسأل “العرب” جيرار رايل رئيس الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، هل كانت الوثائق ونتائج التحقيقات صادمة لكم كصحافيين؟ فيجيب “لم تكن صادمة ولكن كان من المهم أن نتحرّى حول الأنظمة السياسية، وكيف أن هذه الأنظمة تحتاج الى إصلاح، وأنه عندما يكون هناك قضايا تتعاطى بالسرية، فإن لنا الحق كصحافيين أن ننظر فيها بغض النظر عما إذا كانت قانونية أم غير قانونية، فهذه هي إحدى وظائف الصحافة”.

ما الذي تقوله وثائق بنما تقدم الوثائق التي سربت من شركة “موساك فونسيكا” البنمية، التفاصيل شبه الكاملة عن قيام العديد من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال وبعض الشخصيات الفنية والرياضية وغيرها في وقت ما، بتسجيل 215 ألف شركة “أوف شور” في الملاذات الضريبية الآمنة.

أي في بلدان لا تطالبهم بالضرائب، وتتعاطى مع حساباتهم المصرفية بسريّة مطلقة، وذلك من أجل أن تقوم هذه الشركات بممارسة الأعمال التجارية في بلدانهم، ولكن دون أن يقوموا بدفع الضرائب عن هذه الأعمال. هنا قد تبدو القضية مجرد احتيال على القانون المحلّي، بغية التهرب من دفع الضرائب، حيث تبدو أنشطة أغلب الشخصيات في الغرب أو في الدول الديمقراطية عموماً مبنية على هذه الغاية.

ولكن مع وجود عقوبات اقتصادية على نظام ما كالنظام السوري، تتحوّل الغاية إلى مسألة مختلفة، حيث تصبح شركات “أوف شور” المسجلة بأسماء أشخاص غير معروفين يستخدمون كواجهات، هي الأداة التي يستطيع من خلالها النظام القيام بكل الأعمال التجارية والاقتصادية التي يحتاجها، بعيداً عن أعين الرقابة التي فرضها المجتمع الدولي.

وفي حالة ثالثة، يتمكّن أعضاء مافيا المخدرات أو تجارة السلاح أو الدعارة، من تبييض أموالهم عبر واجهات تجارية لا تتم مراقبتها والتدقيق في عملها، كهذه الشركات التي سجلت قيودها في العديد من البلدان المعروفة على أنها ملاذات ضريبية كبنما، وجزر سيشل، والجزر العذراء البريطانية وغيرها. الجميع هنا سواسية، فحيث توجد السلطة، يوجد المال.

وكلما كثرت التشابكات بين العالمين، وجد المستفيدون أنفسهم بحاجة إلى غطاء يجنّبهم القوانين التي تعطّل وصولهم إلى الأرباح، أو تفرض عليهم ضرائب عالية، وكلّما وجد هؤلاء أنفسهم يجنون المال من عمليات غير قانونية كتجارة السلاح أو المخدرات وغيرها، بتسهيلات من أصحاب القرار، يصبح توجههم إلى تبييض أموالهم أمراً ضرورياً، فيقومون بالبحث عمّن ينفذ لهم هذه العمليات دون أن يكونوا هم في الواجهة.

الفساد و السياسة بين عتبة التهرّب الضريبي، والعتبات الأخرى الأشد قتامة، كتبييض الأموال الناتجة عن التجارات الممنوعة وعن الفساد السياسي، هناك امتداد جغرافي سياسي يصل بين العالم المتقدم وبين العالم الثالث وما بينهما من دول ناهضة اقتصادياً.

فضلاً عن دول شيوعية محكومة بأنواع من البرجوازيات البيروقراطية والطفيلية وغيرها.

وكما أن لكل شيء هامشه، فإن الهامش الذي يتحالف مع متنه في الكثير من الأحيان، أي الكارتلات العملاقة لتجارة المخدرات والسلاح والدعارة والجريمة المنظمة (المافيا)، لا يغيب عن المشهد. بل إنه يحضر بقوة أيضاً، فكل هؤلاء الراسخين في المتن والهامش، يترابطون مع بعضهم في شبكة مستترة، بشكل منظم أيضاً. فيتساندون، طالما أن المصالح العميقة واحدة.

رغم أنهم على السطح يظهرون كمتنافرين، لا يمكن لهم أن يتلاقوا بأيّ حال من الأحوال. وعليه يمكن فهم كيف أن شركات “أوف شور” المسجلة في الملاذات الضريبة المنتشرة حوال العالم، تخدم الجميع، دون أن يدري بها أحد، سوى المستفيدين منها، ولكن حين يقوم مجنون ما، ولسبب مجهول بقلب الطاولة على الجميع، ونشر الوثائق التي تفضح هذا كلّه، فإن التسمية التي تناسب هذا الفعل لن تكون أقل من “زلزال”.

توصيف المشهد لا يغني عن تلمس التفاصيل من خلال الوثائق، فالمعرفة العامة بوجود الفساد السياسي، تحضر في الكثير من الأدبيات المتصلة بالسياسة، ولكن مع وجود الأدلة والبراهين، تنتقل هذه المعرفة من طور التكهنات إلى طور الوقائع. ما يستدعي تدخلاً قانونياً، تطالب به القوى المجتمعية كما حدث في أيسلندا، أو القوى السياسية، ومثال ذلك قيام البرلمان التونسي بتوقيع عريضة طالب فيها بوصفه سلطة تشريعية السلطتين التنفيذية والقضائية بفتح ملفات كل تونسي ورد اسمه في الوثائق.

بينما يرى البعض بأن قيام رؤساء بعض الدول، كالرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بالتعهد بالمضي في التحقيقات حول التهرب الضريبي أمام شعوبهم، لا يعدو عن كونه سداً للذرائع، إذ أن النفاذ إلى عمق حالة الفساد السياسي، قد لا يؤدي إلى تحصين النظام، بل إلى تداعيه برمّته، وفق تأثير الدومينو، حيث يؤدي سقوط قطعة واحدة من المصفوفة إلى تتالي سقوط القطع التالية.

وخارج هذا النسق المكشوف من تعاطي بعض الحكومات مع زلزال وثائق بنما، نرى كيف تتعاطى الأنظمة المافيوزية والدكتاتورية بطريقة لا تخرج كثيراً عن بنيتها. فالحكومة الروسية دفعت بالأمر نحو تصويره على أنه مؤامرة لقوى دولية ضد رئيسها فلاديمير بوتين، حيث رفض الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، التعليق على هذه التسريبات قائلاً “إنّ استخبارات غربية تقف وراء هذه التسريبات التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي لروسيا، لا سيما مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية بعد سنتين”.

بينما لم يخرج، وربما لن يخرج، أيّ تصريح حول الأمر عن النظام السوري. كما أن العديد من الأنظمة ستغرز رأسها في الرمال، معتبرة أن الأمر لا يحدث على كوكب الأرض بل على كوكب بعيد. وثائق معقمة من الأميركان تنميط ردود الأفعال بهذا الشكل، لا ينقصه شيء سوى التذكير بأن هناك قطاعا كبيرا من الصحافيين رأى بأن غياب الشخصيات والشركات الأميركية، يؤكد بأن عملية التسريبات ليست سوى حرب بين القوى العظمى، خاصة وأن ما جرى سابقاً يقول بأن ثمة مستفيدين واضحين من تسريبات جوليان أسانج (ويكيليكس) وإدوارد سنودن الاستخباراتية.

حاول البعض إسباغ صفة المؤامرة السياسية الفعلية على الأمر كما هو حال الصحافة المرتهنة لأمر الكرملين، بينما ذهب البعض الآخر إلى جعل المسألة ذات طابع اقتصادي، حيث نشرت وكالة سبوتنيك الروسية تصريحاً لخبير اقتصادي ألماني يدعى أرنست وولف قال فيه إن “فضيحة بنما لم تمس أيّ شركة أميركية، ولذلك فقد تكون جزءاً من استراتيجية أميركية لاستقطاب تريليونات الدولارات، ستتوجّه إلى الولايات المتحدة التي تسعى حالياً للتحوّل إلى ملاذ ضريبي كبير وجديد”.

فهل استثنت وثائق بنما الأميركيين فعلاً؟ جيرار رايل أكد لـ”العرب” في إجابته عن هذا السؤال الذي شغل بال كثير ممن يتابعون تفاصيل القضية إن “هذه الادّعاءات ليست صحيحة.

وإذا نظرتم وتابعتم الإعلام الأميركي وجريدة ‘ميامي هيرالد’ سترون أنه قد تم بالفعل نشر بعض الأسماء والعناوين المتواجدة في الولايات المتحدة، والتي تتبع لها شركات أوف شور وتلك التي تمّ تداولها في الوثائق. أؤكد لكم أننا سنقوم بنشر كل الأسماء في القريب العاجل”.

ولكن هل تستطيع هذه المؤسسة الصحافية أن تقوم فعلاً بكل هذا العمل الضخم لوحدها؟ ألا يوحي هذا المنجز بوجود تعاون من نوع ما بينها وبين إحدى الحكومات أو الدول؟ عن هذا الاستفسار الذي لا يخلو من الغمز من مسألة غياب الأسماء الأميركية يقول رايل “لا يوجد لدينا تعاون مع أيّ دولة خلال عملنا الاستقصائي. ونحن لا نأخذ تمويلنا من أيّ حكومة كما نُتّهم هذه الأيام. نحن منظمة مستقلة مؤلفة من صحافيين.

ونحن نعمل فقط مع صحافيين، وأيضاً مع محامين إذا اضطرّنا الأمر. ونعمل على توسيع طاقم العمل في العالم مع صحافيين نثق بهم وبقدراتهم”. بالنظر إلى طريقة نشر وثائق بنما، وبالتدقيق في التعاون الذي برز في هذا الملف بين أفراد هذا الجمع الكبير من الصحافيين، فإن أسئلة شتى سيطرحها القراء حول فعالية الصحافة في مواجهة الجريمة المنظمة، وفي مواجهة الفساد الذي بات عابراً للقارات.

فهل يمكن للصحافيين الاستقصائيين أن يقوموا بهذا الدور في خدمة مجتمعاتهم والعالم؟ يبدو أن الوقائع التي حملتها تسريبات بنما تؤشر إلى وجود فرق كبير بين أن يتم طرح الوثائق على الجمهور دون دراسة وتدقيق، وبين أن تتم العملية بطريقة مدروسة ومترابطة.

فالوثائق لا يمكن النظر فيها دون وضعها ضمن سياقها المحلي أو الدولي.

كما أن التدقيق بالشخصيات (الواجهات) قد لا يفضي إلى شيء دون القيام باستقصاء محلي عنه. أمن الصحافيين ما تكفل به الصحافيون الاستقصائيون في هذا الملف ليس أمراً هيناً، وسيُحدث فرقاً كبيراً في رؤية الجمهور لدور الصحافة في المجتمع. من جهة ثانية تقدم هذه التجربة إطار عمل جديد غير مسبوق يقوم به صحافيون من عشرات البلدان في العمل على ملف واحد.

أي أن إمكانية التعاون بين المؤسسات الصحافية وأفرادها للعمل في مسار قضية واحدة قد بات ممكن التحقق، ويتخذ أهمية كبرى طالما أن القضايا التي يتم التحالف في معالجتها هي من النوع الخفي العابر للقارات. غير أن هذه الجهود الكبيرة للصحافيين الاستقصائيين، قد تضعهم في مواجهة مع قوى مستبدة كأنظمة سياسية تحمي الفساد وتعتاش عليه، وأيضاً في واجهة قوى المافيا التي تسعى إلى إبقاء نشاطاتها بعيداً عن رجال القانون والإعلام على حد سواء. كيف يمكن حماية هؤلاء الصحافيين؟ يقول رايل إن “كل عمل صحافي تحفّه المخاطر في الكثير من الدول.

ولكننا نعمل على جمع عدد كبير من الصحافيين في صحافة استقصائية، ينتمون للعشرات من الوسائل الإعلامية الكبيرة والتي استطاع الاتحاد بناء الثقة معها. كل صحافي يعمل على ملفات دولته كونه ملمّا بالقضايا التابعة لها وبصراحة لا توجد أيّ ضمانات لأمن أيّ أحد، فعلى سبيل المثال، تعدّ المكسيك من أكثر الدول خطورة على الصحافيين، وتبعاً لهذا فإننا نتعامل مع قضايا أمن الصحافيين بحسب كل قضية وملابساتها وظروفها.

واليوم بالذات، أحد صحافيينا محتجز في لوكسمبورغ. نحن نحاول أن نعطي أمن الصحافيين الأولوية دائماً، وذلك عن طريق التواصل بشكل آمن وحذر. نحاول عبر طرحنا لهذا النوع من التحقيقات والوثائق أن نقدّم للعامة ولكل شعب ما يريد، من أجل معرفة حقيقة النظام الذي يعيش فيه، ومن حقنا كصحافيين أن نغطي هذه القضايا لكل الناس ولكل الشعوب”.

السلطة الرابعة : علي سفر : العرب

 

للاطلاع على احدث الابتكارات العصرية وافضل العروض التجارية اضغط على رابط الاعلان ادناه

شارك