السلطة الرابعة : فواز تللو : الثورة السورية – موت السياسة والمعارضة !

السلطة الرابعة : فواز تللو : الثورة السورية – موت السياسة والمعارضة !

بعيداً عن التصريحات الدبلوماسية أو التي تتعمد الغموض في هذه المرحلة الأخطر بلا منازع في عمر الثورة السورية، وبعد البلبلة في مواقف هيئة التفاوض وتراجع دور الحلفاء الإقليميين المؤيدين للثورة لصالح التحالف “الأمريكي/الروسي” الهادف لإنقاذ النظام الأسدي الطائفي، بعد هذا لابد من مراجعة وتقييم صريح نبني وفقها مواقفنا المستقبلية مما سيجري، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يعني التعميم المطلق وإن كان ينطبق على الغالبية، فدائماً هناك قلة من الأشخاص لا ينطبق عليها التوصيف، وُجدت في المكان بحكم ظروف معينة لكنها بقيت عاجزة عن تقديم شيء.

بدايةً كانت المعارضة السورية ولا زالت ممثلة بأفراد لا مؤسسات، أفراد تتوافق اتجاهاتهم غالباً بقدر توافق مصالحهم وطموحاتهم الشخصية السياسية والمالية وبقدر توافق مرجعياتهم الإقليمية والدولية، لذلك بدأت المعارضة السورية السياسية في مرحلتها الأولى بـ “المجلس الوطني” الذي نصب نفسه ممثلاً لقوى الثورة التي لم تكن قد تبلورت بعد، ثم قام بتنظيف نفسه “ذاتياً” وتدريجياً من السياسيين الشرفاء لينتهى بالمستَتبعين والإمعات والمنتفعين والمتسلقين والانتهازيين الجهلة بمعظمهم في السياسية الخبراء بالارتزاق والتسلق، مع بعضٍ “تكملة عدد” انحصرت وانتهت مهمتهم بتأمين أغلبية مريحة لمتنفذي المجلس الوطني ليدخلوا الائتلاف.

ثم بدأت “مرحلة الائتلاف الوطني بنسخته الأولى” ليضم معظم مهندسي تخريب المجلس الوطني ومعهم من تم انتقاؤهم أمريكياً وإقليمياً إلى جانبهم مع مراعاة شرط أساسي يتمثل بقبولهم التسوية مع النظام الأسدي كما جاء على لسان “رويرت فورد” المهندس الحقيقي للائتلاف الذي وضع هذا الشرط وأعطى موافقته الملزمة على كل من ضمهم الائتلاف.

ثم جاءت مرحلة “توسيع الائتلاف الوطني” ليضم كماً كبيراً من الانتهازيين وبعض المشبوهين واللصوص ودفعة جديدة من المرتزقة مع بعض من الإمعات، وهنا انتهت عملياً المعارضة السياسية السورية وبدأت مرحلة الاستتباع الكامل والأجندات الخفية المتضاربة اعتماداً على المصالح الشخصية والبقاء في الواجهة بأي ثمن، وتقلصت بشكل كبير شرعية الائتلاف في تمثيل مطالب الثورة (وليس قوى الثورة فذلك ادعاءٌ باطل منذ تم تشكيل المجلس الوطني).

ثم جاءت مرحلة “مؤتمر الرياض للمعارضة السورية” حيث بات إعطاء رخصة ممارسة مهنة “معارض سياسي قيادي” محصورة بالدول الإقليمية الحليفة للثورة مع جوائز ترضية منحتها هذه الدول للأمريكي والروسي بضم بعضٍ من أزلامهم الممثلين لما يسمى “معارضة الداخل” التي هي عملياً مزيجٌ من العاملين تحت سقف ما يحدده النظام، أو المرتبطين بالنظام الأسدي بدرجات مختلفة تصل إلى حد العمالة، وانتهى دور مؤتمر الرياض عملياً بتعيين “الهيئة العليا للتفاوض” مع منح جوائز ترضية بصفة مستشارين لمن فاته مقعد في قطار “الهيئة العليا للتفاوض” التي باتت الممثل المعتمد إقليمياً للمعارضة مع اعتراض أمريكي روسي أممي (الأمم المتحدة) على حصرية تمثيلها،

رافق ذلك استعادة هيئة التفاوض قدراً لابأس به من شرعية تمثيل مطالب الثورة عبر تفويضٍ حصل عليه هؤلاء من قوى حقيقية عسكريةٍ ثوريةٍ على الأرض وتأييد شعبي ملحوظ نتيجة لمواقفها الحازمة (التي يتم معاقبة العميد الزعبي عليها اليوم) ونتيجة لوجود قلة نادرةٍ لها احترامها في الهيئة من السياسيين كرياض حجاب، ومثلهم قلة نادرةٍ من العسكريين كأسعد الزعبي، ومثلهم قلة نادرةً من القوى العسكرية الفاعلة كمحمد علوش ممثلاً عن جيش الإسلام و”الكفيل” (بالمعنى الخليجي) المهم الوحيد الممثل للقوى العسكرية في هيئة التفاوض بعد انسحاب حركة أحرار الشام.

اليوم، وبخروج العميد أسعد الزعبي من قيادة وفد التفاوض ومحمد علوش ككبير مفاوضين، والاتجاه للتشارك مع ما يسمى المعارضة الداخلية من جماعة مؤتمري موسكو والقاهرة، بدأت مرحلة جديدة للمعارضة السورية تعتمد على الأكثر بيعاً لمطالب الثورة مقابل البقاء في الواجهة بأي طريقة عبر استرضاء جميع الرعاة الإقليميين والدوليين مهما تضاربت توجهاتهم السياسية مع بعضهم البعض أو مع مصالح الثورة، فالمطلوب اليوم في هيئة ووفد التفاوض وملحقاتهم وبشكل واضح ومباشر أتباعاً وليس معارضين، ينفذون فقط ووفق الأولوية:

أجندات أمريكية – روسية بالدرجة الأولى، وأجندات إقليمية معادية للثورة بالدرجة الثانية، وأجندات إقليمية حليفة للثورة ثالثاً ما دامت خاضعة للأجندة الأولى، وبالنتيجة يمكن الجزم بفقدان متسارع للشرعية النسبية التي اكتسبتها هيئة التفاوض والتي ستصل إلى نهايتها الصفرية مع بدءِ جولة المفاوضات المقبلة بالتشارك مع جماعة مؤتمري موسكو/القاهرة إن حصل ذلك (وغالباً سيحصل).

وهكذا يمكن تلخيص رحلة المعارضة السورية السياسية وقصتها مع رعاتها الإقليميين والدوليين وإلى حد ما الإيرانيين ومخابرات النظام السوري، يمكن تلخيصها كما “الغابة” في معركة البقاء في الواجهة؛ حيث بدأت بـ “مرحلة البقاء للأكثر ارتزاقاً” في عهد المجلس الوطني، ثم “مرحلة الأكثر استعداداً لعقد تسوية” مقبولة إقليمياً مع النظام حتى لو تضاربت نسبياً مع أهداف الثورة في مرحلة الائتلاف الوطني، ثم “مرحلة الأكثر فساداً” في مرحلة توسيع الائتلاف الوطني، ثم “مرحلة الأكثر استتباعاً إقليمياً وإلى حد ما دوليا” في مرحلة مؤتمر الرياض فهيئة التفاوض التي انبثقت عنه وأنهت دوره، وهي معارضة تصل اليوم في آخر محطاتها (وليست الأخيرة) بعد التعديلات الجذرية في تركيبة وفد التفاوض وسياسة هيئة التفاوض وتشاركها مع معارضة “موسكو/القاهرة”،

 بهذا تصل المعارضة السياسية إلى “مرحلة الأكثر تفريطاً بكل مطالب الثورة” مع جزءٍ آخر دخيل واضح ناتئ من معارضة الداخل وبعض من هيئة التفاوض يمكن تسميته بـ “الأكثر قرباً من السقف الذي يحدده النظام الأسدي للمعارضة”، كما يأمل الرعاة الدوليون بمرحلة تالية تضم “معارضة حميميم” المخابراتية وإن تم تأجيل الأمر ما دام الشكل الحالي للمعارضة قادراً على تحقيق الهدف، وللمفارقة ولتأكيد ما ذكرت؛

لنتذكر أن من سيحل محل العميد الزعبي اليوم في آخر نسخة للمعارضة هم نفس من قادوا المجلس الوطني وفعلوا ما فعلوا في أول نسخة للمعارضة، ليعودوا مجدداً للواجهة السياسية وفق عملية “الانتقاء الاصطناعي والبقاء للأكثر ارتباطاً خارجياً” التي تسود غابة المعارضة السورية.

عملياً انتهت “السياسة” والمعارضة السياسية السورية قبيل توسيع الائتلاف بعد فشل نسخته الأولى منتصف عام 2013، ومنذ ذلك الحين لا يوجد سياسيون بل موظفون لدى من ينفق عليهم ويعطيهم “رخصة معارض سياسي قيادي”، وهم لا زالوا في الواجهة كل من موقعه القديم أو المستجد يمارسون “ألعاب الخفة” كمهرجين لتغطية فواصل “الإعلانات السياسية الدولية” بانتظار الشوط التالي في المباريات الدولية والإقليمية على الملعب السوري باستخدام دماء السوريين ووجودهم وحضارتهم وكل تضحيات وأهداف ثورتهم في العيش بحرية وكرامة واستقلال.

الثورة السورية اليوم بلا سياسة ولا سياسيين، وهو أمر خطير، فثورة مسلحة بلا رأس وعمل سياسي منبثقٌ منها ومتكامل معها تتحول إلى صراع ميليشيات، وسياسيون لا علاقة لهم بالثورة المسلحة يتحولون إلى أداة لتدمير الثورة، وثورة مسلحة بلا سياسية تعني ضياع التضحيات الهائلة بأبخس الأثمان وتأخير النصر وإدخال لاعبين خارجيين وداخليين مخربين إلى الساحة الجيوسياسية للثورة أوقعوا الثورة في حفرة التآمر الدولي عليها، فاستخدام واجهة سياسية مصطنعة لا علاقة لها بروح الثورة السورية أنهى السياسة والمعارضة السياسية الحقيقية ويوشك أن يضيع الثورة السورية لتدخل متاهات الفوضى، وحتى تعود السياسة الحقيقية إلى الثورة ويظهر على السطح القادة السياسيون الحقيقيون، وحتى لا نخوض مستنقع الفوضى الحالي حتى نهايته كقدر كان ولازال بإمكاننا الخروج منه، لابد من توحيد قوى الثورة العسكرية (ولو بالقوة) مع بعض السياسيين الشرفاء وفق رؤية واحدة وتحت مجلس قيادة ثورة واحد مستقل سياسياً بمساعدة الحلفاء وفق مصالح مشتركة كبيرة تجمعنا معهم لكن بعيداً عن الاستزلام لهم، وحتى ذلك اليوم تصبحون على سياسة وسياسيين وثورة.

السلطة الرابعة : برلين : فواز تللو – سياسي وباحث سوري 

 

 

للاطلاع على احدث الابتكارات العصرية وافضل العروض التجارية اضغط على رابط الاعلان ادناه

شارك