السلطة الرابعة : مقال هـــــام : وليد خليفة يكتب. بلاهة العداوة بين العرب والكرد !

السلطة الرابعة : مقال هـــــام : وليد خليفة يكتب. بلاهة العداوة بين العرب والكرد !

كان الكرد على الدوام قوة المواجهة الأولى لكل الغزوات الخارجية التي تعرضت لها الشعوب العربية، بحكم تموضعها الجغرافي على الحدود الفاصلة بين العرب والآخر القادم من خلف البحار.

لا يخفى على أحد من سكان “كوكب” الشرق الأوسط، أن ثمة عداوة تتمدد كل يوم بين الكرد والعرب، أكبر مكونين لدولتي العراق وسوريا، منذ الاستقلال وحتى اليوم. لن أدخل في جدال الإحصائيات التي لم تحصل أبدا في الشرق عبر تاريخه إلا في المراكز الاستخباراتية أو دولة إسرائيل.

فواقع توزع القوى وصخبها يوضح النسب على الأرض، وهذه العداوة “بين الكورد والعرب” هي الوحيدة التي لا تستمد جذورها من التاريخ القديم، مثل باقي العداوات الدامية في الكوكب الدامي، وإنما هي عداوة حديثة النشأة، تعاني مظاهر مرحلة المراهقة، وهي ما تلزم حالة عدم الاستغراب لهول الطيش واللامعقول التي تحاول هذه العداوة تجذيرها وسط المعمعة.

بات الإدلاء بأي رأي، مهما كان عابرا وخفيفا، لفتح شكل من أشكال الحوار بين الطرفين وإخراج العداوة من مكمنها إلى ضوء الشمس، ضربا من الإعجاز.

إن هذه العداوة المستجدة تهدد ما تبقى من كوكب الشرق الأوسط وخاصة العراق والشام بالزوال تماما، فالعلاقة بين الكرد والعرب بقيت وعبر قرون طويلة هي الشهادة الوحيدة على إمكان التعايش بين سكان الشرق والحلم ببناء دولة تعددية لا غالب فيها ولا مغلوب، لا ابن حرة ولا ابن جارية فيها.

نظر الكرد إلى العرب، حاملي لغة القرآن المقدسة، كتاب الأغلبية الساحقة من الكرد، نظرة أقرب للتقديس، لم يكن من مشكل أبدا مع اللغة وأبنائها، بل العكس تماما فقد منحت اللغة العربية، للكردي الذي يتقنها، مكانةً كبيرة في جل الجغرافيات التي تواجدوا فيها، ولا فرق لدى الكردي بعمومه إن كان حامل اللغة مسلما أو مسيحيا أو يهوديا.

كان الكرد على الدوام قوة المواجهة الأولى لكل الغزوات الخارجية التي تعرضت لها الشعوب العربية، بحكم تموضعها الجغرافي على الحدود الفاصلة بين العرب والآخر القادم من خلف البحار، من ناحية، ومن ناحية أخرى لعوامل ثقافية، تنظر إلى العرب كشركاء في الجغرافيا، وورثة للرسالة السماوية، لا يمكن للحياة أن تستمر دون القيام بواجب الدفاع عنهم والاندماج معهم في كيان واحد، ولا يوجد عبر التاريخ حادثة واحدة، وقف فيها الكرد مع الغازي في مواجهة العرب، أو مواجهة دامية واحدة بين الكرد والعرب.

العكس ليس صحيحا تماما، فقد نظر العرب للكرد، نظرتهم للشعوب التابعة لهم، في خلط رهيب بين اعتناق الكرد للدين الإسلامي وتقديسهم للغة واستماتتهم في حروب مواجهة الغزاة، وبين أسرى التخديم في الغزوات، التي أطلق عليها عربيا مصطلح، فتوحات، غنائم الحرب.

ورغم أنه لم يسبق أن تم سبي نساء الكرد وارتكاب المجازر بحق الكرد في ظل الدول والإمارات الإسلامية المتتابعة، إلا إن الأمر حصل مرارا بعد تكون الدول في المشرق مع عهد الاستعمار. دولتا البعث وداعش كأمثلة، فقد تم تحميلهم اللعنات كلها بدءا من اللعنات الدينية “السنية والشيعية” إلى اللعنات الأرضية “يهود العصر”، وتم النظر إليهم على طول الخط بعين الشك باعتبارهم أدنى درجة، لانهم ليسوا عربا وفقط!

روح التعالي والنظرة العنصرية العابرة في سماء بعض العرب، تستمد بعض جذورها من بعض مرويات التاريخ العربية، حيث شطبت هذه المرويات كل إنجاز إسلامي حققه الكرد بإزالة النسب الكردي عن صاحب الإنجاز”صلاح الدين الأيوبي، ابن الراوندي، المكزون السنجاري، ابن تيمية..” والإشارة إلى أنه منهم وفقط، فيما يُنسب الفارسي إلى أمته والعربي إلى قبيلته.

النظرة الدونية للكرد لم تنجز إلا المزيد من الضعف والخلاف، ولأن غالبية النخب العربية، تخشى مراجعة الذات والنظر إلى المرآة لفحص الأحوال، كان لا بد من صرخات ألم تأتي من طرف الشريك الكردي، كل حين، تناديه إلى الاعتراف أولا بوجوده.

فمع بداية المقتلة السورية، انطلقت أولى الخلافات بين النخب الكردية ونخب المعارضة العربية حول تسمية سوريا، وهي أدنى الإيمان، إذ أصرت النخب العربية المعارضة على نعت الجمهورية السورية بالعربية، متفقة في الرؤيا مع النظام الذي خرجوا عليه، فيما أصرت النخب الكردية على إزالة تلك الصفة القومية عن الجمهورية التي يحلمون بها، ليكونوا شركاء طبيعيين وبصفتهم الكردية في الوطن القادم، عجزت النخب العربية عن تفهم موضوع واضح وبسيط مثل التسمية، وذهبوا إلى تعقيد أكبر من هذا حين أقروا، فرادى ومجموعين، بسنّية ثورتهم “نسبة إلى الطائفة السنية” إضافة إلى عروبتها، وذهبوا أبعد من ذلك بكثير بتدرج خطير، بدءا من “الدم السني واحد” ووصولا إلى أن “العالم كله في مواجهة السنة”، حتى أوصلهم الانحدار للصراخ في وجه كل من يقترب من حدود خلافة داعش الظلامية، في تحد واضح لمنطق العصر.

ولأن الانحدار هو الشقيق الأقرب لليأس وفقدان الأمل، لا بد من توجيه الخطاب إلى المنحدرين، بأن الأبواب لم تغلق بعد كلياً، ثمة أصوات خافتة بين النخب العربية، تستطيع استعادة زمام المبادرة.

وما زالت عيون وآذان السوريين و المعنيين في العالم، ترنو لرؤية النخب التي تستطيع طرح ما يمت إلى واقعها.

فالكرد لا يفكرون بانفصال عن وطن وجدوا أنفسهم من أبنائه، ولو قهرا واضطهادا. لم يطرح أي تجمع كردي فكرة بناء دولة كردية، وإن كانت ثمة أطروحات فهي حالات فردية ولا تعبر إلا عن ردود فعل شخصية في مواجهة الإلغاء، وأما موضوع السنة والشيعة فمن المعروف أن الكرد وبحكم التاريخ، أغلبهم ينتمون إلى السنة والمذاهب الشافعية والحنفية والحنبلية، ونموذج العلاقة الكردية العربية في مناطق الكرد هي في أعلى مراحل التضامن، على الضد من حديث بعض النخب العربية التي ما زالت ترضع من مدرسة البعث الإيديولوجية، المدرسة التي من المفترض أن السوريون ثاروا عليها وليس لأجلها. فإن كانت فكرة سوريا العربية هي المتماثلة في أذهان هذه النخب فإن النظام السوري، هو الممثل الوحيد المتبقي لهذه العروبة بعد أن حولت الأيام النموذج الآخر، البعثي الصدامي إلى لعبة قذرة، سُميت “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

السلطة الرابعة : وليد خليفة : “هنا صوتك”.

تنويه : مقالات الرأي تعبر عن رأي وفكر كاتب المقال , ولاتعبر بالضرورة عن رأي ” السلطة الرابعة “

 

للاطلاع على احدث الابتكارات العصرية وافضل العروض التجارية اضغط على رابط الاعلان ادناه

شارك