السلطة الرابعة : العميد أحمد رحال : الشمال السوري .كارثة على وشك الانفجار والكل باحث عن انتصار.

السلطة الرابعة : العميد أحمد رحال : الشمال السوري .كارثة على وشك الانفجار والكل باحث عن انتصار.

عندما يخرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليحذر من مشروع مدمر، يتم تحضيره في الشمال السوري، فهو يعبر عن معلومات تكتنزها سراديب المخابرات التركية، وعيونها المنتشرة داخل الحدود القريبة والبعيدة.

وعندما يقول أن أصدقاء لنا يعملون على هذا المشروع، فبالتأكيد لم يقصد حلفاءه من دول الخليج، بل حلفاءه المتواجدين على نسق الشق الغربي من مدينة استانبول. على مدار الأشهر الماضية، احتدم صراع تركي_أمريكي حول التحضيرات لحرب اجتثاث تنظيم “داعش” من الشمال السوري، تركيا الباحثة عن حدود جنوبية آمنة يكون فيها “الجيش الحر” هو الذراع العسكري لتلك الحرب، وتسانده طائرات التحالف جواً والمدفعية والأسلحة الثقيلة التركية المرابطة على الحدود القريبة لميادين القتال، في حين كانت تصر “واشنطن” على تقديم ميليشيات “قوات سورية الديموقراطية” على أنها الشريك الأفضل في تلك المعركة.

الخيارات التركية تنطلق من دواعي حفاظها على وعود أطلقتها للشعب السوري الحر وثورته الماجدة، وعلى متطلبات أمنها القومي الساعي لجوار آمن على حدودها الجنوبية مع سورية، ويرفع عنها ثقل وقسوة العقود السابقة، ويبعد تكرار التجربة المرة على حدود جبال قنديل إذا ما كان هناك كانتون “كوردي” انفصالي يسعى إليه “صالح مسلم”، يعيد صراعات حزب الـ”بي كا كا” الذي يعتبر حزب الاتحاد الديموقراطي أحد أذرعه العسكرية في المنطقة.

أما خيارات “واشنطن” فتستند لتجربة سابقة في العراق وثقت بالأكراد وجعلت منهم حليفاً قوياً لسياستها في الشرق الأوسط عموماً وفي العراق خصوصاً، والآن يأتي دورهم في سورية، لكن غابت عنهم أن وطنية الرئيس “مسعود البرزاني” غائبة تماماً حتى الآن عن حليفهم “صالح مسلم”.

الهالة الإعلامية التي تم حشدها “أمريكياً” لمرافقة تقدم ميليشيات “مسلم” نحو مدينة “منبج” كانت واضحة وهادفة لصنع انتصارات وهمية تثبت وتؤكد صوابية الخيارات الأمريكية. ومع اكتمال الطوق على تنظيم “داعش” في محيط المدينة التي حولها التنظيم لمعتقل لكل المدنيين في الداخل، خرج مسؤولو البنتاغون للحديث عن قرب انحسار “داعش” من الشمال السوري، وعن الوصول إلى شبه تقطيع أوصال عملت عليه الخطط الأمريكية، إن كان بقطع طريق منبج_الباب، أو بقطع طريق منبج_جرابلس. وغير بعيد عما يحصل في محيط مدينة “منبج”، كانت هناك “بروباغاندا” إعلامية روسية_إيرانية_أسدية تدفع بمليشيات ما يسمى “صقور الصحراء” المحسوبة على نظام “الأسد” اسماً وعلى “إيران” تدريباً وتمويلاً وتنسيقاً وتتبع لـ”قاسم سليماني”، الحاكم العسكري الإيراني في سورية والعراق.

هذا الحشد الإعلامي صوَر لنا معارك وهمية أيضاً تحصل في جنوب مدينة “الطبقة” لتقول إن ميليشيات “الأسد” تشارك في الحرب على الإرهاب وها هي تتقدم نحو معاقل “داعش”، بينما في واقع الحال كان كل ما يحصل هي عملية مناورة وتنقل بالقوات ما بين “أثريا” و”خناصر” ذهاباً وإياباً دون أي معارك تذكر، ولكن أمام مطامع “الأسد” بمطار “الطبقة” و”سد الفرات” والمدينة ذاتها، كان لابد من سوق تلك الحملة التي يبدو أنها إحدى مفردات توافقات “كيري_لافروف” في الشمال السوري، وفي توزيع “إرث” تنظيم “داعش” بعد السقوط والذي يبدو أيضاً أن مهمته القتالية ووظيفته العملياتية قد أزفت على النهاية.

لكن ما غاب عن الإعلام الروسي والأمريكي هي المجازر التي ترتكب في محافظتي إدلب وحلب، والتي تنذر بكارثة بشرية وإنسانية بعد قيام الطيران الروسي والأسدي باستهداف الأسواق الشعبية والأحياء السكنية و كل مرافق الحياة، ولا تستثني المشافي والمستوصفات ومراكز الدفاع المدني، وحتى الأفران ودور العبادة حيث توقفت صلاة الجمعة فيها، وكانت آخر ابتكارات مجرمي نظام “الأسد” بعد البراميل المتفجرة، التي تعود لهم براءة هذا الاختراع المدمر، أصبحت اليوم تلقي “الخراطيم المتفجرة” التي تحمل بمادة “السي فور” قوية الانفجار، وبعض المخلفات الحديدية لتصبح شظايا تقتل من يتواجد على محيط موقع السقوط ولمئات الأمتار.

على وقع تلك الخطى التي تريد القول أن الحرب على الإرهاب أصبح امتيازاً أمريكياً_غربياً، بدليل ظهور القوات الخاصة الأمريكية والروسية والفرنسية وحتى البريطانية، على الأراضي السورية وشمالاً بالتحديد، إضافة إلى معبر “التنف” في أقصى الجنوب الشرقي، وأنها تعمل على اقتلاعه عبر تحالفات في الشمال السوري والغرب العراقي، لم تدرك واشنطن أنها تطيح بأي استقرار يمكن أن تتوقعه في المنطقة، فبوادر القتل والتطهير العرقي والطائفي برزت على أطراف الفلوجة والعامرية في العراق، ومدينتي “منبج” و”الباب”، وأي مدينة تدخلها ميليشيات “مسلم” تنتظر نفس المصير.

آخر التقارير التي تم نقلها من داخل مدينة “منبج” تقول: هناك ما بين (150 إلى 200) ألف مواطن محاصرون داخل المدينة ويمنع عنهم الخروج، المشافي شبه متوقفة عن العمل، الصيدليات أصبحت رفوفها خاوية من أبسط احتياجات المرضى، الخبز والطعام غير متوفر وإذا ما توفر فلا طاقة لأحد من السكان على الشراء، أفراد “داعش” يتوزعون على أطراف المدينة بعد إخلاء الأبنية الواقعة على أطراف المدينة من ساكنيها وتحويلها لقلاع دفاعية أمام ميليشيات “قوات سورية الديموقراطية” التي تحاصرها على مسافة أبعد من (3) كم حتى الآن.

القراءة العسكرية الميدانية تقول أن سكان الشمال السوري وقعوا بين ثلاثة جهات، حياة المواطنين هي آخر اهتماماتهم: فـ ميليشيات أكراد “مسلم” تبحث عن حدود وطن “كوردي” تفرضه بقوة السلاح وبمساندة أمريكية_روسية، ولا يهمها الضحايا، فكل من يقتل وقوداً لتلك الحرب هم من العرب والتركمان والكورد اللاموالين لمشروع “مسلم” الانفصالي، ولا أهمية لذلك.

والولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي الحرب على الإرهاب هي من قتلت من المدنيين أكثر مما قتلت من تنظيم “داعش” وهي أيضاً غير مهتمة لتلك التفاصيل، حتى أن قصفها الذي أرادت منه حفظ ماء الوجه والقول إنها تساند القوات المدافعة عن “مارع” أسفر عن قتل “عشرة” مقاتلين من “الجيش الحر”، عوضت عنه بإلقاء بضعة آلاف من الذخيرة “الناعمة” الخفيفة التي لا تشكل أي إضافة قتالية للمحاصرين “وقتها” في بلدة الصمود “مارع”.

تنظيم “داعش” المتمترس داخل مدن “منبج” و”الباب” و”جرابلس”، وجد بالمدنيين وسيلة يمكن أن تشكل دروعاً بشرية تقيه من ضربات الطيران الغربي ومدفعية “قوات سورية الديموقراطية”، فأبدع بإذلال السكان والاستهتار بحياتهم بعد أن أصبحوا سلعة غير ذات أهمية أمام كل الأطراف المشاركة بالقتال.

ما الحل:

المخاوف التركية محقة، ومخاوف العرب السوريين محقة أيضاً، ومخاوف رابطة الكورد المستقلين الذين أعلنوا عن وجودهم في مؤتمرهم الجديد في جنوب تركيا محقة أيضاً، والثورة السورية التي رفضت كل تلك التحركات وقدمت نفسها لتكون ذراع الحرب على تنظيم “داعش” في مناطق سبق وأن حررتها أيضاً مطالبهم محقة، وفصائل “الجيش الحر” التي استطاعت كسر الحصار وفك التطويق عن مدينة “مارع” ومحيطها، وأعلنت عن استمرار تقدمها وحملتها التي تهدف الوصول إلى “الباب” أيضاً مطالبهم محقة. كان على الولايات المتحدة الأمريكية وقبل أن تحسم أمرها بخياراتها الخاطئة واعتمادها ميليشيات “مسلم” كذراع عسكري للحرب على الإرهاب، أن تدرك أن كل مكونات الشمال السوري لن يقبلوا بميليشيات “مسلم” الانفصاليين رعاة للمنطقة، لأن طموحات “صالح مسلم” لن تتوقف عن البحث عن دولة “كوردية” انفصالية وهذا ما يرفضه كل سكان المنطقة.

وكان عليهم أن يدركوا أن خياراتهم تضع المنطقة على فوهة بركان متفجر وقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت. وكان على ساسة “واشنطن” أن يعلموا أن قدرة مناورة الأتراك وزخم فصائل الثورة أكبر من أن تحتويها التطمينات الأمريكية.

كل ما يحصل في الشمال السوري يهدد باستمرار القتال واستمرار حالة اللااستقرار، وهذا سينعكس بالتأكيد على كامل دول الجوار التي لن تقبل ببقاء الأعصاب المشدودة على وضع ينذر بتفجر الأوضاع، وأن الجوار الأوروبي لن يبقى بمأمن من تحولات المنطقة، وأن الإرهاب الذي ضرب “بروكسل” و”باريس” قد يضرب عواصم أخرى، فأمن سورية هو صمام الأمان للجوار وللغرب معاً.

وكان على روسيا وإيران أن تدركان معاً:

أن “حلب” ليست “سيراييفو” ولن تكون … وأن “إدلب” ليست “غروزني”، وأيضاً لن تكون … وأن “الرقة” بالتأكيد لن تكون “قندهار”.

مع كل هذا المشهد المأساوي يمكن القول أن الأمر ما يزال ضمن حيز الاحتواء، فعودة “صالح مسلم” للأجندة الوطنية وانضوائه تحت راية الثورة السورية هي الضمانة الأكبر لمطالب أخوتنا الكورد المحقة وتحت راية الشعب السوري الحر، وأن عودة التآخي ما بين الفصائل الكوردية الوطنية وإخوانهم في الجيش الحر يمكن أن يكون ملاذاً لقوات “مسلم” بعد تخليها عن مشروعها الانفصالي وفك ارتباطها مع نظام “الأسد”، وهو خيار يحتاج لجرأة لا تنقص “الأكراد”، تعيد فيه ترتيب التموضعات في سبيل الخلاص من نظام إجرامي يوشك على الانهيار.

وإلا فالبديل صراعات لا تنتهي، ولا قدرة لأحد على تحمل تبعاتها وأنهار دمائها.

السلطة الرابعة : العميد أحمد رحال . محلل عسكري واستراتيجي . صدى الشام

 

 

تنويه : مقالات الرأي تعبر عن رأي وفكر كاتب المقال , ولاتعبر بالضرورة عن رأي ” السلطة الرابعة “

للاطلاع على احدث الابتكارات العصرية وافضل العروض التجارية اضغط على رابط الاعلان ادناه

شارك