السلطة الرابعة : د. علاء الدين ال رشي . هل نحن شعب النميمة والغيبة ؟

السلطة الرابعة : د. علاء الدين ال رشي . هل نحن شعب النميمة والغيبة ؟

الخطأ وارد من أي إنسان، والخطأ لا يقابل بخطأ عند العقلاء، فإذا قابلنا الجهل بجهل فمتى تنتهي الجهالات؟ وشر ما يعانيه الكثير من السوريين اليوم دوائر النميمة ومجالس الغيبة، التي أفقدت الناس بقية الخير التي فيهم، وشجعتهم على ترك أي فعل جميل، وأوهت العلاقات وشردت بهم يميناً ويساراً…

واليوم ما خلا سوري بسوري الا كان ثالثهما (مقلاية) وشخص أو أشخاص يتم قليهم فيها غيبة ونميمة!!! تسخن هذه المقلاة على نار الكذب، وشرر الحسد، ومعادلة فتنوية تستند إلى:

كيد + حسد + قلة أخلاق (فجور وكذب) + غيبة + نميمة. وتنتشر انتشار النار في الهشيم.

إن أفة الغيبة والنميمة والكذب قاتلة، وإذا أضيف إلى ذلك ما يلقاه الرجل من حسد أقرانه وهو أشد مما يلقاه من كيد أعدائه كما يقول الإمام مصطفى السباعي، تكون الطامة والأذية. يأتي بعد الحسد حقد الشخص النمام والكذاب والمستغيب على نفسه أولاً، بسبب فشله ونجاح خصمه فينطلق بلا أخلاق وبلا رادع بغيبة ونميمة وتشوهات نفسية وعقد ذاتية ليدمر سيرة إنسان أو إنسانة.

وكما يقول المعلم الفيلسوف الاسباني بالتسار غراسيان:

“كذبة واحدة تدمر سمعة شخص بالكامل”

فتش وراء تدمير أسرة وسمعة رجل تجد دعاية كبيرة ووشاية كاذبة استثمرت خطأ ما فنفخت فيه النار لتحرق حياة ما.

أما مقومات الدعاية الكاذبة والغيبة والنميمة فهي:

الايجاز والسهولة والتكرار من أجل التذكر وسهولة النقل والرواية

 

لماذا تنتشر الشائعات ومجالس الكذب والنميمة والغيبة ؟ يقول مالكولم ماغيريدج: “البشر لا يصدقون الكذب لأنهم مجبرون على ذلك، بل لأنهم يريدون ذلك”.

يعود ذلك إلى الطبيعة الإنسانية التي تؤمن أن أسهل طرق الانتقام من شخص لا نحبه يكون بتدمير سمعته، وكذلك النفس الإنسانية تميل إلى قبول الكلام المرسل وأحاديث الفراغ، وتقبل الشائعات، وما لا يصدق.

هناك قابلية ذاتية وهوى وفضول تكويني عند الناس لتقبل الفضيحة وكشف المستور وإظهار المستخفي وفضح ما لا يعلم من حياة الآخرين. ويعلو فوق ذلك كله نفسية الشرير العطال البطال الذي يعيش بلا هدف ولا أخلاق، ويتقوى بساديته التي يفرحها التدمير الاجتماعي ويستقوي بزعرنته وباللسان الطويل الذي لا يعرف حراماً ولا كرامة. كيف تدمر سمعة إنسان ما؟

يتم تدمير السمعة بنثر المشوهات والعمل على تضخميها وكسب قلوب المتعاطفين. لكن كيف يكون ذلك؟ بماذا يشرعن الكذب والغيبة والنميمة؟ يتم باسم الغيرة على المصلحة العامة والقيم والتحذير من الاستغفال والاستهبال !!!

عادة ما تتلفح الأكاذيب والشائعات (بالفضيلة) وفي حقيقتها تكمن في قاع (الرذيلة).

تشرعن مجالس الغيبة والنميمة بحق إنسان ما حكومياً باسم التحذير من الوقوع في براثن ذلك الخائن اللاوطني، واجتماعياً بالتخويف من ذلك المحتال والنصاب والمنحط أخلاقياً أو المتهم بقبيحة ما.

وتركز مجالس الغيبة والنميمة والكذب على أنها تريد النفع العام والمصلحة المجتمعية وهذا دافعها الأخلاقي الظاهري من وراء محاربة ذلك الضال الكاذب الخائن النصاب.

حيث يحاول مروج الأكاذيب النمام المغتاب تأكيد صدقه وأنه التقط ما يعرفه من مصدر مسؤول وأن لديه علماً ببواطن الأمور وأدلة على صدق كذبه.

تبنى الأكاذيب على ما يدغدغ الشعور العام ويظهر الحرص والمسؤولية أيضاً. ونلاحظ أن الكذب وضرب سمعة البشر يزدهر بين الأشخاص النخبة وبين العامة أيضاً ممن لم يلتزم بقانون أو أخلاق وذلك نتيجة الانحراف الذاتي والاستعداد النفسي المريض.

من الذي ينشر الغيبة والنميمة والكذب؟

1 ـ الشخص الفاشل:

من الذين خاصموا أنفسهم وحقدوا على ذواتهم.

وتلعب الشخصيات الفاشلة التي تعشق الغيبة والنميمة والحسد وتنقم لفشلها بتحطيم الناجحين دوراً كبيراً في نقل الشائعات إلى دوائر مجتمعية أوسع.

2 ـ الردود على الأكاذيب:

وقد تزدهر الأكاذيب ومجالس الغيبة والنميمة أحياناً بمساعدة الاستجابات الفردية، حيث أن المظلوم أو من تم استهدافه يرد عل المفترين فتنتشر الأكاذيب أكثر وأكثر. للأسف ومما يوجع أنه قد تكون عوامل مواجهة الأكاذيب سبباً في انتشارها.

3 ـ النت ووسائل الاتصال وكذلك الإعلام: واليوم أسهل الطرق لضرب سمعة إنسان أو إنسانة التطور في وسائل التواصل وله أثر كبير في تطوير الشائعة وتضخيمها.

لقد تغيرت مجالس الغيبة والتشويه والنميمة والكذب من همس وراء الظهور بين الأفراد أو عن طريق الفكاهة والتندر والثرثرة ، إلى عمل مبرمج ومنظم يستثمر الفضاء المفتوح والإعلام الرخيص.

لم يعد هناك فنجان قهوة الغيبة الصباحي بين النساء بل صار هناك البوست الصباحي على الفيس بوك كما تقول كوثر .

هل هناك دخان بلا نار؟

يدعي بعض من يروج الأكاذيب أن ثمة شيء من الحقيقة فيما يشاع حول فلان وأنه لا يكون دخان بلا نار ويمارس هذا المريض النفسي دوراً يظهر الحيادية والتباكي على الشأن العام، ويستبطن أخلاق الزعران ممن امتهن إهانة كرامة الناس والنيل من سمعتهم وتشويه مسيرتهم. نعم هناك دخان بلا نار!!!

كيف ذلك ؟

ومثالها حادثة الإفك التي شاعت وانتشرت حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق؟

والله ما علمت عليهم إلا خيراً. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيراً ولا يدخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي!.

وقد كان الدخان قاتلاً من نار أوقدها منافق واستدرج إليها الصحابة الكرام وهي تمس شرف النبي وأخلاقه.

{إنَّ الذين جاءوا بالإفْكِ عُصْبةٌ منكم لا تحْسَبوهُ شراً لكم بل هو خيرٌ لكم، لكلِّ امرىءٍ ما اكتسبَ من الإثم، والذي تولى كِبْرَه منهم لهُ عذابٌ عظيم}.

والغريب أن الحد أقيم على من ثبتت عليهم تهمة القذف، وهم (حسان بن ثابت) و(مسطح) و(حمنة) أما (عبدالله بن أبي) مدبّرُ الحملة وجرثومتها الخفية، فإنه كان أحذر من أن يقع تحت طائلة العقاب.

لقد أوقع غيره ثم أفلت بنفسه. إذن نعم هناك هتك لحرمة شخص وشائعة تطير ودخان بلا نار ينتشر، ولكن للحق والحقيقة النار والدخان كانتا من نفس مريضة منافقة ملونة وملوثة ….

وهكذا يكون أصحاب الشائعات ورواد مجالس الغيبة والنميمة والكذب.

{الذين جاءوا بالإفْكِ عُصْبةٌ منكم}

تنبيه أن ترويج الأكاذيب قد يكون من بينكم من الفضلاء دون أن تشعروا ويشعروا وقد يستثمرهم غيرهم دون أن يعلموا…

هل يكفي كي تستغيب فلاناً؛ أو تنمه أو تسقطه اجتماعياً أن ينقل لك عنه عشرون شخصاً تهمة ما؟

تذكر السرديات التاريخية أنه عندما بدأ مفعول السم يسري في جسد سقراط، أشار إلى تلميذه المخلص كريتون بالاقتراب ليقول له بصوت ضعيف:

كريتون، في ذمتنا ديك لايسكولاب…ادفع له ثمنه دون نقاش.

ـ حاضر يا سيدي، هل تريد شيئاً آخر؟ لم يجب سقراط.

لقد مات… وايسكولاب هو إله الطب عند اليونانين، ومناسبة هذه المحادثة أن محكمة غير عادلة مؤلفة من خمسمائة قاض وقاض حكمت على المتهم سقراط بالموت تجرعاً للسم بناءً على شكوى كيدية وأكذوبة وشائعة قدّمها مواطن يدعى مليتوس اتهمه بالكفر وادخال شياطين جديدة إلى المدينة وإفساد الشباب.

وهي تهمة باطلة أودت بحياة واحد من أعظم رجال الفكر الإنساني.

إن المحكمة أصدرت حكماً غير عادل بل وظالم بناء على شائعة واهمة ودعوى باطلة … مثل هذه الأحكام الظالمة، ولو صدرت من خمسمائة قاض وقاض، مبنية على الجهل أو الفهم غير الصحيح لطبيعة الأمور.

قد ينقل العشرات خبراً جاهلاً … تقوم مجالس الغيبة والنميمة على فاكهة الجهل وتصدر الأحكام التصفوية المعنوية والمادية أيضاً بحق أبرياء فقط لكيد شخصي أو مرض نفسي وتكون الأحكام الظالمة على الناس مبنية على الجهل المطبق الذي لا يستند أصلاً الى أية معرفة، كالجهل بالشريعة أو القانون أو منطق الأمور.

حذر النبي الكريم من العلم الجاهل :

(وَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلاً)

وهو قول يشير إلى فكرة فلسفة تجريدية عميقة المعنى ووصف غير مسبوق في غاية الدقة والبراعة. قد يكون مصدر ألف خبر وخبر (كاذب واحد نمام) لديه البراعة في صياغة علاقات تنشر الأراجيف وأساليب التمويه والتحطيم ولديه منعة في صناعة الأكاذيب ظاهرها العلم وباطنها الجهل … لنتذكر أن الجهل أساس كل شر، وأخطر أنواع الجهل:

الجهل الذي يقوم على وصاية نبيلة أو دعوى مقدسة، أو الناجمة عن الغلو والتطرف كالتعصب الديني أو الطائفي أو القيل والقال. كما أن أسوأ أنواع الجهل ما كان يستند إلى علم جاهل …

والجهل سواء استند إلى علم أو إلى جهل، لابدّ أن يقود إلى الظلم، فالجهل وعاء للنفاق والنميمة والعزة بالإثم والأنانية المفرطة والقسوة البالغة والاحتيال وإنكار حقوق الآخرين وعدم قبول الرأي الآخر، بل معاداته بشدة. فهذه آفات عامه في كل المجتمعات التي يغيب عنها العمل المنتج والبناء وملء الأوقات بما هو مفيد.

كما قامت على أكذوبه أو أكاذيب مذاهب وأديان وجدت من يتحمس لها رغم كذب اصلها … كما أصبح لتدمير السمعه ونشر الكذب والإشاعات وقلب الحقائق وإخفاء بعضها رجال وأقسام في الفروع الأمنيه في بلادنا!!!

ولنتذكر كم بذل علماؤنا من جهود جباره في تنقية ما نسب الى الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال أضافها إليه محبوه ومبغضوه نقلت الينا بالتكرار وكنا نتقرب الى الله بها وإذا هي في أساسها خبر لكاذب..

واليوم قد يتناقل عشرات الأشخاص أكذوبة تشويهية بحق إنسان أو إنسانة ما وقد تمر هذه الأكذوبة على الفضلاء فتعطى شرعية ومصداقية دون أن يشعر بإثم هذا العمل وعدم شرعيته رحم الله المنفلوطي الذي قال:

الغيبة رسول الشـرِّ بين البشر … . يتبع …

السلطة الرابعة : ألمانيا : د . علاء الدين ال رشي

شارك