السلطة الرابعة : سميرة المسالمة : عن أخطاء المعارضة السورية !

السلطة الرابعة : سميرة المسالمة : عن أخطاء المعارضة السورية !

 تبدو مواجهة الذات في اللحظات الحرجة صعبة، ومؤلمة، مع ذلك فهذا الاختبار لابد منه إذا أردنا تصحيح مسيرتنا، وأوضاعنا. على ذلك يمكن القول أن ثمة أخطاء للمعارضة السورية، ولا ينبغي إنكار ذلك، أو تجاهله،

أولاً : لأن من يعمل يخطئ ويصيب.

وثانيا : لأن تجارب الحركات والثورات السياسية قائمة أصلاً على الصحّ والخطأ، إذ لا وجود هنا لوصفات نموذجية.

وثالثا : لأن تجربة هذه المعارضة حديثة، وقد انبثقت مؤخّراً، وفي ظروف صعبة ومعقّدة تقدر بالسنوات وليس بالعقود.

ورابعاً : لأن السوريين كانوا محرومين من الحياة السياسية، لذا فهم يفتقدون للخبرات في هذا المجال، مع الاحترام لكل تكوينات المعارضة، التي حاولت فرض ذاتها قبل الثورة طوال العقود الماضية، ودفعت أثمانا باهظة ثمنا لذلك.

مع ذلك ففي الكلام عن المعارضة يفترض أن نلاحظ مسألتين، أولاهما، عدم الخلط بين المعارضة والثورة، فالأولى تخصّ الهيئات السياسية، وهذه قد تخطئ وقد تصيب، وقد تقصّر، أو تعجز عن القيام بما عليها، لأسباب ذاتية وموضوعية، وهذا ديدن كثير من الحركات الثورية عبر التاريخ. في حين تعبّر الثانية عن الشعب، الذي يحاول مصارعة النظام، وفقاً لإمكانياته، وخبراته (وهي محدودة طبعا)، ووفقا لمستوى تطوره السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

وثانيتهما، أن هذا التمييز لا يعني أن النقد للمعارضة مسموح ومطلوب، وأن النقد للثورة غير ذلك، فالنقد مطلوب في كل الحالات لتصحيح أو لترشيد المسار، والخطابات، والبني، وأشكال النضال، لكنه يفترض أن يؤسس كل ذلك على الانحياز للثورة.

بمعنى أكثر دقه اريد ان أقول بصراحة بأن موقف أي كان من المعارضة، قبولها أو رفضها، لا يفترض أن يؤثّر على الموقف من ثورة السوريين العادلة والمشروعة، إذ لا يجب الخلط في الموقف الأخلاقي والسياسي بين الاثنين.

من تجربتي، ومع كل الكارثة الحاصلة في سوريا بسبب النظام، سيما في محاولاته دفع الثورة للانحراف عن أهدافها الأساسية المتعلقة بالتغيير، وإقامة نظام ديمقراطي، أو دولة مواطنين، باستخدامه اقصى قدر من العنف، وتحويله الصراع من السياسة إلى صراع على الوجود، ومحاولته اسباغ صبغة طائفية على الثورة، وإظهار الأمر على أنه صراع ضد الإرهاب، ينبغي الاعتراف أن النظام استطاع أخذ بعض القطاعات المترددة من السوريين، ليس قبولاً منها به، وإنما بسبب الخوف من بطشه، أو بسبب انعدام اليقين من البديل.

هكذا، فلقد أخطأنا كمعارضة في عدم انتباهنا للدرجة المناسبة لاستراتيجية النظام هذه، وبعدم تمسكنا بانتهاج خطاب واضح، وحاسم، خطاب ديمقراطي يتأسس على المواطنة، والحق في الحرية والعدالة والمساواة، في سوريا متنوعة ومتعددة وديمقراطية، ومدنية (لا دينية ولا طائفية ولا عسكرية).

نعم لقد بات هذا الخطاب، الذي وسم الثورة في بداياتها الأولى، شبه غائبا، وبات لدينا خطابات مختلفة، ومتخلفة، لا ترقى إلى التضحيات التي قدمها السوريون من اجل حقهم في العيش بحرية وكرامة.

أيضا، أخطأت المعارضة في تغليبها البعد العسكري، على البعد الشعبي في الثورة، وفي غلبة العسكرة على مظاهرها، وعدم اتباعها الكيانات العسكرية لرؤية سياسية واضحة، وفي هذه الفجوة بين الكيانات السياسية والعسكرية، وسكوتها عن الخطابات المتطرفة، ذات الصبغة الدينية، والطائفية، والتي تساهم مع النظام في صبغ سوريا بلون واحد، تعسّفي وإقصائي.

ضمن هذه الأخطاء يمكن الحديث عن علاقات التبعية أو الارتهان لهذه النظام او ذاك، وهو أمر قد يبدو اضطراريا بسبب الظروف المأساوية لشعبنا، وبسبب ضعف الإمكانيات لكن هذه الوضع بالذات هو الذي يضع صدقية المعارضة على المحك، وفي نطاق المساءلة بشأن سلامة مواقفها، وصوابية خطاباتها، وخطط عملها.

ما أعنيه هنا أن المعارضة يمكن لها أن تعزز مكانتها من خلال ترسيخ صلاتها مع شعبها، وبإيجاد هيئات عمل تستطيع من خلالها تعبئة طاقاته، واستمداد الحيوية والفاعلية منه، كما من خلال حرصها على تمثيلها لمصالح السوريين، إزاء الدول الصديقة أو الداعمة. وباختصار، نعم هذا ما ينبغي أن تفعله المعارضة لتعزيز مكانتها القيادية، أي أن احترامها لذاتها هو الذي يفرض على الأخرين احترامها، وتوطيد صلاتها مع شعبها هو الذي يمنحها القوة والاستقلالية.

بيد أن الحديث عن أخطاء المعارضة، أو نقدها، وفقط، لا يكفيان، أو لا يجديان، لوحديهما، لأن المطلوب زجّ مزيد من الجهود والطاقات في إطار قوى الثورة والمعارضة، بمعنى أن بعض المسؤولية يقع على عاتق القوى التي مازالت لا تميل للانضواء أو للاشتغال ضمن الائتلاف أو ضمن الكيان الجمعي للمعارضة، كالهيئة العليا للتفاوض، كما يقع على عاتق الأفراد الذين يمتلكون الخبرات والطاقات التي يمكن أن تغني المعارضة، وأن تسهم في إضفاء الحيوية عليها، وتطوير خطاباتها وأشكال عملها، إذ يوجد كثيرات وكثيرون ممن يأنفون العمل في الكيانات الجمعية لسبب أو لأخر.

كما ثمة بعض المسؤولية تقع على عاتق الكتل الاجتماعية التي لا تشتغل كقوة ضغط على المعارضة من اجل توسيع هيئاتها، وتحسين مستوى تمثيلها، ومن أجل تطوير عملها، وترشيد خطاباتها، سيما أن مثل هذه الكتل باتت موجودة، خارج سيطرة النظام، في المناطق المحررة، وفي مناطق الشتات في البلدان العربية والأجنبية، علما أن مثل هذا الضغط يحصل أحيانا لكن بطريقة عفوية وفردية وعبر وسائط التواصل الاجتماعي.

نعم نحن بحاجة إلى تطوير اوضاعنا لكن هذا بحاجة إلى تضافر كل الجهود أيضا، فالعملية الثورية في سوريا معقدة جدا، وتعترضها صعوبات كثيرة.

وعليه لا يكفي رمي المعارضة بالتقصير أو بترداد اخطائها، وإنما المطلوب أكثر من ذلك، مطلوب المساهمة من الجميع، وبخطوات عملية، لوضع شعبنا على سكة الحرية والمواطنة والديمقراطية…سورية للجميع… ا

السلطة الرابعة :  سميرة المسالمة : كاتبة وإعلامية سورية . الحياة 

شارك