السلطة الرابعة  : الشاعر السوري “فاروق شريف” يكتب قصيدة . جنازة الحرف الأخير…

السلطة الرابعة : الشاعر السوري “فاروق شريف” يكتب قصيدة . جنازة الحرف الأخير…

جنازة الحرف الأخير..
بجنازةِ الحرفِ الأخير من القصيدةِ
أكتبُ التأبينَ للمتجمّعينِ ….. بمأتمِ الحرفِ الفقيــــدْ….
ها نحنُ نُهزمُ من جديـــدْ……
ها نحنُ نقتلعُ الحناجرَ من جديــــــدْ……
ها نحنُ نقطعُ آخرَ الأوتار من عودٍ سماويٍّ ……لينقطعَ النشيـــدْ…
ها نحن نسجنُ ظلَّ من ماتوا …. بأصفادِ الحديــــدْ….
ها نحنُ نبعدُ هدأةَ الأفياءِ عن قبرِ الشهيــــدْ ……
ها نحنُ نرمي خُصلةً كانتْ تغطّي جرحَ لاجئةٍ…بأسواقِ العبيـــدْ ……
ها نحنُ نجعلُ خاتمَ السلطانَ رمزاً …… من جديد ……
ها نحن نُهزمُ من جديـــدْ…… ونخيط ُ أثوابَ الجريمةِ من جديدٍ من جديـــــدْ …
———————————-
-2-
بجنازةِ الحرفِ الأخير…… يخرُّ طيرٌ كانَ يحملُ حلمهُ ….لكنّهُ ….. عشقَ القناعهْ …..
يا طائراً قد كانَ يحملُ حلمهُ ….. سمعاً وطاعهْ …..
سنعودُ نبحثُ عن رواياتٍ تزاوجُ بين قانونِ الحياةِ وبين قانونِ المجاعه……….
ها نحنُ نعرضُ للقوافلِ قفلَ أبوابِ المنازلِ كالبضاعة…..
ونعدُّ خوذاتِ الجنـــــودْ…..
ونزيلُ آثارَ النبيِّ ليكملَ الشرقُ الضَياعْ ……
ها نحنُ نُهزَمُ من جديــــدْ…..
ها نحنُ نقتسمُ السفينة َ بالسيوفِ ليبلعَ البحرُ الشراعْ ….
يستشهدُ الحرفُ الأخيرُ….. فيخسرُ الشرقُ الشعاعْ ……
زمراً نُقادُ إلى المقاصلِ مذعنـيـــنَ…..
الكلُّ يدفعُ رشوةً حتى يؤجلَ دورهُ…..ويفوزَ بالدنيا لساعهْ…..
فرداً ففرداً …مثل حباتٍ بعقدٍ ….قد تقطّعَ خيطهُ …..نهوي إلى قعرِ الوضاعه….
يا أيها الحرفُ الشهيدْ…………
ها نحنُ نهزمُ من جديدْ…….
ها نحنُ نُهزمُ …. حينَ نكتمُ صوتَ برميلٍ تفجّرَ….
حينَ نلطمُ وجهَ من يحيا لــيثأرَ…
حينَ نغفلُ عن شقيٍّ صارَ يقطعُ ثديَ أمٍّ بعد ما شبع الرضاعهْ….
منْ شلوِ طفلٍ في ركامِ البيتِ يكتسبُ المناعهْ …….
فليكملُ العربُ الضياعْ …..
من وعدِ بلفورٍ وهم لا يتقنون سوى التخاذلِ من صناعهْ….
ضجّتْ سجلّاتُ السياسةِ بالعهودِ …..
وبصمةُ العربيّ تنقشُ ذلّها في كلّ ميثاقٍ جديـــدْ…
تركوا فلسطينَ اليتيمةِ لليهودِ وصفّقوا…
باعوا العراقَ فصفقوا …..
تركوا دمشقَ وصفّقوا….
يا ربُّ هل عادتْ ثمودْ…
تركوا شقيَّ القومِ يعقرُ شامةَ اللهِ الجميلةَ …
ربّنا دمدمْ عليهم ثمّ خذهمْ إنّهم ألفوا التخاذلَ والركودْ ….
أوَبعدَ سوريّا نعودْ….
أوَبعد سوريّا يضخُّ القلبُ في جسدِ العروبةِ…
أو تقلُّ الأرضُ راياتِ السلامْ…..؟
أوبعدَ سوريّا تزورُ الأفقَ أسرابُ الحمامْ….؟
أو يقدرُ العربيّ بعدكِ أنْ يسيرَ إلى المخابزِ دونَ أنْ يضعَ اللثامْ….
كمْ أشتهي أنْ أشربَ الليلَ الطويلَ بكأسِ ثغركِ حينَ يغرقُني الظلامْ…
كمْ أشتهي تقبيلَ وجهكِ قبلَ أنْ أغدو حُطامْ…
كم أشتهي تفريغَ حزني في عيونكِ …مثلَ طفلٍ أيقظَ الدنيا ونامْ….
من ذا يخفّفُ سرعةَ الحبِّ الأخيرِ على مطبّاتِ الغرامْ…
من ذا يشرّدني على أوتارِ شعركِ …
من يخثّـّرني على آثارِ جرحكِ ….
من يحيلُ دقائقَ النومِ الأخيرِ على ذراعكِ … ألفَ عــامْ
بجنازةِ الحرفِ الأخيرِ تـُـريحُ سوريّــا أنينَ المفرداتِ على حجارتها… وينتحرُ الكــــلامْ
-3-
بجنازةِ الحرفِ الأخيرِ من القصيدةِ …. يبحثُ العربي عن نجمٍ يرافقهُ المسيـــرهْ……
يمشي وتتبعهُ الوحوشُ وتبلعُ الظلماتُ نجمتهُ الأخيرهْ ……
والريحُ تسرقُ ما تبقّى من ندىً في وجههِ …..فتجفُّ وردتهُ الصغيرهْ …..
نفقٌ أمامكَ أيها العربيّ …
ليـــلٌ قاتمٌ ككتابِ حزنكَ …
عوسجٌ أكلَ الدروبَ…
أظافرٌ تقتاتُ لحمكَ…
رحلة ٌ تمتدُّ في خللِ الدخانِ
فجمّعِ الذاتَ اتّحادا….
واحملْ طحينَ عظامنا وبقيّة َ الأشلاء ِ زادا ….
وافتحْ مساماتِ الحنينِ لتدخلَ الأرواحُ في وجدانها العربيّ
إنَّ الروحَ تنكسرُ انفرادا …
أو كلما هبّتْ رياحٌ صرتَ ملحاً أو رمادا ….
أو كلما جاءَ اللصوصُ إلى الكروم ِ جعلتَ جسمكَ تحت أرجلهمْ جســورا …
جاؤوكَ من كتبِ التراثِ …
من الأساطيرِ القديمةِ
من مزاميرِ الحداثةِ
من ترانيمِ النعاسِ وما يسيلُ من اللهاثِ
ومن خلايا في دمانا …. قدْ أحيلتْ لاختبائهمُ جحــورا.
-4-
خمسٌ من السنواتِ تعصرُ قبلها مأساةَ قرنٍ كاملٍ ويتابعُ العربُ المسيرَ ا….
فترى العراقَ كأنّهُ ألفَ الفراقْ
مابينَ دجلةَ والفراتِ يضيعُ مفتاحُ الحياة
وكأنهُ لم تنطلقْ منهُ الحياة
وكأنَّ بابل لم تكنْ بابَ الدخولِ إلى الحياةْ ….
وكأنما السيابُ لمْ يكتبْ على سعفِ النخيلِ حكايةَ الحبّ الفقيــدْ …
سيّابُ يا سيّابُ لو تأتي بحفّارِ القبورِ لكي يرى الجــثثــا
ويظلُّ يدفنُ بالسواقي والرمالِ فكلّها قد أصبحتْ جَــدَثـا
عذراءُ والطاعونُ باشرَ خدرها طَمثــَا
مرّتْ قرونٌ والغبارُ على عيونِ النهرِ
حتى لم يرَ الفُرْسَا ….
مرّتْ سفائنُهم على دمّ الحسينِ
وحوّلوا آهاتهِ مَرسى
دخلوا بقبّتهِ الشريفةِ
حوّلوا صلواتهِ تـِرسا
مرّتْ قرونٌ
يشحذونَ النخلَ سيفاً يحتوي حدّينِ
حدٌّ داعشّيٌ
ثم حدٌّ طائفيٌ
ثمّ ينذبحُ العراقْ
أيهونُ في عينِ الحسينِ بأنْ يرى ذبحَ العراقْ
يا ابنَ الرسولِ شعاعكَ القدسي شاعَ بشيعةِ الكلماتِ
بالشعرِ الشفيفِ إذا تشظّى في ثراكْ…
يا أزهرَ الزهراءِ زهرُ قصائدي يزهو بحبّكِ حينَ زرتكَ
زاهداً فيما سواكْ …
هذا عراقُ القلب هذا أبهرُ القلبِ الشريـــدْ …
غنيّ بصوتِ النهرِ واحكي قصةَ الحرفِ الشهيـــدْ …
أوبعدَ سوريّا نعودْ ؟
-5-
القلبُ سوريّا
وسوريّا بصيصُ النورِ في نوّاسةِ العربيّ
يتركها بلا زيتٍ فتنفجرُ انطفاءَ ا…
القلبُ سوريّا
وسوريـّا قطارُ الوقتِ في التكوينِ
مقياسُ التوتّرِ في اشتياقِ الأرضِ للصلواتِ
عذراءٌ تقطّـرُ ماءَ ضحكتها حياءَ ا …
القلبُ سوريــّا
وسوريــّا سلالٌ من حريرٍ في شبابيكِ السماءِ
توزّعُ الأزهارَ للشهداءِ
تمسحُ عن جبينهمُ الدماءَ ا …
القلبُ سوريــّا
وسوريّـا صلاةُ الباء خلفَ الحاء
أنزلَ وسطها الطغيانُ راءَ ا …..
ما أضعفَ الكلماتِ والشعرَ المركّبَ حينَ تنفجرُ المجرّةُ في دمي
حباً لفجركِ واشتياقا ….

يا طفلةَ العربِ القتيلة َ
قرّبي منفاي من كفّيكِ
إنّ الأرضَ تبعدني طلاقا ….
-6-
التوتُ شاميُّ المشاعرِ
والمعابرُ نحوَ معراجِ الضياء
يسدّها القناصُ
يقتلُ ما تسرّب من بخورٍ جاءَ يبكيكِ احتراقا …
التوتُ شاميُّ التمازجِ بينَ رَوْحِ اللهِ والدمعِ المسالِ على جبينِ الفجرِ
تذرفهُ عيون الأمهاتِ الباكياتِ على شهيدٍ في ثيابِ النصرِ يحتضنُ الرفاقَـا
التوتُ شاميُّ وقلبي يشبهُ الأحداقَ
إنْ مصّ الحنينَ تملّكَ الدنيا وضاقــا….
أنا والسماءُ مبارزانِ على دمشقَ تخاصما
فتريدُها هيَ وحدها
وأريدُها بجميعِ من فيها
هي فوقها ستٌّ شدادٌ يأتمرنَ بأمرها
وأنا وحيدُ
وأنا وحيدٌ أستعينُ بسبعِ قُــبْلاتٍ طباقــا…
يا شامةَ اللهِ الجميلةَ
من يراكِ ولا يجيئكِ عاشقاً قد طلّقَ الدنيا فِراقـــا ؟….
أ لطفلةٍ بدأتْ تُغسّلُ شعرها مما علاهُ من الغبارِ
تهيجُ عاصفة ٌ ونارْ ….
تأتي إليها الطائراتُ
وتفتحُ الأرضُ المصانعَ للقنابلِ والرصاصِ
وينظمُ الأشرارُ قافيةَ الدمارْ ….
سحبٌ من السارينِ تمطرُ في دمشقَ
وينثرُ الأشرارُ كيماويّهمْ
حتى ترى لونَ الجلود كأنها وردُ الدهانِ
وسورةُ الرحمنِ والتكويرِ كافيتانِ للمسكونِ في أثرِ الدمارْ …
يا ربُّ صرنا مشهدَ العرضِ الأخيرِ
لمنْ أرادَ إلى دلائلهِ حضــورا ….
درعا : فلا نام الشقيُّ على جنايتهِ قريــرا …
درعا تسيرُ على أصابعها لكي لا توقظَ الأشجارَ
فالطيرانُ يقصفُ همسةَ الأوراقِ للأغصانِ
يقصفُ بُحّةَ الأولادِ للجيرانِ
يقصفُ طرقة المسمارِ بالجدرانِ
يقصفُ كلَّ سنبلةٍ تخبّئُ داخلَ الأرضِ الجـــذورا ….
اللهُ يا درعا …
من يمسك الرجعى ؟
من يمسكُ الرجعى طـــيورا ؟
من يمسكُ الرجعى لحمصَ وينثرُ الرؤيا بـــذورا ….
-7-
في أيّ جيبٍ من جيوبِ الغيبِ ندفنُ صوتنا
نحميهِ من قصفِ المدافعِ
كلُّ ثانيةٍ تصيحُ الأرضُ من زلزالِ برميلٍ تعلّمَ كيفَ يجعلنا قشــورا …
قفزٌ مظليٌّ وتدريبٌ
ولكنْ بالبراميلِ المدرّبةِ الجريئةِ
والجوائزُ ما تجودُ به الجنائزُ
والمباني والمخابزُ
قد ملأنا الكونَ من شهدائنا
والقائدُ العربيُّ يملؤهُ شخيــرا ….
وتطولُ قافيةُ الدمار بكاملِ الأشعارِ واللهجات
أمريكيّة ٌروسيةٌ عربيةٌ غربيةٌ
وغناءُ فارسَ
قدْ رأينا كلّ أشكالِ الشعوبِ بجسمنا
والكلُّ يقتلُ باسمنا
حربٌ تدور على العمائمِ والدشاديشِ القصيرةِ
أينَ يا أينَ الفرارْ….
هل يصبحُ السوريُّ كتلةَ صخرةٍ تهوي إلى ما لا قرارْ …
أمْ يختفي من كل أجزاءِ الوجودِ ليشبعَ العربُ انهيارْ ….
جوعٌ لتدريبِ الخيالِ على الحقائقِ
مسرحيّاتٌ لترويضِ الرقابِ على المشانقِ
قصّةٌ للموتِ يكتبها الشهيـــدْ…
في كــفّهِ عرسٌ وعيــــدْ …
يا مأتمَ الحرفِ الفقيدْ ….
ها نحنُ نُهزمُ من جديدْ ….

-8-
مصرٌ وما يجري بماء النيلِ من أصداء ِ شعبٍ ثائرٍ
طلبَ الحياةَ فردّه الباغونَ زورا ….
مصرٌ وما في القطنِ من غيمٍ ربيعيٍّ يظلـّـلُ قامةَ الفلاحِ
يحميها من الريحِ التي نفثتْ سعيـــرا …..
مصرٌ وأَيــدٍ متعباتٌ من هتافِ الأمسِ
تكتبُ في صناديقِ الحياةِ ضميرَها
حتى إذا جنَّ الظلامُ تحوّلَ الصندوقُ سجناً والضميرُ غدا أسيرا……
مصرٌ وأسوارُ الموانئ تمنعُ الأمواجِ عن صلبِ المساجد والكنائس
مَنْ يصونُ قداسة َ الدنيا إذا ما سورُها أمسى كســيرا…
اللهُ يا مصرُ التي عجنتْ بوحلِ النيل جيناتِ الشعوبِ
وخمّرتْ للخلقِ أسرارَ الغيوبِ
ولم تذرْ من سيرةِ الإنسانِ ذرّاً أو نقيــرا …..
يا أخوتي في مصرَ : في شريانكمْ بقيتْ بقيّةُ لأمةِ العربيّ
والقمرِ المزخرفِ بارتعاشاتِ النبي مع الملائكِ
وهو يفرِغ ُ
صفوةَ الملكوتِ في نهرِ الحياةِ
فأنبتتْ في الكونِ نورا ….
يا أخوتي في مصرَ : لا تستيئسوا ..
وتحسّسوا .. من نظرةِ العربيّ في الصمتِ الثقيلِ
لعلّها بدأتْ نفيـــرا ……
-9-
من تونس الخضراءِ لليمنِ السعيدِ
جنازةُ الحرفِ الشهيدْ ….
بلقيسُ تكسرُ تاجَها ….
قرطاجُ تحرقُ في دمي أبراجَها …
بلقيسُ تسقطُ في كمينِ الأسرِ
يأخذها جنودُ الليلِ في وضحِ النهارِ
ويعبرونَ على الرمالِ من الجزيرةِ
نحوَ أطلالِ العراقِ
وينتشي كسرى ابتهاجا ….
بلقيسُ تسقطُ في كمينِ الأسرِ
تندثرُ القلاعُ
تسلّمُ الأسوارُ رايتَها
وينقطعُ النخاعُ
وتفقدُ الأشجارُ قامتَها
وتنصدعُ السدودُ
ويدفعُ العربُ الخــَراجا …..

-10-
قلبي على تونسْ
من واقعٍ مومسْ
لا كوكبٌ يؤنسْ
أو زهرةٌ تهمسْ
لحبيبها المفلسْ …
لا ساحلٌ يحرسْ .
لا ساحلٌ يحمي زخارفَ أحرفٍ نقشت بلحمي
من رسوماتِ السرابِ …
لا طائرٌ تبعَ القوافلَ وهي تحملني إلى جهةِ الهباءِ
لعلّهُ يجدُ اغترابي …..
أصغي إلى قرطاجَ – لا بالأذنِ بلْ الجرحِ – أسمعُ جرحها يبكي عذابي ….
يختلُّ وزنَ الخوفِ في شعري الرتيبِ إذا طرقتِ بحبّةِ الزيتونِ بابي ….
يا تونسَ الخضراءِ يا شبقَ النسائمِ والروابي …
شقّي عبابَ البحري نحوي
واحملي من ساحلِ اللاتينِ مسكاً فاحَ من أبناءِ أختكِ
في قبورِ الماء
وامتزجي بألحانِ انتحابي ….
يا تونسَ الخضراءَ يا طهرَ الترابِ
-11-
يا مأتمَ الحرفِ الشهيدْ
كم نحنُ نُهزمُ من جديدْ
في ليبيا تقفُ الجنازةُ
كي ترى تابوتها المنقوشِ بالألقابِ والأنسابِ
أصبحَ في كواليسِ السياسيةِ منبراً يمشي إلى الغولِ الصديقِ
ليبتغي منهُ اعترافــــا….
في ليبيا يأتي الضيوفُ من النيازكِ
يجلسونَ على الأرائكِ
يبصرونَ الأرضَ تعشقُ رملــَها
والريحُ تحضنُ نخلَها
فيعسعسون مع الحوالكِ
يدخلونَ إلى وريقاتِ العرائشِ والسنابكِ
ينفثون سمومهم
لا يدخلونَ بذرّةٍ إلاّ وبثّوها اختلافــــا ….
في ليبيا
قمرٌ يسامرُ ساحلَ الجرحِ الطويلِ
يفيضُ أحلاماً خفافـــا ….
وأنا المجرّدُ من سماءِ الأمنياتِ
فدّثريني في حنينِ النخلِ واكسيني لِحافـــا ….
هي ليبيـا :
هي من تزاوجُ بينَ ريشةِ عازفٍ بالشامِ والوترِ المعلّقِ في مراكشَ
ليبيا عقدُ العروبةِ حينَ ينقطعُ انتصافــا …
-12-
يا أيــّها الحرفُ الشهيدُ
تركتني ومضيتَ تخلعُ عن قصائدكَ التمائمْ
فجّرت صوتكَ في دمائي واسترحتَ مع الحمائمْ
حمّلتني وتركتَ خلفكَ رايةَ الشعرِ المليئةُ بالهزائمْ
أأشكّها في ساحةِ الموتى وأبحثُ عن مدىً في الغيبِ حالمْ ؟
أمْ أستقلُّ قصيدتي وأطوفُ في شجرِ الأراكِ وغرسةِ الزيتونِ
أبحثُ صدى همسٍ يقاومْ ؟
يا أيها الحرفُ الشهيدِ تعالَ وانهضْ بي
تعال َ وكوّرِ الكلماتِ في شعري كواكبَ من أماني
وتعالَ واشددني بكاملِ نشوةَ الحلمِ المسبّحِ في رؤاكَ
تعالَ وأحللْ عقدةً ربطتْ لساني
أرمي على اسطنبولَ أعصابي لأحميَها
وأبعدَ سورَها عن أفقِ زرقاء اليمامهْ…
فهناكَ في الحجرِ الدفينِ تنوحُ نيرانٌ وهامهْ …
نجمٌ سيسقطُ من علوّ البرجِ إنْ لم ينتطقْ جنحي حصان ِ ….
الله يا اسطنبولُ يا ظلَّ الأماكنِ في محطّاتِ الزمان ِ ….
لا تكشفي لرؤاي سترَ المسرحِ المشحونِ بالأهوالِ
وامتشقي سيوفَ البرقِ
واحمي عرشكِ الموجودِ في جرسِ الكنائسِ والأذانِ ….
اللهُ يا إسطنبولُ كم أجدُ الهويّةَ حينَ أبصرُ زهرةَ التوليبِ تنقشُ حرفي المهجورِ
كمْ أجدُ الأماني ….
ما زالَ في إسطنبول شعر أبي يُمشّـَطُ بالرياحِ على روابيها طويــلا
ما زال صوت الروحِ يدوي منذ قرنٍ في ملاعبها صهيــلا
يا جنّةَ اللهِ الجميلةَ جمّعي سُحـَـبَ النهايةِ في كياني ….
-13-
هذا شَرارُ النارِ يبرقُ من دمِ الحرفِ الشهيــدْ
شقّوا بهِ بحرَ الجلـيـــدْ
سمّوه شعراً إنْ أردتمْ
سمّوه نثراً إنْ رغبتمْ
سمّوه قرباناً لعيــــدْ
فهو التماعُ البرقِ في أحداقكمْ
وهو العواصفُ والرعـــودْ …
هذا جنونُ الأرضِ ينزفُ من دمي …
هذا بخارُ الروحِ يقطرُ من فمي …
هذا نهايةُ ما جمعتُ من الصورْ …
من عالمِ العربِ التليـــدْ…
هذا جناحُ الصبرِ يضربُ في الوترْ …
ليهيجَ في دمنا النشيـــدْ …
هذا غناءُ حبيبتي ووشاحُ أمي وانفجاراتُ الوريـــدْ …
فلتلبسوهُ وتحملوهُ وتطعموهُ ليومنا الآتي الوليــدْ ….
فالشارعُ العربي يصبحُ شارعاً متنافراً بذهابهِ وإيابهِ
وعلى رصيفِ الجانبينِ تناثرُ الأشلاءِ حينَ نشاءُ أنْ نبقى عبيـــدْ …
والشارعُ العربيُّ حينَ نشاءُ نهرٌ حالمٌ في عالمِ العربِ الوليـــدْ …
يا أيها الحرفُ الشهيـــدْ …
هل سوفَ ننهضُ من جديـــدْ .
في عالمِ العربِ الجديـــدْ …..

السلطة الرابعة : شعر: فاروق شريف

شارك