السلطة الرابعة : فواز تللو … اشتقنا لَك يا شام …

السلطة الرابعة : فواز تللو … اشتقنا لَك يا شام …

 أشتاق للشام، ولكل ما هو شامي، أشتاق إلى الإسلام الشامي الملون كقوس قزح، وإلى رمضان الشامي، أرأيتم يوماً شهراً له روح وجسد وصوت، هو رمضان الشامي، أشتاق لأهل الشام ودمشق المعتقة حيث التكايا والزوايا والأسواق والحارات والأحلام، أشتاق إلى الشام حيث تجد ما بين الجامع والجامع جامعا ثالثا ينافسه بالتاريخ والأذان بأصوات رائعة شامية لا تخطئ لكنتها الشامية أذن ولا تجد لها مثيلاً في العالم، في جوقة رائعة يتداخل فيها الأذان بين المساجد التي تتنافس كما فرقة سيمفونية،

أشتاق إلى “التذكير” (التدكير بالشامي) ما بين مغرب وعشاء يوم الخميس وقبيل الفجر، أشتاق لروح الشام التي تجمع منشدين صوفيين ومشايخ شوافعة وأحناف وسلفيين شوام، حتى السلفيون الشوام مختلفون يدركون غنى الاختلاف والتنوع الشامي وآدابه، أشتاق للشام التي لا يتذكر فيها من دخلوا الشام بحثاً عن أمان فقدوه في بلادهم، أو مروا بالشام صدفة فوقعوا في حبها، حيث لا يتذكر الكردي والعربي والبوشناقي والألباني والشركسي والأرناؤوطي والتركماني وغيرهم كثير، لا يتذكر إلا أنه شاميٌ أولاً ثم يأتي أي تعريفٍ آخر.

أشتاق “للفيجة” (منهل الماء) في الأسواق العتيقة والصالحية والحدائق الجديدة التي كنا نحلم بها وشمس الصيف والشوب (الحر) يلهبنا، أشتاق لأسواق الشام العتيقة حيث هناك سوق لكل حلم، تصوروا أن هناك سوقاً اسمه “تفضلي يا ست”، والبزورية والطويل والصاغة والعصرونية والسروجية وغيرها كثير،

هي ليست أسواقاً بل كرنفالات حية مستمرة لا تنتهي، وهل يعرف معنى “القباقيب وغزل البنات والسكر المطعم” وسحر سوق البزورية إلا أطفال الشام، يوم لم يكن من “أكلة طيبة” غيرها حتى دخلت الحضارة عبر خلطة “البسكويت الجديد مع الراحة العتيقة” لتسود هذه الخلطة ساحة الطفولة الشامية لفترة طويلة قبل دخول باقي الحضارة، أشتاق لباب الجابية وباب السريجة والقنوات حيث ولدت، حيث البيت الشامي العتيق وحيث كنا “نزور” لأيامٍ عند أقربائنا من وقت لآخر لنكتشف معنى حياة الحارة والشام المعتقة لتبقى في دمنا وروحنا وتصبح حلماً لنا في جنة الله،

اشتقت للبيت الشامي حيث الصباح الشامي والستيتية التي نصحو على هديلها وممنوعٌ المساس بها، وأرض الديار والبحرة ونافورتها الصغيرة حيث لأصوات قطرات الماء البسيطة القليلة المتساقطة صوت كما عزف القيثارة، اشتقت للحارة الشامية العتيقة الهادئة حيث تكتشف صوت خطواتك، نعم للخطواتنا في الحارة القديمة الجانبية غير المزدحمة صوت ولحن جميل مسموع، اشتقت لسيران “حمام السوق” الشامي وطقوسه وأكلة المجدرة مع المخلل والغلاظة التي تتفتح لدينا كلما دخلناه بينما يضحك منا أطفالنا وهم يرون آبائهم المحترمين وقد نزعوا الأقنعة وعادوا أطفالاً لكن “بغلاظة الكبار”، أشتاق للسوق الشامي حيث الخير في كل زاوية،

أشتاق لباب السريجة وباب الجابية والشريبيشات حيث يتحول متران مربعان من الخضار والفواكه والمخلل والزيتون والأجبان إلى لوحة فنية، أشتاق إلى باعة ينادون بالشعر والسجع والطباق والجناس على بضاعتهم بما يعجز عنه خيال الشعراء، أشتاق إلى اسواق الخير الكثير والسعر القليل والابتسامة المجانية وكلمة “معوضين” من البائع، وكلمة “الله يجبر عنك” من الشاري.

أشتاق للمزرعة والمهاجرين وركن الدين والشيخ محي الدين والجادات، حيث غيرت الحارة القديمة لباسها بآخر جديد لكنها احتفظت بكثير من روحها وأهلها وأنسها، حيث كما في الحارة العتيقة الكثيرون يعرفون بعضهم ويعرفون الدكان باسم صاحبه، حيث بقي الخير كثيراً وشامي المذاق والروح، أشتاق للعيد في المهاجرين يوم كانت العيدية اليومية ليرتين مقابل الخرجية المعتادة “فرنكين” خارج الموسم،

أشتاق للعيد الشامي الذي بقي كما هو منذ الأزل في الحارة القديمة ثم في الحارة الجديدة، في المهاجرين حيث تتزاحم المراجيح والباعة ونحن، فلا يبقى من مكان للسيارات، حيث نمر بين المراجيح الطائرة وننجو حتماً ببركة الله للشام وأهل الشام، حيث يتحول دكان مصلح البوابير إلى مسرح وعماله إلى ممثلين، وتتحول الرحلة إلى آخر الخط في صندوق “السوزوكي والهونداية” المفتوح إلى رحلة سياحية كما قطار الزبداني “السريع” الذي كنا نقضي فيه معظم السيران ذهاباً وإياباً،

أشتاق للعيد في المهاجرين والمزرعة وركن الدين والشيخ محي الدين حيث نشرب ذلك الشراب الملون بلا اسم، ونأكل البليلة والبوظة وأشياء لا أعرف لها اسماً، وببركة الله للشام كانت تمر الأمور بلا خسائر صحية، حيث تتنافس “البسطات” وحيث نفتح معارك الفتيش والفلين والصواريخ النارية،

حيث يصبح لطعم سندويشة الفلافل من العيدية طعم آخر مع أنها من نفس المحل الذي ناكل منه منذ زمن بعيد، ففي العيد نحن أصحاب القرار، ندفع ونختار السندويشة ومحتوياتها دون تدخل من الكبار، أشتاق للشام في العيد عندما تخلو تقريبا إلا من أهلها فيصبح كل شيء مختلفاً وأقل ازدحاماً وأكثر حميمية،

المكان والأشخاص، كما الحارة العتيقة. أشتاق لرؤية عشرات النساء وقد لبسن “غطا الصلاة الأبيض” يسارعن مع رجالهم بالجلابيات والقمباز لصلاة التراويح بصمت تحت أضواء الليل الخافتة، أشتاق إلى خير الشام وبركة الشام في كل تفاصيل حياتنا، أشتاق إلى فن الحياة الشامي، وفن الطبخ الشامي الأعظم في العالم، أشتاق لمطبخ رمضان والناعم والتمر هندي وحلويات القشطة “القشاطي” التي لا تعرف لها مثيلاً في العالم، أشتاق إلى قبيل الإفطار حيث الجميع مستعجل ومتوتر، وأشتاق لما بعد الافطار حيث يتعدل المزاج،

أشتاق إلى زمن الراديو ساعة الافطار حيث يحلق خيالنا في ما نسمع، أشتاق إلى الشامي المبتسم النشيط الصبور الذي يعشق العمل ودعوته الأثيرة في كل الاحوال “الله ساترها ومفضل علينا”، أشتاق إلى الدعوات الشامية الأكثر استعمالا “الله يعمي عنك – الله يستر عليك – الله يرزقك”، أشتاق إلى الشامي الذي يعرف قيمة “النعمة” ويحترمها ولو كانت كسرة خبز فلا يرميها مهما كان غنيا، الشامي غير المبذر مهما كان غنيا،

رحمكم الله، فبزر البطيخ كان للتحميص، وقشر خضرة المونة للفلاح الذي يبيع بضاعته على حماره، وبقايا العنب وخل قشر التفاح للخل، وأخيراً تلك العادة الشامية المتأصلة جينياً “وضع أكياس النايلون تحت الفرشة لأنو حرام نرميها” حتى لو لم نكن نحتاجها،

وتنكة السمنة الفارغة لزراعة الخبيزة والياسمين، وبقايا العلب الزجاجية للسقيفة. أشتاق لإفطار رمضاني شامي تجتمع فيه العائلة الكبيرة حول مائدة لن تجد مثيلها في العالم، حيث يحظى كبير العائلة بـ “لب” البطيخة التي بردت طوال النهار في “بحرة” المنزل أيم زمان وفي البراد اليوم،

أشتاق لذلك الشامي الذي عليك أن تترك نصف معدتك خالية تحسبا “لكم يمين” سوف يحلفها (يقسم بالله) عليك لتؤكل من هذا اللون ومن ذاك في النهاية، أشتاق لسحور شامي مفاجئ تجتمع فيه العائلة بملابس النوم في بيت أحدها على صوت الراديو والأناشيد الصوفية من الجامع الأموي، أشتاق لصلاة العيد في “آخر الخط”، ولقاءات العائلة الكبيرة التي باتت نادرة، أشتاق إلى بركة كلمة “الله يرضى عليك يا حق” من أمي أو أبي أو ستي أو من خالة أو عمة،

أشتاق لقراءة الفاتحة لهم وقد انتقل معظمهم من الحارة القديمة والجديدة إلى الحارة الشامية الأبدية والعريقة كالشام، إلى “تربة باب الصغير” الشامية الهادئة حيث شواهد قبورها أهم كتابٍ لتاريخٍ الشام والإسلام والعالم. يا حبيبتنا يا شام، “اشتقتيلنا واشتقنالك يا شام”، وأكيد و بإذن الله “جايينك يا شام”.

السلطة الرابعة : ألمانيا : الشامي المشتاق. فواز تللو

شارك