السلطة الرابعة : فواز تللو : فشل الانقلاب ووُلدت تركيا الجديدة وانقلبت معادلات المنطقة !

السلطة الرابعة : فواز تللو : فشل الانقلاب ووُلدت تركيا الجديدة وانقلبت معادلات المنطقة !

نعم، هو انقلاب فاشل في تركيا، لكن فشله من جهة أخرى مثل بداية انقلابٍ ناجحٍ في معادلات داخلية تركية وإقليمية وعالمية كبيرة، انقلابات بدأت بحدث الثورة السورية وتمر اليوم بحدث فشل الانقلاب في تركيا الذي مثل قنبلة نووية في قلب معسكر التحالف الشيطاني “الإيراني الروسي الأوبامي العالمي الطائفي” المتآمر على “قلب الأمة” في المنطقة متمثلةً بأكثريتها “السنية العربية والتركمانية”، ساعياً لتوريط الأقليات من الطوائف والقوميات عبر تجنيده لعملاء يثيرون نزعات أٌقلوية طائفية وقومية وعبر استخداماتٍ ذرائعية لإرهاب داعش الذي سيتم القضاء عليه بعد استنفاذ أغراض هذا التحالف الشيطاني.

هل كان الانقلاب متوقعاً؟

سمعت تحليلاً ساذجاً يقول “أن اكثر السياسيين تشاؤماً لم يكن يتوقع هذا الانقلاب”، وفي الحقيقة لم أسمح تحليلاً أكثر سذاجةً من هذا، فبأبجديات السياسة كنا نتوقع انقلاباً عسكرياً في تركيا بعد تكرار تركيا العدالة والتنمية لأخطائها وترددها في الملف السوري بضغوط أمريكية حتى باتت عاجزة عن التدخل حتى بعدما وصل بلل الإرهاب الداعشي والكردي الأوجلاني إلى عقر دارها، تعجز عن الرد على داعش في قواعدها في سوريا بأوامر أمريكية، وحزب العمال الإرهابي يشعل المناطق الكردية في تركيا دون أن يستطيع الأتراك الرد عليه في قلب مشروعه المتمثل بكانتونه المحتل لشمال سوريا والذي شكل أول إنجاز حقيقي سياسي/عسكري له بعد أن وُلد وبقي طريداً في جبال قنديل منذ تأسيسه.

الانقلاب في تركيا كان متوقعاً، وحذرت من ذلك شخصياً علناً وبشكلٍ واضح مباشر إلى درجة الصدمة لمن يعنيه الأمر خلال السنتين الأخيرتين عبر كتابات ومقالات ومداخلات إعلامية، محذراً السعودية والخليج من سقوط مريع لأنظمتها وبلادها بيد معسكر ملالي إيران برعاية أمريكا أوباما نتيجة ترددهم وأخطائهم في الملف السوري (خاصة) المشابهة لأخطاء تركيا العدالة والتنمية وأردوغان الذي حذرت من مصير له مشابه لمصير مندريس عام 1960، فإسقاط مشروع تركيا العدالة والتنمية السياسي الحضاري الإسلامي التنويري ونزع أوراق تأثيرها وقيادتها في المنطقة كان من أولويات تحالف “أوباما بوتين ملالي إيران” كل لأسبابه، لتبقى المنطقة تحت رحمة “إيران إسرائيل” بعد خروج تركيا وإضعاف السعودية فإسقاطها، بإغراقها عبر منعها من وقف التمدد الإيراني في شبه الجزيرة العربية، وتشويشها عبر المعسكر العربي الرسمي المتبعثر والمخترق والضحل ذي الأهداف الرسمية الوضيعة حتى الغثيان.

أهمية الموقف من المسألة السورية في تحفيز الانقلاب

كذلك الثورة السورية أم المعارك في المنطقة والعالم اليوم، لا يمكن إسقاطها استراتيجياً دون إغلاق البوابة التركية الجيوسياسية/عسكرية الوحيدة المفتوحة، حيث في سوريا تدور معركة “هيرمجيدو” كما يتصورها هذا التحالف العالمي الإرهابي كحرب عالمية ثالثةٍ طائفية “أمريكية/أوبامية – روسية – إيرانية – إسرائيلية” في وجه “الأمة” في المنطقة، وحيث في سوريا وبانتصار أو هزيمة ثورتها يتحدد مصير هذه الحرب العالمية الثالثة عبر مخلبها ملالي إيراني والميليشيات الأقلوية الطائفية والقومية التي تدعمها، حرب بدأت عملياً في العراق فسوريا فاليمن والموقف الأمريكي الأممي الغربي معروف منها، مستعينةً بالمخلب الإيراني الذي يُراد له مساعدة إسرائيل “المنعزلة والمعزولة” في السيطرة على المنطقة.

مشروع سيطرة “إيران وإسرائيل” على المنطقة هو مشروع أوباما ويقوده شخصياً منذ وصوله للبيت الأبيض ولا مجال هنا للتفصيل في شواهده ومعالمه، وهو ما استدعى أوباما استعجال الانقلاب في تركيا قبل مغادرته منصبه كما يستعجل لوضع نهايات وتثبيت وقائع وتحالفات في المنطقة لا يستطيع من يخلفه العودة عنها، لذلك جاء التدخل الروسي الجنوني وإطلاق يد إيران رسمياً في سوريا والدعم العسكري والسياسي “الدولي” لحزب العمال لكردي الإرهابي في سوريا وإعادة تأهيل النظام الأسدي الطائفي الأقلوي أممياً عبر مسار دي ميستورا، وطبعاً استكمال تهجير سنة العراق لتغييره ديموغرافياً بشكل دائم بعد تحويلهم إلى لاجئين كما يجري في سوريا، وأخيراً كان الانقلاب الفاشل في تركيا كسهم مستعجل آخر (وربما الأخير) من جعبة باراك حسين أوباما الراحل عن منصبه إلى مزبلة التاريخ كما ستظهر لا شك الوقائع في السنوات القادمة.

تأثير فشل الانقلاب على السياسة التركية الداخلية

فشل الانقلاب في تركيا يعني داخلياً أن إمكانية نجاح أي انقلاب آخر بات صعباً جداً مهما ساءت الظروف الداخلية والخارجية مستقبلاً، فلا انقلابات بعد اليوم ولا إسقاط لمشروع العدالة والتنمية داخلياً كنموذج حضاري اقتصادي اجتماعي سياسي إسلامي تنويري بل ترسيخه ديموقراطياً، والجيش التركي الذي سقطت هيبته داخلياً بفعل رد الفعل الشعبي الكبير والسريع وانتصار الشعب المباشر غير مسبوق عليه بالتعاون مع أجهزة الشرطة المحلية، هذا الجيش التركي بات في موقع الدفاع بعد أن شارك في الانقلاب أو صمت عنه الكثير من ضباط المستوى القيادي الثاني وبعض المستوى الأول حيث يُقدر عدد المتورطين مباشرة ًبـ 30% من المؤسسة العسكرية على الأقل والرقم في تصاعد، ناهيك عن الصامتين منهم (كضباط) والذين كان من المنتظر انخراطهم بالانقلاب لو ظهرت ملامح نجاحه، لذلك ستعمل الحكومة على تقليم أظافره عبر حملة تطهير كبيرة لا قبل له بالاعتراض عليها لإعادته إلى ثكناته وإخضاعه للقرار السياسي بشكل نهائي ومثله المؤسسة القضائية الدستورية.

لماذا فشل الانقلاب؟

أيضاً الشعب التركي وأحزاب المعارضة والإعلام ومنظمات المجتمع المدني (خاصة المؤسسة الحزبية للعدالة والتنمية التي ظهرت أهمية تنظيمها وتحركها المنظم والسريع لتعبئة الشارع)، كل هؤلاء أدركوا قيمة تأثيرهم بعد أن قادوا ونفذوا عملية إفشال الانقلاب بشكل سريعٍ ومنظمٍ ليثبتوا أن الشعب التركي دخل مرحلة النضج الحضاري والديموقراطي وبات يقود السياسة والسياسيين الذين لم يكونوا قادرين على أي رد بدونه، فعلى سبيل المثال لا الحصر لو لم يحرر الشعب مطار أتاتورك ما استطاع أردوغان العودة، ولو لم ينزل للشوارع متحدياً الجيش لنزلت قطعات عسكرية أخرى وتمددت سيطرتها إلى نقاط استراتيجية حيوية، ولو لم تتمرد بعض المؤسسات الإعلامية لما استطاع أردوغان والحكومة الظهور معلناً فشل الانقلاب، ولو لم تعلن أحزاب المعارضة رفضها للانقلاب لما ترددت باقي المؤسسة العسكرية في المشاركة في الانقلاب ولما توحدت المؤسسة الأمنية والشرطية في وجهه.

كل هذه كانت خطوات حاسمة لم يكن ليسقط الانقلاب بدونها خاصة في الساعات الأولى للانقلاب حيث حرب الإشاعات والإيهام بالسيطرة التامة للانقلابيين هي الفاصل في نجاحهم لا القوة الحقيقية لهم، ولابد من الإشارة هنا إلى الانعكاس الإيجابي لموقف أحزاب المعارضة الرافض للانقلاب على الحياة السياسية والعلاقة بين أحزاب المعارضة من جهة وحزب العدالة والتنمية الحاكم من جهةٍ أخرى، ليحد الأخير من محاولة الاستئثار بالسلطة ومركزتها وتحد أحزاب المعارضة من مواقفها الحادة التي فهمها العسكر ضوءاً أخضر لانقلابهم.

أين وكيف سيستعيد الجيش التركي صورته المنهارة وما دوره المستقبلي؟

سيكون الرد الممكن للجيش التركي لإعادة الاحترام له عبر إطلاق يده في ملف حزب العمال الكردي الإرهابي في تركيا على المدى القصير وفي سوريا على المستوى القصير والمتوسط، وإطلاق يده في ملف داعش في سوريا بغض النظر عن اعتراضات أوباما وبلطجة بوتين وجعجعات إيران، وهو ما سيمثل للمفارقة أيضاً فرصة للكرد في تركيا للانفضاض عن هذا الحزب الإرهابي ومشروعه تلافياً لخسارة الكرد الحقوق التي سبق للعدالة والتنمية إنجازها لهم، ومثل ذلك للكرد السوريين الذين أغرقهم هذا الحزب الإرهابي العميل المباشر للتحالف “الإيراني الأسدي الروسي الأمريكي الإسرائيلي”، أغرقهم في أوهام قومية انفصالية سيصحون منها عبر صدمة وخسارةٍ كبيرة في أول منعطف دولي بعد ولادة تركيا الجديدة ما بعد فشل الانقلاب.

الرد التركي على المواقف الدولية الملتبسة من الانقلاب

تأخر الرد الغربي “الأمريكي/الأوروبي” على الانقلاب بانتظار نتائجه وبعض التصريحات الخبيثة الملتبسة والموقف الروسي والإيراني وأذنابه في المنطقة، والحرب الإعلامية التي شارك بها بعض الإعلام العربي المشبوه في حرب ِالاشاعات الحاسمة في ساعات الانقلاب الأولى لترسيخ وهم نجاحه وإسقاط الدفاعات وردود الأفعال الداخلية تجاهه، كلها مواقف إقليمية ودولية ستعيد للسياسة التركية الخارجية واقعيتها بعد اكتشافها بأن كل ترددها وخضوعها للأوباما والتنازلات (وخاصة الأخيرة) التي قدمتها في الملفات الإقليمية لم تكن كافية وأن الهدف النهائي هو إسقاط تركيا العدالة والتنمية ومشروعها المحلي والإقليمي والحضاري، وإعادتها إلى تركيا العسكر بدائرتها ودورها الصغير كتابعٍ خادمٍ للسياسات الدولية مع اقتصاد فاسد ضعيف، وصدمة تركيا العدالة والتنمية اليوم بهذه المواقف الدولية والإٌقليمية المعادية حتى النهاية لها من المفترض أن تدفعها لإعادة النظر في سياساتها الإقليمية لتتحول من الدفاع والخضوع والتنازلات إلى الهجوم، وهو ما سينعكس قريباً استراتيجياً وإيجابياً وتدريجياً “سياسياً وعسكرياً” على الثورة السورية، وسلباً على الاحتلال الإيراني والنظام السوري والعميل الكردي الأوجلاني في سوريا.

لماذا الرد سعودي على فشل الانقلاب؟

كذلك إن الصحوة التركية واكتشاف حجم المؤامرة من قبل هذا التحالف الشيطاني على تركيا العدالة والتنمية خاصة وتركيا عموماً، من المفترض أن ترافقها صحوة عربية بقيادة سعودية لأنها باتت تدرك أنها في نفس الخندق التركي وينتظرها نفس المصير على يد نفس الأعداء بنفس أهدافهم وعبر نفس الملفات الإقليمية، وأن التنازلات لا تجدي مع هذا الحلف الشيطاني بل المبادرة للهجوم والتمرد لإنقاذ شعوبها وأنظمتها والمنطقة من السقوط، وهو ما يفترض مواقف “سعودية” هجومية سياسياً وعسكرياً بأشكال مختلفةٍ في الملفات الإقليمية في سوريا والعراق واليمن ولبنان وسوريا خاصةً (عبر تسليح الثورة)، وليقوم المحور السعودي أيضاً بلجم بعض المواقف العربية المشبوهة وإعادة النظر بالمواقف من بعض الأنظمة بشكل جذري.

أخيراً، وبعد فشل الانقلاب، المنطقة إلى أين؟

وُلدت الثورة السورية فبدأت رحلة ولادة جديدة للمنطقة والعالم، وفشل الانقلاب العسكري في تركيا فوُلدت الجمهورية التركية الجديدة بديموقراطية ونموذج حضاري راسخ وُولدت معها سياسات وتحالفاتٌ ووعيٌ إقليمي جديد، وستولد معها قريباً مرحلة جديدة في الثورة السورية والربيع العربي ومستقبل المنطقة، مرحلة ومواجهة صعبةٌ لابد منها للعبور إلى المستقبل ودول الديموقراطية والحرية والقانون والدستور وحقوق الإنسان كما النموذج التركي، في رحلة بدأت منذ سنوات مع بداية الربيع العربي وستستمر لسنوات وعقود وتتوالى فيها الولادات الصعبة المكلفة من خلال الاجتياز الإجباري لنفق العبور المكلف وصولاً للولادة النهائية.

السلطة الرابعة : ألمانيا : فواز تللو – سياسي وباحث سوري

تنويه : مقالات الرأي تعبر عن رأي وفكر كاتب المقال , ولاتعبر بالضرورة عن رأي ” السلطة الرابعة “

شارك