السلطة الرابعة : فاروق شريف . ما أكثر القاتلين وما أقلّ الثائرين !

السلطة الرابعة : فاروق شريف . ما أكثر القاتلين وما أقلّ الثائرين !

أيّاً كان المجرمُ ومهما كانت الظروف وكيفما يتمّ تبرير الجريمة ، لا يحقّ للسكّين أنْ تحتزّ رأساً كبيراً كان أم صغيراً في بلدي ، فكيفَ إذا كان هذا الرأسُ لطفلٍ صغيرٍ لم يتجاوز الثانيةَ عشرةَ من عمره .

تلكَ الأيدي التي امتدت بسكّينها إلى عنق الطفلِ في حلب هي امتدادٌ وحشيّ للأيادي التي طعنت زهور الطفولة في الحولة والبيضة والتريمسة وغيرها على ساحةِ الوطنِ المفتوحِ للجريمةِ بكافّةِ آلياتها ، إنّها علامةُ الانهيارِ لكلّ المنظوماتِ الأخلاقيّة عند كلّ من يظنّ أنّ بالقتلِ يمكن أنْ تبني وطناً أو تعيدَ حقّاً أو تنحتَ نصباً بطوليّاً من حجرٍ شربَ من ينابيعِ الرقابِ التي فجّرتها السكاكين.

خُيّلَ لي وأنا أشاهدُ الفيديو أنّ داعشَ تنمو كالباكتيريا في كلّ يدٍ تهتفُ بحياةِ القائدِ أو بإسقاطِ القائدِ وفي الحالتين يفيضُ سيلٌ من التشبيحِ يبرّرُ للمجرمِ فعلتهُ ويكمّ الأفواهَ التي تلعنُ الجريمةَ من تلقاء إنسانيّتها ، لتظلّ السكاكين دائماً مسنونةً حادّةً تبردُ بكلمات التشبيح والتبرير والدفاع ، وتبقى براءةُ الثورةِ وصفائها تعكّرُ بوحشيّةِ كلِّ دخيلٍ جعلنا منه رمزاً.

طفلٌ في الثانية عشرة يسحبهُ شابٌ خفيفُ اللحيةِ يتبجّحُ بالقداسةِ التي خلعها عليهِ محتكروا الثورةِ وخونةِ عهدها ، وبينَهما “أي الطفل والشاب “سكّينٌ لو كان لها جناحين لأصبحتْ طائرةً أو برميلاً متفجّراً يدكُّ المدن والأريافَ كما تفعلهُ طائرات النظام ، كيف لا ولو عدنا خمس سنوات بالذاكرةِ لتذكّرنا أنّ أول عارٍ وِصمَ به الأسد أنّه قاتلُ الأطفالِ ، فهلْ نرضى لثورتنا أنْ يكونَ في صفوفها قتلة ومصابون بمرضِ الحياةِ ، فحتى متى نظلّ نتخبّطُ في متاهاتِ الظلامِ ونحنُ نرى المدينةُ تلوَ المدينةِ تصيرُ رماداً دونَ أنْ نتعلمَ أنّ الوحشيّةَ لا تقابلُ بوحشيّةٍ مثلها .
ترى أينَ ذهبتْ هتافات الثورة وأينَ صور ا

لإنسانية والرحمة لثائرين في وسطِ الركامِ يطعمون القطط ويجعلون من فوارغِ القذائفِ مزهريّاتٍ لمستقبلٍ مشرقٍ ، رأيناهم في حمص ،درعا ، حلب ، الغوطة ، وفي كلّ بقعةٍ تهتزّ بنشيدِ الحياة ، كم نحن محتاجون لنفضِ الغبار عن بريق الثورةِ الأوّل.

كلّنا تشرّدنا وفقدنا أحبةً وشاهدنا دمار منازلنا وتهاوي أبوابنا ونوافذنا وذبولُ أزهارنا وأشجارنا وضاقت بنا الأرضُ لأننا طلبنا الحرية ورفضنا أنْ يكونَ للمجرمين مكانٌ في أرضنا الطيّبة ، لكن كلّ ذلكَ لا يتيحُ لنا أنْ نبرّرَ الجريمةَ باسمِ الجريمةِ ولا أنْ نلجأ إلى قياسِ نسبيّةِ الجريمةِ ونغفلُ عن أصلها الواحد، فالفرقُ بيننا وبينَ من يدمّر وطننا بكافةِ آلاتِ الحربِ أننا ضحايا وهو الجلاد، وما أصعبَ أنْ تكسبَ الضحيّةُ صفاتَ جلادها الآثم .

شتّانَ ما بينَ رصاصة الثائر التي تعرفُ قوانينَ الحياة ولا تسيرُ إلا بالقدرِ الذي يحمي البلادَ من وحشيّةِ القاتلِ وما بينَ رصاصةِ الفاجرِ التي تُبدِلُ بالقاتلِ قاتلاً آخراً ، فليس ما أقصدُ أنْ استهجن أكفّ الثوار النائمةِ على مقبضِ البندقيةِ ، بل أقصدُ تعريةَ أكفّ المجرمينِ عن بندقياتِ الثورة ، فما حصلَ في حلبَ على أيدي أدعياءِ الثورةِ هو سلسلةٌ من مسلسلِ الجريمةِ في بلدي بدءاً بمجزرةِ الجامعِ العمري وليس انتهاءً بكيماويّ الغوطةِ ، فــليلُ الجريمةِ طويلٌ ،ويحزّ في أنفسنا أنْ يُنسبَ شيءٌ منه إلى الثورةِ ، ولا نخشى على الثورة من شيء أشدُّ من خشيتنا عليها من أنْ تُصابُ بقسوةٍ القلبِ التي مجّتها الآيةُ الكريمة (( ثمّ قستْ قلوبهم فهي كالحجارةِ أو أشد قسوة )) ، فما أجملَ أنْ تثورَ وما أبشعَ أنْ تظلمَ.

السلطة الرابعة : فاروق شريف

تنويه : مقالات الرأي تعبر عن رأي وفكر كاتب المقال , ولاتعبر بالضرورة عن رأي ” السلطة الرابعة “

شارك