السلطة الرابعة : أحمد بركات عبدو : تركيا… أزمة مستمرة بين العسكر والمدنيين !

السلطة الرابعة : أحمد بركات عبدو : تركيا… أزمة مستمرة بين العسكر والمدنيين !

تاريخ تركيا الحديث حافل بالانقلابات العسكرية منذ العام 1960، البيضاء منها والدموية. ومحاولة الانقلاب العسكري الأخيرة ضد حكومة حزب العدالة ليست الأولى لإطاحة حزب العدالة والتنمية منذ توليه السلطة عام 2002، إلا أنها كانت الأكبر.

ما حدث لم يكن غريباً أو مستبعداً إذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقة غير المستقرة على الدوام بين الجيش التركي والحكومات المتعاقبة على البلاد، وحال العداء التي باتت علنية بين حزب العدالة وحركة فتح الله غولن التي لها أنصار داخل كل مؤسسات الدولة التركية، إضافة الى المأزق السياسي الذي كانت تمر به تركيا نتيجة بعض السياسات الخاطئة للرئيس رجب طيب أردوغان، من خلافه مع الرئيس السابق عبدالله غل، ومع صديق دربه والعقل المدبر أحمد داوود أوغلو، الى رفع الحصانة عن نواب حزب الشعوب الديموقراطي وضرب المدن الكردية بحجة الإرهاب وقمع الحريات واعتقال الصحافيين والعقلية العشائرية والفوقية في التعامل مع المعارضة السياسية الى اتهامه بالتعامل مع تنظيمات متطرفة في سورية.

وعلى رغم الخصومة السياسية فإن موقف قادة الأحزاب السياسية المعارضة الرافض للانقلاب جاء جديراً بالاحترام، ليس لحبهم لـ «السلطان» وحزبه، وانما لكونهم أخذوا مصلحة البلد في الاعتبار. لكن الغريب في محاولة الانقلاب سرعة رجحان كفة القوات الحكومية، التي اعتمدت على قوى الأمن والاستخبارات، على قوات الجيش المدججة بالدبابات والمدرعات والطائرات وعدم وقوع اشتباكات حقيقية على الأرض، فالمعروف في كل الإنقلابات العسكرية أن أصحابها لا يرفعون الراية البيضاء بسهولة.

لكنّ هناك سؤالاً يطرح نفسه بقوة: هل كانت محاولة الانقلاب حقيقية أراد الجيش العلماني من خلالها إطاحة حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية واستطاعت قوى الأمن والاستخبارات مع الحشود الشعبية التي نزلت الى الشوارع إفشال الانقلاب؟ أم أن طائرات حربية مجهولة انطلقت من قاعدة أنجرليك تدخلت وحسمت المعركة لمصلحة أردوغان لا سيما أن معركة جوية حصلت بين الطائرات؟ أم أن أردوغان رتب هذه المسرحية مع رجل استخباراته الوفي هاكان فيدان بعد أن حدد معه أسماء المسؤولين غير العسكريين من الخصوم، أما العسكريون فسيتم كشفهم خلال المسرحية للتخلص منهم؟

في جميع الاحتمالات خرج أردوغان محققاً الكثير من المكاسب، فقد أصبح الطريق أمامه مفتوحاً للتخلص من عدد كبير من الضباط لمشاركتهم في الانقلاب ومحاكمتهم وتجريدهم من رتبهم العسكرية، أما خصومه من المسؤولين في القضاء وبقية مؤسسات الدولة فسيقيلهم من مناصبهم بحجة ولائهم وانتمائهم الى حركة فتح الله غولن التي يتهمها بالضلوع في هذه العملية وتوجيه رسالة الى الجيش والرأي العام الداخلي والدولي من خلال الحشود الشعبية التي خرجت الى الشوارع والساحات وكسب تعاطف المجتمع الدولي وصرف الأنظار عن التغيير المفاجئ في سياسة تركيا تجاه بعض دول المنطقة للخروج من أزمتها السياسية وتمرير قانون يقضي بنقل صلاحيات مجلس الوزراء الى رئاسة الجمهورية وإحكام سيطرته على البلاد.

فهل ستتغير سياسة أردوغان تجاه معارضيه السياسيين، خصوصاً نواب حزب الشعوب الديموقراطي الذين رفع عنهم الحصانة من دون منحهم أدنى فرصة للدفاع عن أنفسهم؟ أم أنه سيزداد غطرسة وسيعتبر نفسه سلطاناً حقيقياً استطاع لجم المؤسسة العسكرية وردعها بالشعب، للمرة الأولى في تاريخ تركيا الحديث؟

السلطة الرابعة : أحمد بركات عبدو . الحياة

شارك