السلطة الرابعة : فواز تللو : اعتداء ميونخ – سقط إعلام العرب ونجحت ألمانيا !

السلطة الرابعة : فواز تللو : اعتداء ميونخ – سقط إعلام العرب ونجحت ألمانيا !

كيف غطى الألمان الاعتداء
تابعت خبر اعتداء ميونخ الإرهابي أمس على الأقنية التلفزيونية العربية والألمانية على التوازي، الأقنية الألمانية أخذت تصريحات الشرطة حرفياً والتي أشارت إلى عدم وجود أدلة بأن المعتدين متطرفين إسلاميين واكتفوا بعرض الوقائع والصور ولقطات الفيديو وابتعد الإعلام بناءً على تلك الوقائع بشكل كبير (إلا في ما ندر) عن الغوص في التحليلات حول تورط إرهابيين متطرفين إسلاميين وقضايا الحرب على داعش في المنطقة، مع الإشارة إلى محدودية الحيز الإعلامي للبث المباشر الذي أفردته هذه المحطات الألمانية للموضوع بسبب محدودية المعلومات التي لم تخفها الشرطة بل كانت صريحة جداً عبر متحدثها الذي واكب الإعلام بشفافية وبشكل مستمر بعيد عن التكلف فكانت إجاباته سريعة واثقة صريحة شفافة، وهو ما أشار له الإعلام الألماني اليوم عندما أشاد بهذا المتحدث في نفس الوقت الذي انتقد الاعلام بعض ما نشرته الشرطة على تويتر من بعض صور للضحايا لما قد يجرح مشاعر ذويهم.
أيضاً لفت نظري اليوم المؤتمر الصحفي لشرطة برلين من حيث وضع الحقائق والابتعاد عن التحليل والاستنتاج، والتعامل الإنساني حيث بينوا عدم ضغطهم على والدي الجاني في الاستجواب حتى يتجاوزوا مصابهم بابنهم الجاني (تصوروا ما كان حصل في بلاد أخرى لأهل الجاني) كما رفضت الشرطة إعطاء معلومات عن اسم مدرسته وغيرها من معلومات قد تعرض أقربائه ومحيطه للمضايقة.
كيف غطى الإعلام العربي الاعتداء
بالمقابل فالأقنية العربية أشارت بشكل ضمني (وخبيث) وغير واقعي إلى تكتم الشرطة عن المعلومات وأفردت حيزا كبيراً من التغطية المباشرة للموضوع ملأته بحشو الكلام وتحليلات المحللين “الاستراتيجيين جداً” من كل حدب وصوب وقد غاصوا مع مقدمي البرامج بالتحليلات اعتماداً على مخيالٍ” ارتزاقيٍ انتهازيٍ بروباغانديٍ غير موضوعيٍ”، مخيالٍ واسع جاهزٍ تحت الطلب لعرض تحليلاته وفق “ما يطلبه الجمهور والمحطة المضيفة وسياساتها” والتي قد تختلف بل وتتعارض من محطة أخرى في منطلقات أساسيات تحليل الموضوع لكنها تتفق معها في الهدف الرغبوي غير الموضوعي، بما في ذلك ما يمليه الاتجاه النمطي وموضة هذه الأيام السائدة غربياً، حيث يقوم البعض منهم بجلد مسبق للذات ليصلوا إلى ربط الأمور بكل توجهاتهم السياسية الرغبوية عبر الجزم وإصدار الأحكام وتبرير أو انتقاد سياسات حتى كدنا نصل معهم إلى مؤامرات فوق المريخ، وكل ذلك اعتماداً على معلوماتٍ محدودة لا تؤشر لشيء كما حصل في اعتداء ميونخ أمس، بل إن “صحفيا” عربياً واضحٌ من صوته المتهالك أنه كبير بالعمر ويعيش منذ فترة طويلة في ألمانيا، أشار بكل استلاب وهزيمة وانسلاخ ليس عن اصله فقط بل عن قيم ألمانيا التي استضافته سابقاً كلاجئ حيث أشار إلى “خطأ” ألمانيا في فتح أبوابها للاجئين.
أشير لخبرٍ على موقع سوري يقول أن الحادث وقع في مكان قريبٍ من موقع اختطاف الرياضيين الإسرائيليين عام 1972 على يد منظمة “أبو نضال” الفلسطيني !!!!

وأشير أيضاً لنقاشٍ عبقريٍ أمس في محطة إخبارية عربية بين مذيع ومراسله حول خصوصية مكان وزمان الاعتداء حيث أجاب (باعتباره كلي المعرفة ولا بد أن يجيب على كل سؤال) أنه مكان ترتاده الطبقة الوسطى في إشارة للفوارق الطبقية الاجتماعية في ألمانيا وأن الاعتداء تم في آخر يوم في الأسبوع قبل العطلة لضمان وجود أشخاصٍ أكثر، مع العلم أن الفوارق الطبقية في ألمانيا محدودة جداً باعتبار المجتمع بغالبيته “طبقةً وسطى” لا تنوجد فيه حساسيات طبقيةٌ بسبب طبيعة النظام الاقتصادي والتكافل الاجتماعي (التكافل الاجتماعي الألماني العمري كما أدعوه نسبة للعمرين، عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز) وبالتالي فمعظم المجتمع طبقة وسطى وكل الألمان تقريباً يستطيعون ارتياد هذا المطعم (ماكدونالد) ومعظم مطاعم ألمانيا بمن فيهم من يتقاضى المساعدات الاجتماعية، أما من اختار التشرد في ألمانيا فقد اختاره بنفسه لأنه مدمن مخدرات أو ما شابه رافضاً مساعدة الدولة له والتي لا تهمل محتاجاً فعملياً لا يوجد في ألمانيا فقراء بل مشردون اختاروا هذه الحياة بأنفسهم، كما أن من يبحث عن تجمعات بشرية كبيرة لتنفيذ جريمته كان بإمكانه دون جهد إيجاد أماكن وأوقات أفضل بكثير، وقس على ذلك كل الحوارات السفسطائية التي سادت الإعلام العربي الذي انشغل بالأمر أكثر من نظيره الألماني الحيادي والموضوعي.
كيف غطت مواقع التواصل الاجتماعي “السوري” بكل أطرافها الاعتداء
أيضاً نشط كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي، فبدأ النظام كما فعل في كل المناسبات المشابهة السابقة يطلق الإشاعات بأن الجناة لاجئين سوريين “داعشيين” وأن اوروبا تدفع ثمن عدم دعم النظام الطائفي الأسدي واستقبالها لضحاياه، وتفاعل بعض أنصار الثورة ورددوا هذه الإشاعات وغالباً حملوا المسؤولية للتطرف بشكل مسبق وبدأوا حملة جلد الذات أو الاستخدام كل من موقعه ولأهدافه: عربي معارض للنظام يعتبر نفسه متهماً في كل جريمةٍ ويسعى لرفع التهمة بكل طريقة، وكردي مؤيد للانفصاليين ومشروعهم القومجي العنصري وجدها فرصة للنيل من العرب والمسلمين باعتبار حق اللجوء حكراً عليه باعتباره انسلخ عن دينه ومحيطه وتاريخه، حق لجوءٍ لا يستحقه هؤلاء الإرهابيين الذين يهجرهم الكرد الأوجلانيين ويطردوهم من أرضهم، وعربي دخل العلمانية من ذيلها يبحث عن شهادة حسن سيرة وسلوك من محيطه الغربي عير الانخراط الببغاوي بالدعوات النمطية التعميمية التي يميل الإعلام الغربي لإطلاقها ضد المسلمين في هكذا مناسبات، ومؤيد للنظام الأسدي وملالي إيران طائفيٌ غالباً وثله الإعلام الروسي المافيوي، كلها تقول للغرب أن هذا ثمن عدم تأييد النظام الأسدي وإيران في جرائمه باعتباره حامياً لهم من إرهاب “السنة”.
لماذا ندفع نحن السوريون ثمن كل إرهابٍ في العالم
لحظة وقع الحادث الإرهابي أصبت وزوجتي بالصدمة، نعم ظننا أن هناك احتمالاً لاعتداءٍ إرهابي داعشي لكننا لم نعتبر أنفسنا متهمين، لكن عندما بدأت الاتهامات في المحطات العربية ووسائل التواصل الاجتماعي “العربية والسورية خاصة” تتوالى انهمرت دموع زوجتي قهراً وكدت أفعل، قهراً وإحساساً بالظلم الشديد الذي يلاحقنا جميعاً كسوريين، ولم يعد التوازن النفسي لنا إلا شرطة ميونخ والإعلام الألماني العقلاني، فلم يكف السوريين كل هذا الثمن الذي لا زالوا يدفعوه من أجل حريتهم فإذ بهم يحملون أوزار كل إرهاب في العالم، وإذ بهم يواصلون دفع الثمن في منافيهم التي أُجبروا عليها من جميع الخونة والمرتزقة والطغاة والأغبياء الذين ساهموا في تكبير ثمن الحرية التي نشدناها كسوريين، لتلاحق المأساة اللاجئين أينما حلوا وعلى يد نفس الأعداء والأصدقاء وبنفس المقاربات الخبثة أو الساذجة أو الانتهازية.
أخطأ بعضنا كسوريين أحياناً في المقاربات والمعالجات المشابهة وأصاب في مناسباتٍ أخرى، لكننا (وكلامي عن كل مؤيد للثورة السورية) نتحرك (بل نتخبط) باجتهادٍ شخصي دون رؤية واستراتيجية ومؤسسات بعد أن صادرت قضيتنا معارضة فاشلة وقاصرة في مجال الخبرة السياسة، يعمل كثير من أفرادها لمصالحهم الشخصية أولاً ثم “وأحياناً” تأتي الثورة، معارضة كانت أفشل محامٍ لأعدل قضية والفشل الإعلامي أكبر دليل، كما استغل قضيتنا أعداء الثورة وطابورها الخامس نتيجة غيابنا أسوء استغلال.
لا أحد شدد على أن الإرهابيين في أوروبا ليس بينهم سوري واحد، وأن من يفعلون ذلك بمعظمهم عاشوا أو ولدوا في تلك المجتمعات الغربية وينتمون لدول مستقرة بالمفهوم السياسي الدولي بل معظمهم ليسوا لاجئين أصلاً، وأن التاريخ والمشاركة الخارجية والتاريخ لاستعماري لتلك الدولة الغربية أو تلك له دور مهم في ما يجري، وأن العدالة الاجتماعية وانحسار العنصرية لها دور كبير في ذلك، فألمانيا مثلاً دولة قانونٍ وحقوق إنسان وعدالة وتكافل اجتماعي مثل الدول الاسكندنافية تنخفض فيها العنصرية كثيراً لذلك تقل الاحتمالات فيها لعمل إرهابي مع أنها الدولة الأقوى والرائدة والحاملة لأوروبا كمشروعٍ حضاري اقتصادي.
أخيراً، ألمانيا واللاجئون السوريون إلى أين
كثيرٌ هو المطلوب فعله في ألمانيا وعدم ترك الأمور للصدفة فالفرصة متاحة لمن يجتهد ولا شيء مغلقٌ أمامه والمجتمع منفتحٌ لمن يعرف كيف يخاطبه ويتقن استخدام مفاتيحه العقلانية، لكن نعم كما فعلت ألمانيا في مناسباتٍ سابقةٍ مشابهةٍ، نجحت أمس كدولةٍ وثقافةً ونظام سياسي اجتماعي اقتصادي في استيعاب اللاجئين بدرجة كبيرة (والكمال غير موجود لكن الأمور نسبية)، ونجحت الحكومة والشرطة والإعلام الألماني (نسبياً) في الموضوعية التي سقط بها الفرنسيون بجدارة، كما سقط أمس الإعلام العربي العدو والصديق بكل جدارة، وسقط بعضٌ منا كسوريين بقصد أو بدون قصد، بنيةٍ سليمة أو خبيثة، وكانت الضحية مرةً أخرى السوري “المعتر” أينما وُجد، لاجئاً خارج سوريا أو “مشروع لاجئ” داخل سوريا، ليصبح هو الجاني ولو كان فاراً من الظلم والقصف أو يعيش تحته، بينما غاب عن الصورة الجلادون رعاة الإرهاب الأسديون والإيرانيين والروس ومن والاهم وساعدهم بأي طريقة وعلى رأسهم كبيرهم “أوباما” الوجه الآخر لثقافة الكاوبوي قاطع الطريق “ترامب”.

السلطة الرابعة : برلين : فواز تللو – سياسي وباحث سوري

شارك