السلطة الرابعة : رياض درار :  المثل العليا بين العلمانية والإسلام	…

السلطة الرابعة : رياض درار : المثل العليا بين العلمانية والإسلام …

تسعى البشرية -في مسيرتها- تسعى حثيثًا؛ للاقتراب من المثل الأعلى، ومن أجل أن يقوم النظام، ويكون مقبولًا؛ أبدعت أساليب وضعية، في سبيل تكريس هذه المثل، بدءًا من التعليم، وحتى الاستفتاء الشعبي، وما بينهما، من تدوين الدساتير، وفرض سيادة القانون، والفصل بين السلطات، والتمثيل النيابي، والانتخاب السري، والاقتراع العام، وحرية الرأي والتعبير والاجتماع والكتابة والنشر والتدوين، وتكوين الجمعيات، والأحزاب، والمظاهرات، والإضراب، وبقية المبادئ التي تكرس قيم الحرية، في سعيٍ للوصول إلى أرقى إنتاج مجتمعي.

وكل دولة مدنية إسلامية، أو غير إسلامية، هي دولة تدعو إلى المثل العليا، فلا تقوم دولة مدنية بلا مثل عليا؛ إذ لا تستطيع حكومة في دولة ملحدة، أو غير دينية، أن تطلب من السلطة التشريعية -مثلًا- إصدار تشريعات تبيح الغش، أو الكذب، أو الزور، أو حنث الأيمان، أو تسمح بالإساءة إلى الوالدين، بل نجدها تأمر بالرفق حتى بالحيوان.

وفي دولة يسودها نظام الإسلام، المثل العليا حاكمة، والحرية للجميع، والمجتمع مدني بالطبع؛ حيث الجميع يأخذون حقوقهم من ميثاق اجتماعي إنساني عام، وهناك عقد بين السلطة، والشعب الذي ينتخب السلطة بنفسه.

وفق هذه المثل؛ فإن الإسلام يدعو إلى إنسانية شاملة، لكنه ليس مشروع دولة كونية، بل هو مشروع ديمقراطيات، تتعدد بتعدد المجتمعات، وتشترك في فضاء الحرية، وتعمل على اختراق الحضارات، للتكامل بينها، وللتواصل والتعارف والتثاقف: “يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”. من سورة الحجرات.

وهذا البناء يقوم على عقد اجتماعي، تتلاقى فيه العلمانية مع الإسلام الذي يعمل على تشكيل مرجعية مشتركة للجميع، على أرضية المواطنة المشتركة التي تخدم الحرية الفردية، وتقيم المساواة والعدالة الاجتماعية، وتحترم التعدد الديني، وتؤسس التضامن الوطني، على النقيض مما تكون عليه المجتمعات التقليدية، التي تقوم على القهر والإذعان، وتتصف بأنها مجتمعات عصائب وطوائف وعشائر، لا ديمقراطية فيها؛ لأن السلطة فيها مطلقة، والنخب الحاكمة فيها تتماهى مع الدولة، وتنشد الخلود لقادتها، ولسان حالها يردد: إنه ثوب ألبسنيه الله، وحاشى لاحتكار الحكم أن يكون من عند الله.

والديمقراطية من مستلزمات العلمانية، والعلمانية تلتقي مع الإسلام من هذا الجانب.

من تعريفات العلمانية: إن العلماني غير كهنوتي وغير مقدس، وفي الاسلام لا كهنوت، والقدسية لله المطلق، وكل أمر نسبي لاقدسية له، وإنما هو شأن علماني، أي دنيوي، والرسول الكريم أشار إلى هذا بقوله: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم ” [حديث تأبير النخل]، وهذه إشارة إلى معنى آخر للعلمانية، وهو المادية، بمعنى أنها قطاع من قطاعات الحياة، يشير إلى الاعتقادات والممارسات التي تقوم على العقل، والاسلام -بدوره- استند إلى العقل في اعتماد الأحكام، وما يمس حياة الناس.

يقول ابن رشد، في كتابه فصل المقال: “وإذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات، واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئًا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه، وهذا هو القياس، فواجبٌ أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي “.

والاستناد إلى العقل في إدارة الحياة الدنيا، وعليه يكون العلماني الإنسانَ المشغول بأمور المعاش في الحياة الدنيا، ويقابله الكاهن المنقطع في المؤسسة الدينية، أو الشيخ المرتبط بتحقيق المسائل الدينية؛ إذ الشيخ والكاهن لا سلطة لهما، إلا سلطة التوجيه والتذكير “فذكّر، إنما أنت مذكّر. لست عليهم بمسيطر. إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر” من سورة الغاشية.

بهذا المعنى تكون العلمانية رؤية إجرائية للواقع، لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية كمعرفة، ولا تتسم بالشمول، وتلتزم الصمت تجاه مجالات الحياة الكبرى الأخرى (المطلقات، والكليات الأخلاقية والدينية، والماورائيات)؛ ولذلك لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، بل ترى الإنسان يعيش رقعة حياته العامة وحسب، وتترك له حيزه الذي يتحرك فيه، وفي هذا لا تتعارض مع الإيمان الديني.

والدولة في النظام العلماني تقوم على الحرية لجميع أبنائها، ولا تتدخل في معتقداتهم، بل تحمي الجميع، ولا تتبنى دينًا تفرضه، أو تلزم به أحدًا.

والإسلام الذي يمتلك شريعة، تمثل ثروة قانونية شاملة لمكونات الحياة، ومن ثم يمكن أن ينبثق عنه نظام، يمكن أن يحل محل الأنظمة الحاكمة، ويتجاوزها باستيعاب الآخر، وفق ما جاء في دستور المدينة الذي أكد على المواطنة، وعلى المساواة. الإسلام -بهذه المواصفات- يمكن أن يكون سندًا أخلاقيًا لرجال السياسة، وموجهًا لأدائهم، دون أن يتدخل في ضمائرهم وما يعتقدون، إنه يوجه، ويدعم المثل العليا فحسب.

دائمًا تسيرالمجتمعات نحو المثل العليا، ولكن بسبب تجريبيتها، تطول الفترة؛ لذلك يأتي دور الدعاة إلى الإسلام لإبراز قيمة نهج الإسلام، وإمكانية سيادته في دولة مثالية، يتعايش فيها الجميع، وتُحل فيها مصالحهم المتضاربة، دون تزوير، ولا تجسس، ولا محاباة، بمعنى أن القيم العليا تجد من يدافع عنها في المجتمع، لا من الدولة، ولا من القانون، أي: مجتمع مدني، والمؤسسة الدينية جزء من فعالياته، لا من فعاليات الدولة.

فمن يعمل في السياسة، أو الصحافة، أو التعليم، وفي أي مؤسسة، يرفع شعار القيم العليا، وعليه الالتزام بها؛ لأنه يعلم أن أعين الناس مسلطة عليه، وأنه أنموذج يُحتذى؛ فتسود الأمانة، والعدالة، والنزاهة، والصدق، واحترام الآخرين.

فإذا لم يكن كذلك، عرّاه المجتمع المثالي، قبل أن يحاكمه القانون؛ فليست المثل العليا ملكًا لمن يدّعي التسمية الدينية أو السياسية. المثل العليا هي مثل إنسانية بحتة، وحين نطرح شعار “الإسلام هو الحل”، يجب أن يكون ذلك بمعنى المثل لا بمعنى اللباس، أو إلغاء الرياضة، أو منع الموسيقى، أوفرض الحجاب، أو تطبيق فقه هذا الفقيه، أو مذهب ذاك المجتهد.

 

السلطة الرابعة : رياض درار … جيرون

شارك