السلطة الرابعة : شعر :  فاروق شريف … لأنـّـكَ لاجئ !

السلطة الرابعة : شعر : فاروق شريف … لأنـّـكَ لاجئ !

لأنكَ لاجئ ْ
تصيرُ الوسادةُ في أوّلِ النومِ كيساً يلمّ بقايا وجودكَ :
اسمكَ قبلَ اللجوءِ وبعدَ اللجوءِ،
خزانةَ أمكَ،
جيبَ أبيكَ،
دفاتركَ المدرسيّةَ،
أمنية ً قلتها للمعلّمِ،
إبحارَ عينيكَ في كـُحلِ أنثى تغذّي خيالكَ بالنافذاتِ بقصرِ الأميرِ،
سياطاً من الفجرِ يجلدُ ليلَ الملاجئ ْ ،
وخوفاً ثقيلاً يزورُ النعاسَ كصوتِ النحاسِ
لأنكَ لاجئ ْ
عليكَ بأنْ تستحيلَ رمالاً
وترضى بحكمِ الشواطئْ .
-2-
لأنكَ لاجئْ
عليكَ ركوبَ السفينةِ دونَ سؤالٍ ودونَ انتباهٍ لصوتِ المجاذيفِ
إياكَ أنْ تسألَ الناسَ : أينَ المرافئ ْ ؟
وقلْ للرياحِ : كما تشتهينَ تسيرُ الأماني
وإنْ ثـَـقـُلتْ بالسفينةِ صرّةُ خبزكَ فــلـْـتلقـِها
وإنْ ثــَـقـُلتْ بالسفينةِ سُـكّرةٌ وضعتـْها بجيبكَ أمُّـكَ فــلــْـتلقـِها
وإنْ أزعجَ الناسَ خزّانُ نسلكَ فـلـْـتلقهِ
وإنْ صوّتوا لانتقاءِ الثقيلِ ليرموه في البحرِ
فلتلقِ نفسكَ ، أنتَ الثقيلُ لأنكَ أنتَ الغريبُ
وأنتَ المجيبُ لأوّلِ موجٍ
وأنتَ الطعامُ لأوّلِ حوتٍ يطوفُ بحارَ الملاجئ
فكيفَ ستحمي جراحَ الهويّةِ من سمّ هذا العراءِ الثقيلْ
ولا غرسَ يقطينَ ينبتُ في ساحلِ الاغترابِ الطويلْ
-2-
لأنكَ لاجئْ
تعدُّ نقودكَ مثلَ العجوزِ
وتمشي على الأرصفه ْ …
وإنْ سمعَ الناسُ منكَ النشيجَ يقولونُ : ظلّ ٌ بكى واختفى
فلا غيرَ من قاسموكَ اللجوءَ
يرونَ بعينكَ خوفَ الغزالةِ من أسدٍ بـِابـْـنها ما اكتفى
لأنكَ لاجئ ْ
تصيغُ من الوردِ شالاً لأمكَ
تعرفُ أينَ ينامُ السنونو إذا انهدمَ العشُّ
تدركُ كيفَ يصيرُ الشعاعُ إذا انتثرَ القشُّ
تمشي برجلينِ تـَـطليهما بغروبِ المدينةِ
تسمعُ همسَ القبور ِ الحزينةِ
تجلسُ قربَ الموسيقيّ عندَ محطةِ ميترو
لتقطفَ من غصنِ أوتارهِ جلّنارَ يجمّعُ في سحبِ الذكرياتِ البخارْ
لأنكَ لاجئ ْ
تكادُ تكسّرُ جدرانَ فنجانِ شايــِكَ حينُ تحرّكُ سكّرهُ
وكأنّكَ ترغبُ أنْ تُعجِلَ الأرضُ هذا الدُّوارْ .
-3-
حفاةً نسيرُ على شفرةٍ تترنّحُ فوقَ محيطٍ عميقٍ
ولا أفقٌ غيرَ أفـْـق ِ الغريق ِ
عراة ً ننامُ بكلّ طريقٍ
فتدْهسُنا عجلاتُ المقاصلِ وهْي تسيرُ إلى أرضنا
ونظلّ ضحايا لكلّ فريقْ .
لأنكَ لاجئْ
عليكَ بأنْ تحميَ الأديلوجيا بكلّ مدينة
عليكَ بأنْ تحفظَ الأمنَ للآخرين
فتركضُ في بينَ حدودِ العواصمِ
تحملُ وزرَ جميعِ العوالمِ
تحرسُ كلّ كنوزِ المناجمِ
تجلسُ في كلّ بارٍ لتمنعَ فوضى تصيبُ السكارى
فأنتَ المُدانُ الغريبْ
لأنكَ لاجئ ْ .
تـُرى هل لزامٌ عليكَ بأنْ تحفظَ الكونَ هادئْ
وأنتَ حرامٌ عليكَ بأنْ تدخلَ النومَ هادئْ
وأنْ تلبسَ الحبّ دافئ ْ
حرامٌ عليكَ بأنْ تزرعَ القمحَ خارجَ أرضكْ
وأنْ يعشقَ القلبُ خارجَ أرضكْ
وإنْ ذبحوا الضوءَ داخلَ أرضكْ
فلا تنتبهْ لبكاءِ العيونْ
تـُرى أنتَ من أيّ أرضٍ تكونْ ؟
وإنْ أخطأتْ شهوةُ اللاجئينَ وجاءتْ بطفلٍ فمن أيّ شعبٍ يكونْ ؟
-4-
تعالي
فشهقة ُ حبٍّ بصدرِ اللجوءِ طويله ْ …
وقبلة ُ ثغرٍ بنار ِالعراءِ جليله ْ ….
فكمْ أتمنى بأنْ ألتقيكِ
كأني حجابٌ يلامسُ حاجبَ أنثى جميله ْ ….
تعالي لعلّ يديكِ تعيدانِ رسمَ الربيع ْ
وتنغرسانِ كعودٍ طريّ بتلّ يغنّي لنوروزَ لحنَ الرجوعْ
تعالي
فعيناكِ راية ُ شعبٍ عنيدْ
ورمشكُ أوتارَ عودٍ يردّدُ صوتَ الوجودْ
تعالي
فقلبي تشظّى كبيتي القديمِ
وعشّ السنونو وقـُنُّ الدجاجِ
تعالي
فقلبي كجُرنِ الدقيقِ يدقُّ بهِ مِطرقُ الذكرياتِ
ليكنسَ صوتاً بروحي يدوي :
لأنكَ لاجئ ْ
عليكَ التبعثرُ في كلّ شاطئ ْ
لأنكَ لاجئ ْ
لأنّكَ لاجئْ

 

السلطة الرابعة : شعر : فاروق شريف 

شارك