السلطة الرابعة : خليل المقداد … سورية تقسيم غير معلن وهدايا لتركيا والأردن !

السلطة الرابعة : خليل المقداد … سورية تقسيم غير معلن وهدايا لتركيا والأردن !

أخيرا وبعد طول إنتظار، حدث التدخل العسكري التركي الموعود في شمال سورية وبصورة فاجأت الكثيرين، خاصة في ظل صمت وتردد وصل حد العجز أو اللامبالاة بما يحدث على حدوها الجنوبية، حيث سيطرت وحدات الحماية الكردية على معظم الشمال السوري، حيث اتخذت هذه السيطرة طابع التطهير العرقي الممنهج بحق العرب وبحجة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، هذه الحرب التي لم تكن سوى غطاء لتحقيق حلم كردي لا وجود له في سورية.

فشل الإنقلاب العسكري ضد حكومة إردوغان وتحررها من قبضة العسكر، من خلال سلسلة الإجراءات التي إتخذها الرئيس التركي، أظهر أن أحد أهم أسباب العجز التركي عن التأثير في الشأن السوري، يعود لهيمنة الجيش الذي كان ينسق سراً مع الغرب، ويمسك بقرار الحرب والسلم ويكبل أيدي الحكومات التركية، وقد أظهر التدخل التركي المحدود إلى جانب فصائل الجيش الحر هشاشة قوة الأكراد، في حين أظهرت معارك ملحمة حلب وريف حماة ضعف وعجز ميليشيات إيران والأسد وإنهزاميتها لولا الدعم المهول الذي يقدمه لهما الطيران الروسي.

تدخل محدود لتركيا في شمال سورية نجح في تحرير أكثر من أربعمائة كيلومتر من الأرض السورية خلال أيام، وهو ما أثبت أن الفصائل السورية قادرة على إسقاط نظام الأسد وتحرير سورية من الاحتلال الإيراني وبزمن قياسي ولكن بشرط أن يسمح لها بذلك، فالأحداث أثبتت أن القوى الدولية والإقليمية هي من يتحكم بقرار “معظم” الفصائل السورية وتمنعها من فتح معارك حقيقية.

التدخل العسكري التركي شمال سورية أسعد شرائح واسعة من السوريين، الذي يعلقون آمالا كبيرة على دور تركي يعتقدون أنه يمكن أن يصلح الخلل ويعيد توازن القوى المفقود على الساحة السورية، ومما لا شك فيه أن أكثر المستفيدين من هذا التدخل، هي فصائل الجيش الحر المدعومة تركيا والتي كانت أكبر الخاسرين في معارك النفوذ والسيطرة، وحروب كسر العظم بين اللاعبين الكبار، كالولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران.

صحيح أن التدخل العسكري التركي في شمال سورية قد خدم مصلحة السوريين، أقله في وأد المشروع الإنفصالي الكردي، لكن يخطئ من يعتقد أن هذا التدخل كان من أجل السوريين، فالأمر لا يعدوا عن كونه إلتقاء مصالح فرضها تهديد المشروع الكردي للأمن القومي التركي، الذي دخل مرحلة الخطر الحقيقي، لتجد تركيا نفسها في ورطة ذات شقين الأول: خلاف وقطيعة مع روسيا التي أظهرت نوايا عدوانية تجاه تركيا وفصائل المعارضة السورية، ووضعت كامل ثقلها خلف الأكراد إنتقاما لإسقاط طائرتها الحربية، أما الشق الثاني: فتمثل في التخاذل الغربي الذي ترك تركيا وحيدة في مواجهة تهديد مصيري، بل وتكبيلها ومنعها من التحرك جنوبا ضد حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري.

في آخر تصريح له أكد الرئيس التركي إردوغان أن التدخل التركي في سورية والمسمى “درع الفرات” يهدف لتأمين حدود تركيا الجنوبية وليس التدخل في الشأن السوري، أما إيران فقد ردت على لسان خارجيتها بأنه لا تزال هناك خلافات بين تركيا وإيران حول سورية. ما يعني بالضرورة أن هناك تفاهمات غير معلنة بين البلدين!

لا شك أن فشل الإنقلاب العسكري ضد الرئيس التركي وحكومته، هو ما أطلق يد تركيا وحررها من القيود المفروضة عليها، وخاصة في ظل ما يتم تسريبه عن تورط أكثر من دولة غربية وإقليمية في دعم الإنقلاب، الذي أدى بدوره لإنقلاب جذري وعكسي للسياسة الخارجية التركية، حيث أصلحت علاقاتها مع روسيا وجددتها مع إيران، ليطفوا على السطح ما يمكن تسميته تعاونا وتنسيقيا روسيا إيرانيا تركيا، أعاد خلط الأوراق على الساحة السورية، وهو ما سمح لتركيا باتخاذ قرار التدخل العسكري في شمال سورية، تأميناً لحدودها وحماية لأمنها القومي.

الولايات المتحدة الأمريكية لم تعترض على التدخل التركي الذي إتخذ في بدايته طابع الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وتحرير مدينة جرابلس، لكن ومع إمتداد رقعة التدخل ودخوله في مواجهة مع وحدات الحماية الكردية، أظهرت الولايات المتحدة شيئا من الإعتراض الناعم، من خلال تصريحات قالت فيها إن أي عمليات قتالية في مناطق لا يتواجد فيها تنظيم الدولة الإسلامية هي أمر غير مقبول، لتأمر بعدها حلفائها الأكراد بالإنسحاب إلى شرق نهر الفرات، وهو ما يؤشر إلى تنسيق أمريكي تركي، لكن دون التخلي عن الورقة الكردية التي توظفها الولايات المتحدة في تنفيذ أجندتها السورية.

الأكراد بدورهم يعلمون أنه ليس باستطاعتهم المحافظة على مئات الكيلومترات من الأرض، التي قاموا بإحتلالها وتطهيرها من سكانها العرب، الأمر الذي ترجم عمليا بنجاح تركيا وبعض فصائل المعارضة السورية، في إعادة تحرير أكثر من 50 منها وخلال أيام قليلة، والأكراد يعلمون أيضا أن حلم إقامة دولة كردية على شريط حدودي يمتد لأكثر من 800 كلم أمر شبه مستحيل، لأن هذا الكيان سيصبح أشبه ما يكون بالدودة الشريطية، طويلة لكنها ضعيفة ويمكن تقطيعها في أكثر من نقطة وفي أي وقت وحين، وبالتالي فربما يكون التدخل التركي قد ساهم بطريقة أو بأخرى في صياغة ترتيبات ما، تحصر الوجود الكردي في شمال شرق سورية، من غرب الفرات وحتى الحدود مع إقليم كردستان العراق، وهي مناطق تتميز بخصوبة أرضها ووفرة الثروات الطبيعية الغير مستكشفة كالنفط والغاز، وسيكون الأكراد سعداء جدا إذا ما إستطاعوا تأمينها والإحتفاظ بها.

الحديث عن إنسحاب الأكراد إلى مناطق غرب الفرات، وقبول كافة الأطراف بالأمر بما فيهم تركيا، يثير الكثير من الشكوك والمخاوف من أن هناك إتفاقات ومشاريع غير معلنة لتقسيم سورية، وقد تبدأ بتمكين الأكراد من منطقة شمال شرق سورية، وما يعزز هذه المخاوف هو قيام الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بإنشاء عدد من قواعد الدعم اللوجستي والمطارات العسكرية في أكثر من منطقة يسيطر عليها الأكراد كالرميلان والحسكة وعين العرب (أمريكا)، والقامشلي (روسيا) الأمر الذي يعني إحتلالا عسكريا أمريكيا – روسيا، ينتهك السيادة السورية من خلال تمهيده لقيام دويلة كردية، وإن بحجة الحرب على الإرهاب، وهو ما سيسمح لكلى الدولتين في إبتزاز بقية الأطراف التركية والإيرانية والكردية والسورية بكافة أطيافها، وسيمنحهما القدرة على إعادة رسم وتشكيل الخارطة السورية كما تشاء وتريد؟!

الولايات المتحدة وروسيا دخلتا في مرحلة كمون بانتظار نتائج الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وإنعكاسات قرار فك إرتباط جبهة النصرة عن القاعدة ومدى قدرتها على إستقطاب فصائل المعارضة المسلحة، وهو الأمر الذي يعملون على منع حصوله بأي شكل من الأشكال، لأنه سيبقى بنظرهم مشروعا إسلاميا لا يختلف كثيرا عن مشروع الدولة الإسلامية، بل وربما أخطر منه، حيث تكمن خطورته في إنحنائه للعاصفة، وعمله في نفس الوقت على تشكيل جبهة عسكرية عريضة، تهدد مشاريع التسوية السياسية بشكل أو بآخر، فمشروع دولة إسلامية أو حتى نظام حكم إسلامي خارج دائرة الهيمنة الدولية هو خط أحمر، ولن يسمحوا بحدوثه حتى وإن لبس الجينز وسمح بإرتداء البكيني.

بوتين أكد أنه قد تم حل الخلافات بين الجانبين الأمريكي والروسي وأنهما قد تقدما خطوة إلى الأمام باتجاه الحل في سورية، في حين أن أوباما أكد على أن العمل بإتفاق وقف الأعمال العدائية في سورية لايزال ساريا.

ملامح فرض التقسيم الغير معلن باتت واضحة وتتعزز صورتها يوما بعد يوم، ولا أدل على ذلك من عمليات التهجير الممنهج التي مارستها وحدات حماية الشعب ويمارسها نظام الأسد في أكثر من منطقة، وبخطى ثابتة في ظل تواطئ دولي إقليمي، وصمت عربي بات عاجزا عن مجاراة الأحداث أو التأثير فيها، فمن حمص التي يتحضر النظام لتهجير سكان حي الوعر آخر أحيائها السنية المحاصرة، مرورا بالقصير والقلمون ووادي بردى وصولا إلى داريا والمعضمية، ترتسم ملامح دولة علوية شيعية متعددة الجنسيات، تمتد من أقصى شمال غرب سورية إلى حدود محافظة درعا جنوباً، في حين أن الغوطة الشرقية لاتزال تنتظر دورها على قائمة المناطق التي سيتم تهجير أهلها منها وصولا إلى ضمها للدولة العلوية المفيدة, فتشرذم الفصائل المسلحة وصراعها على السلطة يغري ويشجع صابة الأسد على المضي في مخطط التهجير.

السوريون السنة الذين يتم تهجيرهم من هذه المناطق، يرحلون إلى إدلب وحماة اللتان ستشكلان بدورهما نواة الدولة السنية الموعودة، ومن يدري فربما يكون لدينا أكثر من إمارة نتيجة الصراع بين الفصائل الإسلامية، أما حلب التي تعاني من إنتكاسة عسكرية نتيجة إنسحاب بعض الفصائل عن معركة فك الحصار والتحرير، فإنها قد تدفع ثمن تأمين الحدود التركية، فالإتفاق الأمريكي – الروسي دخل حيز التنفيذ رغم عدم إعلانه، حيث يقضي بعدم السماح بتحرير حلب على يد فصائل ذات توجه إسلامي، ومنع إتحاد الفصائل السورية مع جبهة فتح الشام، ولا أدل على ذلك من تكثيف روسيا لتدخلها الجوي في حلب دعما لعصابات الأسد وإيران.

تركيا تعتبر حلب إمتدادا جغرافيا وتاريخيا لها، وعلى الأرجح أنه وفي حال فشلت مساعي فرض تسوية سياسية، تحفظ وحدة الأرض السورية، فسيتم إعتماد مخطط التقسيم، وقد تكون المدينة في هذه الحالة من حصة تركيا، طبعا في حال إستطاعت بسط سيطرتها على المدينة وريفها.

في الشرق قد تكون مشيخة بدوية تضم كلاً من الرقة ودير الزور، هذا في حال نجحت الحملة في إخراج تنظيم الدولة من المدينتين، وربما يسعى آل جربا لأن تكون الإمارة من نصيبهم، أما في الجنوب فمن غير المرجح إقامة إمارة درزية في السويداء، وذلك بسبب صغر مساحتها وتداخلها مع المحيط السني من جهة وعدم إتصالها جغرافيا بلبنان أو فلسطين المحتلة من جهة أخرى، وبالتالي فإنه من المرجح أن تكون مع جارتها درعا من نصيب التاج الأردني الذي بسط نفوذه وسيطرته على درعا وباتت تحت وصايته فعليا وإن بشكل غير معلن.

تعقيدات الأزمة السورية تبقي الباب مفتوحاً على كافة الإحتمالات، وهو ما يصعب مهمة صناع القرار الدولي، الذين تتغير خططهم بتغير الأحداث والمعطيات على الأرض، أما الثابت في الأمر فهو أن كافة القوى الدولية والإقليمية الكبرى تتصارع على النفوذ في سورية التي إستبيحت من الوريد إلى الوريد، لكن هذه القوى تبقي على حبل الود موصولا فيما بينها، فأي خطا قد يجر أقدامهم إلى مواجهة غير محمودة العواقب، ولهذا فهم مستمرون في تغذية الصراع ومساعدة الأسد على بسط نفوذه وسيطرته حتى وإن إقتضى الأمر حرق الشعب السوري في حفلة شواء يتشاركون إثمها.

قد يسخر البعض من هذا السيناريو الذي يبدو مستحيلا، لكن حالة اليأس التي وصل إليها الكثير من السوريين، قد تدفعهم للقبول بأي حل يتم فرضه، وهو تماما ما سعى إليه الذين سمحوا للأسد بالقتل والتهجير على مدى أكثر من خمس سنين، وها هو نظام الأسد يعود للتمدد في قلب محافظة درعا من خلال محاولة التقدم باتجاه إبطع وداعل وربما يعيد سيطرته على منطقة الجمرك القديم في ظل تخاذل واضح لفصائل الموك.

نحن اليوم نعيش في زمن اللامنطق واللامعقول، فمن كان يتخيل أن ما يسمى المجتمع الدولي سيكون بهذا المستوى من العهر والقذارة، فيسمح بل ويشارك بقتل وتهجير ملايين البشر وتدمير وطن بأكمله؟

هذا هو المخطط المرسوم لسورية التي كانت ذات يوم تسمى بلاد الشام وتضم بحدودها الطبيعية، أجزاءً من تركيا إضافة إلى فلسطين والأردن ولبنان والموصل وصولا إلى تبوك في السعودية، فهل سيقبل السوريون أن تقسم سورية من جديد وتذهب أجزاء منها لجيراننا الأعزاء، أم أنه سيكون لهم رأي آخر؟! هذا ما سيكشف عنه مقبل الأيام، ومن يدري فربما تختفي سورية سايكس بيكو، لتعود كما كانت بلاد الشام بنسختها الأصلية، الأمر مرهون بإرادة المجاهدين والثوار على الأرض وحاضنتهم الشعبية التي تحملت ما تنوء بحمله الجبال، فمن إجرام الأسد إلى تسلط فصائل المعارضة المسلحة، ولكن لم لا فكل ما يحدث يشي بأن المنطقة مقبلة وقريبا جداً على زلازل عسكرية وسياسية ستغير وجه المنطقة والعالم؟!

السلطة الرابعة : خلي المقداد . أورينت نت

شارك