السلطة الرابعة : محمد سلام . مصير ‘الإستخبارات’ لا مصير الأسد يعرقل التسوية السورية !

السلطة الرابعة : محمد سلام . مصير ‘الإستخبارات’ لا مصير الأسد يعرقل التسوية السورية !

بشار الأسد لا يختصر المشكلة في سوريا، ولا يختصر الحل. جوهر المشكلة التي تعيق إنطلاق أي حل سياسي في سوريا هو عدم الإتفاق حتى الآن (حتى الآن) على “مصير مجتمع الإستخبارات الأسدي عديداً وأرشيفاً.”
كل “أصدقاء سوريا” المزعومين، كما كل أعداء سوريا المعلنين، يشغلهم هاجس واحد مشترك، أو قاسم واحد مشترك، يختصره سؤال: “ماذا سيحل بالإستخبارات الأسدية عديداً وأرشيفاً”؟
لا توجد أي دولة، من الأصدقاء المزعومين أو الأعداء المعلنين، تقبل بأن يُرفع غطاء السريّة عن ملفات الإستخبارات الأسدية، ولا توجد أي دولة من المعسكرين اللذين سلف ذكرهما، تثق بأي طرف سوري يمكنه ضمان عدم فضح ملفات الإستخبارات الأسدية.
هذا “الحرص” على “عفة البيئة الإستخبارية الأسدية” لا ينطلق من الحرص على الشعب السوري ولا من الحرص على الدولة السورية، بل ينطلق من الحرص على عدم كشف “الذين تعاون معهم المجتمع الإستخباري الأسدي، كما الذين نفذ لهم عقوداً”.
الإستخبارات الأسدية، وعلى مدى 70 عاماً، تعاونت مع كل الدول المعنية الآن (الآن) بمستقبل سوريا، لذك فإن هذه الدول معنية أساساً بضمان سرية ملفات، أو محفوظات، هذه الإستخبارات كي لا يؤدي وصولها إلى أيد “غير موثوقة” إلى كشف عورات كثيرة، كثيرة جداً تتجاوز الأرض السورية، بل تتجاوز الأراضي العربية.
مصير بشار هو “مسألة إجرائية” يمكن تجاوزها بسهولة، سواء ذهب أم بقي بروتوكولياً، إنتقالياً، بصلاحيات محدودة أو من دون صلاحيات. الحديث عن مصير بشار هو “شعر شعبي”، لا أكثر.
حتى مصير الجيش ليس مشكلة، يبقى ويتغير ضباطه، وينتظم. لا مشكلة في بقائه لأن الجيش هو جنود وضباط وإمرة. إذا تغير الضباط وتغيرت “العقيدة الأمنية” تتجه الأمرة إلى ما تحدده بوصلة “العقيدة الأمنية” الجديدة.
لا يوجد شيء إسمه “عقيدة قتالية”، هذا تعريف عربي تضليلي للعقيدة الحقيقية التي تخدمها الجيوش وهي “العقيدة الأمنية” أي “العقيدة الإستخبارية” التي تحدد العدو الذي يجب أن يقاتله الجيش … فيقاتله. خطة الأمن القومي في أميركا، مثلاً، هي التي تدير الولايات المتحدة الأميركية بكاملها، وكل مؤسسات الإدارة الأميركية، من الرئيس إلى أصغر “سكرتير” مهمته تنفيذ أجندة الأمن القومي.
مسكينة هي الجيوش، قد تنتصر، ولكنها لا تحصد النصر. المجتمع الإستخباري هو الذي يحصد النصر. وقد تهزم الجيوش فيحمّلها المجتمع الإستخباري فاتورة الهزيمة.
لذلك، فإن مصير الجيش السوري كما مصير الأسد ليساً بقضية ذات شأن في مستقبل سوريا. مربط الفرس هو الإستخبارات…
المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا إقترح خطة خبيثة لمعالجة سياسية للمشكة السورية تركز على “إصلاح القطاع الأمني” و”المحافظة على مؤسسة الجيش”.
“المحافظة على مؤسسة الجيش” أهدافها مفهومة على الرغم من أن أميركا هي التي خرقت هذه القاعدة بفظاظة وحلّت الجيش العراقي.
ولكن ماذا تعني بالضبط عبارة “إصلاح القطاع الأمني” التي إعتمدها المبعوث الأممي؟؟؟؟؟؟؟
بتغيير ضباط الإستخبارات الذين أمروا، مثلاً، بتنفيذ إعتداء على أرض دولة ما لحساب دولة أخرى؟ وهو ما كانت تفعله إستخبارات الأسد في كل الدول العربية، إضافة إلى ما كانت تفعله بالسوريين على الأراضي السورية وباللبنانيين على الأراضي اللبنانية؟؟؟
الملفت أن الهيئة العليا للمفاوضات، التي يفترض بأنها تمثل فصائل الثورة السورية، واجهت إقتراح ديمستورا بإقتراح رومنسي يشدد على “ضرورة إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس وطنية، وتأكيد الحياد السياسي للجيش والقوات المسلحة وخضوعهما للحكومة الشرعية، وتحويل المؤسسات الأمنية من أجهزة قمعية إلى مؤسسات احترافية تصون سيادة الدولة واستقلالها وتحمي الحريات العامة.”
كلام جميل، شاعري، يصلح لروايات رومنسية تؤرخ لثورات وردية … ونقطة على السطر.
كيف تحوّل مجتمعاً إستخباريا دموياً قمعياً عمره 70 سنة إلى “مؤسسات تصون سيادة الدولة وإستقلالها وتحمي الحريات العامة”؟؟؟؟
“الحريات العامة” كانت فعلاً، ولمدة 70 سنة في صلب العقيدة الأمنية للمجتمع الإستخباري الأسدي، ولكن فقط بصفتها “عدواً، بل العدو الأول، للأمن القومي الذي خدمته بإخلاص.
كيف ستحولّ زبانية السرقة والتشبيح والخطف والتعذيب والإغتصاب والقتل إلى “ملائكة” يحمون “الحريات العامة”؟؟؟؟
بل كيف ستضمن للأعداء والأصدقاء بأن من يجلس على رأس المجتمع الإستخباري الجديد سيحافظ على سرية ملفات المجتمع الإستخباري الأسدي، كي لا تتسرب وتفضح عورات الأصدقاء والأعداء في آن.
هنا مربط الفرس، وهذه المعضلة هي التي تعيق حتى الآن (حتى الآن)” الإتفاق على إطلاق أي تسوية سياسية للمشكلة السورية.
(حتى الآن) تعني أن البحث جار عن حل لهذه المعضلة ينطلق من البحث في إمكانية إعادة إنتاج تجربة الإستخبارات النازية بعد سقوط ألمانيا الهتلرية في الحرب العالمية الثانية.
عندما سقطت برلين توجه ضباط الإستخبارات الهتلرية إلى القيادة الأميركية وقالوا لها ما معناه: “عدوكم الجديد الصاعد هو الروسي، ونحن الجهاز الإستخباري الأكثر خبرة بالروسي والأغنى معلوماتيا به وبشؤونه، ولن يمكنكم مواجهته من دون خبرتنا ومعلوماتنا.”
وتمت الصفقة: تكليف المخابرات الهتلرية بتأسيس ألمانيا الغربية بعقيدة إستخبارية جديدة تحافظ على العداء للروسي، ولكنها تصنف الأميركي صديقاً … بل سيداً!!
هل هذا هو بالضبط ما يقصده ديمستورا بعبارة “إصلاح القطاع الأمني”؟؟؟
وهل هذا هو ما تؤدي إليه رومانسية الهيئة العليا للمفاوضات التي إعتمدت عبارة “تحويل المؤسسات الأمنية من أجهزة قمعية إلى مؤسسات احترافية تصون سيادة الدولة واستقلالها وتحمي الحريات العامة”؟؟؟

السلطة الرابعة : محمد سلام : Lebanon360

شارك