السلطة الرابعة : إبراهيم عبد الرحمن … كردستان مستعمرة دولية !

السلطة الرابعة : إبراهيم عبد الرحمن … كردستان مستعمرة دولية !

بعد أكثر من ربع قرنٍ على تأليف كتاب كردستان مستعمرة دولية من قبل عالم الاجتماع التركي اسماعيل بيشكجي، وما أحدثه الكتاب من ضجة بما يحمله من جرأةٍ من العنوان الى المحتوى، اعود لأقلّب صفحات هذا الكتاب.
البداية:
يذكر الكاتب بدايات تعرفه على الشعب الكردي، وكيف كان يحمل صورة خاطئة عنهم بفعل الايديولوجية الرسمية حينها، من (نعت الكرد بأتراك الجبال وان اللغة الكردية هي احدى اللهجات التركية). يقول بيشكجي حين وصلت الى جنوبي شرقي تركيا لأداء خدمتي العسكرية 1962، رأيت شعباً له لغةً وتاريخً وتقاليدً تختلف عما لدينا نحن الاتراك، وهذا الشعب لا يحمل الاسم الذي يطلقه عليه الاتراك، فهو لا يسمى نفسه أتراك الجبال وانما يسمى نفسه نحن الاكراد.
منذ ذلك الوقت، كرس عالم البرفسور التركي جهوده الفكرية ونشاطاته العلمية والبحثية، من اجل الشعب الكردي، مدافعاً عن حقوقه القومية والديمقراطية وخصوصيته الحضارية. وكان ثمن ذلك كبيراً، حيث بلغ مجموع الاحكام الصادرة بحقه اكثر من قرنين ونصف، اضافة الى تهميشه ومحاربته من قبل الدولة التركية.
المترجم:
كتاب كردستان مستعمرة دولية، تُرجم للعربية نقلاً عن الفرنسية، ترجم الكتاب الدكتور زهير عبد الملك. يقول الدكتور زهير، لما ارتبطت فكرة الاستعمار بالبريطانيين والفرنسيين حصراً ومن ثم الأميركيين، تساءلت في نفسي ترى كيف سيتلقى المثقف العربي او الفارسي او التركي، فكرة ان بلاده تستعمر جزءاً من وطن الاكراد، وكلها تستعمر كردستان مجتمعة؟!
يحلّل بيشكجي المجتمع الكردستاني فيضع يده على جوانب الضعف والتمزق فيه، وعلى تركيبته الطبقية وسلوكيات رموزه السياسية والدينية والعوامل الداخلية والخارجية المتصلة بمأساة هذا الشعب المنكوب، كما ينتقد بالتحليل الصريح والمباشر والمثبت، كل اعتداء طال كردستان، ويحدد في النهاية للشعب الكردي، طريق خلاصه من محنته المزمنة.
نشأت المسالة الكردية عن تجزئة كردستان وتقسيمها من قبل الامبرياليين والمتعاونين معهم في الشرق الادنى خلال عقد العشرينات وتطبيق سياسة فرق تسد وما تلاها من تعديل لتصبح( فرق تسد تدمر).
يقول بيشكجي ان وقوع كردستان في قلب الشرق الادنى كان عاملاً معرقلاً لنشوء تاريخ خاص بالمجتمع الكردي، اي وقوعها على طريق الغزاة، فمن مرور جيوش اسكندر الكبير نحو الشرق الى مرور جيوش الفرس نحو الغرب، الى مطامع الساسانيين والبيزنطيين الى الغزو المغولي، وعلى ارض كردستان دارت جميع الصراعات والحروب بين الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية.
الامة الكردية والحرب من كل الاتجاهات ضدها من قبل الايديولوجية الرسمية التركية والتيار الكمالي والنخب التركية:
بيشكجي يغوص عميقاً في الالم الكردي، فيبدأ حربه ضد الاباطيل التركية بحق الحق الكردي السليب. يشن حرباً شرسةً ضد التيار الكمالي، فيكشف زيف ادعاءاتهم و ازدواجيتهم الاخلاقية، الكماليون الذين لا يتخلون عن الترديد بانهم اول من قاوموا الامبريالية والاستعمار وهم الذين شقوا الطريق امام الشعوب المضطهدة والمستعمرة وحرضوها على شن حروب التحرير، ولكنهم مع سبق الاصرار يرفضون الحديث عن الاكراد، بل كانوا يتجسسون على المناضلين الكرد لحساب الشرطة التركية، وكانوا منتشرين في كل مكان.
يعرّي الكماليين ويقول كلامكم مردودٌ عليكم” من ادعائكم ان الاكراد عنصريين”. ان الاساليب التي تمارسونها في تحريم اللغة والثقافة الكردية واجبارهم على تعلم اللغة التركية واخضاعهم لعمليات الصهر والتتريك بشكل مكثف وفرض غرامات على يتكلم الكردية وتغيير اسمائهم واسماء مناطقهم ومواقعهم، كل ذلك يعتبر من وجهة نظركم اساليب ثورية وديمقراطية، وعندما يطالب الاكراد بحقوقهم القومية وينظمون انفسهم لتحقيق ذلك ورفع الظلم والدفاع عن انفسهم، فانهم يسلكون مسلك الشوفينيين!.
يقدم الكاتب دليلاً اخر على عنصرية الايديولوجية الرسمية التركية ضد الامة الكردية، من منع المرء ان يكون كرديا وانما يجب ان يكون تركياً وذلك من خلال توقف بيشكجي عند احداث سجن ديار بكر في الثمانينات وما لحق المعتقلين من تعذيب واهانات واجبارهم على اكل الغائط والفئران، كما كان عليهم ان يرددوا بصوت عالي: انا تركي وانا سعيد لان اكون تركيا، مات هؤلاء الثوريون تحت التعذيب لرفضهم ارهاب الدولة.
ويقول ايضاً تدعم الدولة التركية الاقليات التركية في كل من بلغاريا وقبرص وتراقيا الغربية باليونان، وتدخل في حرب اذا اقتضى الامر لمنع انتهاك حقوق الاتراك واضطهادهم. في حين انها تمنع المؤسسات الدولية من مقابلة اللاجئين ( اكراد العراق) الفارين الى تركيا من كيماوي صدام حسين.
وكذلك ينتقد مقولة المثقفين الاتراك: على الرغم من ان هذا الشخص كردي ولكنه لا يطالب بحقوقه ولا يتمسك بهويته القومية وهو ملتزم بالدفاع عن حقوق الاتراك، شأن الاتراك انفسهم. هنا يتسأل الكاتب، هل يمكن لهؤلاء ان يقبلوا ذات الامر للفلسطيني الذي يدافع عن سياسية الدولة الاسرائيلية وكذا الحال بالنسبة للأتراك الذين اصبحوا بلغاراً او يونانيين. هؤلاء الاتراك هم بنظر الدولة التركية عملاء وخونة، لانهم تخلوا عن تركيتهم.
الحرب الخبيثة والاقتصاد المسيس:
اقدمت الدولة التركية على تبني مشروع اقتصادي في جنوب شرق الاناضول، بهدف صهر الاكراد ودمجهم ببقية البلاد واتجهت جهودهم الى اجتذاب المقاولين ورؤوس الاموال الى هذه المنطقة، اعتمادا على مقولة” ان متى ما تحققت التنمية التجارية والصناعية في هذا الاقليم فسيرتبط عضويا بغرب البلاد، وستلعب التجارة دورا مهما في نشر اللغة التركية وسيضطرون الى استخدام اللغة التركية لأنها لغة متطورة، اما اللغة الكردية فهي لغة بدائية وتفتقر الى هياكل تسمح لها بالتعبير عن الانشطة ذات الصلة بالاقتصاد والتجارة والشؤون المصرفية”.
استهداف اللغة الكردية:
يقول بيشكجي في دستور 1961 وكذلك 1982 ورد الفقرة الثالثة من المادة 26 نص يتعلق بحرية الراي ونشر الافكار: لا ينبغي استعمال اي لغة ممنوعة بحكم القانون في التعبير عن الآراء ونشر الافكار، والفقرة التالية لها تقول بمصادرة كافة المطبوعات والاسطوانات والاشرطة، يقول بيشكجي ان المقصود هنا هو منع اللغة الكردية فلا مشكلة مع اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية والعربية والارمنية وغيرها….
ويقول ان القانون الخاص بالمطبوعات والنشر، والمنشور باللغات الاخرى يبين اللغات الممنوعة، اذا يقول باعتبار ان اللغة التركية هي اللغة الام للمواطنين الاتراك: ان اي نشاط يستهدف استعمال ونشر لغات اخرى غير التركية ممنوع.
يذكرنا كذلك بكتّاب ومثقفين اكراد تنكروا لقوميّتهم وتماهوا مع الايديولوجية الرسمية واصبحوا مثار افتخار ونماذج تدعوا السلطات للاحتذاء بها من امثال تحسين سراج وغيره…
سرقة التراث والثقافة:
يذكر كذلك الحرب ضد التراث الغنائي الكردي وسرقته من قبل الدولة وحتى لم يكن خاصاً بأكراد تركيا وانما يكفي ان يكون في الاجزاء الاخرى لكردستان، من خلال ترجمة النصوص واضافة التعديلات وتكيّف الحانها مع الموسيقى التركية واختيار عدد من المطربين من اصل كردي لأداء هذه الاغاني من امثال تاتليسيس ويمرا وبرهان جاجان وجلال يارجي وصلاح الدين الاباي وغيرهم….. حيث يلعب ذلك دور مهم في تتريك الاكراد.
كما يذكرنا بحراس القرى واعتماد الدولة التركية عليهم اثناء الصراع الدائر مع حزب العمال الكردستاني ومنح حراس القرى الامتيازات، حراس القرى هؤلاء كانوا من المجرمين القدامى او ممن يقضون محكوميتهم في السجون، بعد تعينهم حراس القرى والاعتماد عليهم يتم طي ملفاتهم الاجرامية.
الامر الاخر الاكثر اهمية اذا يقول بيشكجي وهو ما يتم تدوينه من جرائم، ويقول ان التاريخ لا يتكون فقط مما يتم تدوينه من جرائم، وانما هناك جرائم لا تدون وتطمس وثائقها، في الحالة الكردية يقول ربما الدولة التركية، اما اتلفت الوثائق او اخفتها او وضعتها في مكان يصعب الوصول اليه، من مذابح ديرسم وزيلان وغيرها وعمليات محاصرة الاف القرى وتدميرها مصادرة الاملاك بالكامل.
دولياً:
يضيف انه لمن العار ان تدين الامم المتحدة السياسات العنصرية في جنوب افريقيا وتغض النظر عن تلك الممارسات العنصرية والاستعمارية المطبقة في كردستان، ويقول ان الامم المتحدة ذاتها قصرت في معالجة مسألة كردستان نظرا لتضارب تلك المعالجة من مصالح الدول الاستعمارية الكبرى والدول المستعمرة لكردستان، من سوريا والعراق وتركيا وايران.
يقول عالم الاجتماع التركي ان الاكراد ليسوا اقلية وانما يعيشون على ارضهم التاريخية، مثل العرب والفرس، نحن الترك من قدمنا الى هنا مطلع الالفية الثانية للميلاد.
يضيف، أن كردستان ليست فقط مستعمرة بل وضعها اسوء من المستعمرات التقليدية، ففي المستعمرات التقليدية لا تحاول الدولة المستعمرة ان تفرض لغتها وهويتها على الشعب المستعمر، فأوغندا بقية اوغندا بعد خروج البريطانيين، ولم يقل البريطانيون يوما ان شعب اوغندا هو بريطاني، كما تفعل الدولة التركية بالقول بعدم وجود اكراد وان الشعب كله تركي.
كردستان هي الامة المضطهدة في قلب الشرق الادنى التي تشاركت الدول في قمع تطلعاتها القومية والديمقراطية، لذلك تسخر الدولة كافة مؤسسات الضغط الايديولوجي من المؤسسات التربوية والجامعات والاحزاب والدين والمؤسسة الاسرية والصحافة والاذاعة والتلفزيون، وعندما لا يحقق ذلك، تلجا للعنف والمؤسسة العسكرية والامنية والسجون والتحقيق،
الكاتب يوضح ان هذه الانظمة تضطهد الاكراد وحتى خارج حدود دولهم، بهدف القضاء على الامة الكردية وازالة وجود كردستان من الخارطة وتتعاون تلك الدول المستعمرة لكردستان فيما بينهم على ذلك.
من الواجب على الاكراد ان يحبوا اللغة والثقافة والوطن وتاريخ المستعمرين الاتراك والعرب والايرانيين شأن حبهم لامهم التي ولدتهم، ومتى كانوا مقيمين على هذا الحب فهم مواطنون مخلصون وعناصر صالحة، وعندما يحب الكردي لغته وكردستان وهويته الكردية، يعامل معاملة قطاع الطرق والخونة والحقراء.
بيشكجي يذكرنا بان المجتمع الكردي مجتمع مسلم ويضيف ان المنظمة المؤتمر الاسلامي كانت تتجاهل المسالة الكردية، وان التناقضات الاخلاقية للبلدان الاسلامية ذات الوجهين التي تتميز بها طريقة تفكيرهم وعملهم اصبحت واضحة ومثار تساؤل وحديث الناس. ويضيف ان تركيا والعراق وايران وسوريا، لم تتعامل مع الكرد وكردستان الا من خلال الجيش والشرطة والامن وممارسة ارهاب الدولة.
اما الحديث عن ما يمكن تسميته الشرارة الاولى لتنامي الشعور القومي الكردي وبلورة فكرة كردستان كمستعمرة، فكانت من خلال اعمال الحزب الديمقراطي الكردستاني و حزب العمال الكردستاني، اضف الى ذلك السبق من قبل حزب العمال التركي الذي اتخذ في مؤتمره الاستثنائي، قراراً تجاوز الخطوط الحمر التركية الداخلية، “ان في شرق تركيا يعيش الاكراد”، هذا القرار كان سبباً لإصدار المحكمة قراراً بمنع نشاط الحزب السياسي.
تجربة الكاتب مع الاعتقال:
يقول بيشكجي عن تجربته الشخصية مع الاعتقال، تم اعتقالي اربع مرات وكان معظم رجال الشرطة والحراس من الاكراد، الامر الواضح من خلال ملامح وجوههم ولغتهم التركية، وكانوا يعذّبون لانهم تشربوا جيداً بالأيديولوجية الرسمية.
ذات مرة صرخ بي الشرطي اثناء تعذيبه لي و كان حالة من الغضب،” يجب ان تكتب اننا كلنا اتراك ولا يوجد يسار او حقوق وانما فقط اتاتورك. ثم اضاف انني في السابعة والعشرين وانا كردي ولا اتدخل في هذه القضايا وانت من مدينة قروم، فلماذا تهتم انت بالأكراد”، فقلت انت تقول بنفسك انك كردي، اي ليس من المعقول القول ان جميع الناس في هذا البلد اتراك، فدمدم ثم صرخ لم اقل.
وصايا بيشكجي للكرد:
في الصفحة 317 من كتابه يذكر ثلاث وسائل لتجاوز تجزئة كردستان وتقسيمها:
اولاً توسيع نطاق البحث العلمي بشان المجتمع الكردي وكردستان، كما ينبغي دراسة تاريخ الشرق الادنى وتركيا وسوريا وايران والعراق من زاوية جديدة.
ثانياً تطوير وتوسيع نطاق القراءة والكتابة باللغة الكردية، اذا تعتبر من اكثر الوسائل اهمية في تجاوز الحدود السياسية.
الوسيلة الثالثة فهي البدء بتناول المسالة الكردية وطرحها باعتبارها مسالة دولية.
بيشكجي يحث الكرد على اجراء البحوث العلمية وعلى العلم، ودعم الأبحاث العملية التي تهدف الى ايجاد حل ديمقراطي وثوري للمسالة الكردية، والتصدي للأبحاث التي تجريها الدول وتبقى بعيدة عن الاعلام بهدف الحيلولة دون تكوين معارضة سياسية واجتماعية تؤيد الاكراد.
رغبة الكاتب الشخصية:
يذكر الكاتب الحوار الذي دار بينه وبين عناصر الشرطة في حزيران من العام 1981 عندما كان ارهاب الدولة مكثفاً، سأله الشرطي وهم في السيارة ” حسنا، كيف اذن ستنسى حل هذه المسالة؟، فيقول كان الظلام حالكاً ولا احد يدري بأمر اعتقالي، وكنت خائفا من رد فعل الشرطي من اجاباتي لذا كنت احاول التهرب من الاجابة، فرديتُ بالقول أنني باحث وليس من الضروري على الباحث اقتراح الحلول، وامام إلحاح الشرطي وتكرار السؤال كذا مرة وعدم اقتناعه بإجاباتي، قلت حسناً:
” بودي ان تصبح كردستان الدولة 167 ولو اصبحت كذلك فلن يحدث زلزال في الكرة الارضية، تلك رغبتي الشخصية ولكن المشكلات السياسية لاتحل بالرغبات الشخصية، ثمة عدد كبير من الدول التي تستفيد من كردستان، وسوف تنزعج تلك الدول التي تستخدم كردستان كمستعمرة مشتركة، وسوف تحاول بكل الوسائل الحيلولة دون وقوع مثل هذا الحدث.
توقف النقاش بعد ان تلفظت تلك الجملة الاخيرة!”.

السلطة الرابعة : إبراهيم عبد الرحمن . ايلاف

شارك