السلطة الرابعة : أحمد خورشيد …  الأكراد وسياسة الالتفاف !

السلطة الرابعة : أحمد خورشيد … الأكراد وسياسة الالتفاف !

اتبع حزب الاتحاد الديمقراطي «الكردي» في الأزمة السورية نهجًا وأسلوبًا مغايرًا لما اتبعته الأحزاب المعارضة الأخرى، الذين كان غالبهم مرتبطًا بأطراف خارجية، بينما كانت إستراتيجية الحزب الكردي هي محاكاة الأحداث والالتفاف على الاتفاقات المستهدفة لمشروعها السوري، ما جعله في موضع قوة وطرف مؤثر في الأزمة السورية. فإذا ما اطلعنا على موقفه من الثورة في البداية، نرى أنه وضع شرط الاعتراف بالحقوق القومية والوطنية الكردية المتمثلة باعتبارهم قومية أساسية وثانية في النسيج السوري، والاعتراف بلغتهم الأم وتدريسها في المناطق الكردية، وحرية التعبير، وتأسيس مجالس محلية وصولًا إلى الإدارة الذاتية كمطلب لا يمكن التفريط به؛ للانضمام إلى أحد الأطراف المتنازعة في الأزمة، مع ميلهم الثوري إلى جانب المعارضة.

إلا أن عدم موافقة المعارضة عليها، وربطها بإسقاط النظام السوري، وإمكانية طرحها بعد ذلك، دفعهم إلى عرض مطالبهم على النظام السوري الذي لم تختلف نظرته عن نظرة المعارضة، مع تلميحات بمنح بعض منها على أن يتم بالحوار والتفاهم. فشعر الكرد بخطورة الموقف، وعدم اختلاف طرفي النزاع في نظرتهما للقضية الكردية الضائعة بعد اتفاقيات سايكس بيكو ولوزان. ما جعلهم يختارون النهج الثالث للوصول إلى هدفهم المرسوم منذ زمن. لكن النهج الثالث كان فيه الكثير من الشبهات سواء من المعارضة أو النظام، وكان طريقًا غامضًا لم يفهمه إلا القلة من الساسة، والذي تبين أخيرًا أنها سياسة الالتفاف، ما نفاه مستشار الرئاسة في حركة المجتمع الديمقراطي السيد سيهانوك ديبو قائلًا: «عكس من يقول بأن حزب الاتحاد الديمقراطي PYD يمارس سياسة التفافية، فإن حزبنا يمارس السياسة الديمقراطية المحدد الأساس للنهج الثالث؛ ليس مع النظام وليس مع المعارضة الناكرة لحل ديمقراطي للأزمة السورية بكل قضاياها، وعلى أساسه السياسي. ومن في المعارضة ومن في النظام هم من ينطبق عليهم الالتفاف المستمر حول آليات الحل ووقف الدمار السوري وبنيته المجتمعية. سؤال يفرضه الواقع السوري اليوم: ماذا لو فعلت باقي المناطق السورية مثل ما فعلناه مع شركائنا في روج آفا- شمال سوريا من التأسيس لإدارات ذاتية ديمقراطية على أساس تطلع المكونات؟ من المؤكد بأن الوضع كان مغايرًا ولم ينله التعقيد المستمر الذي نلحظه».

لقد كانت سياسة الحزب هي عقد اتفاقات محاكية لكل منطقة بعينها، فمثلًا كان هناك تنسيق مؤقت مع المعارضة في الشيخ المقصود والأشرفية بحلب ضد النظام السوري، كما هي في الجزيرة مع النظام السوري ضد الحركات الإرهابية النصرة وداعش مثلًا. وقاموا بتشكيل ألوية وتجمعات عسكرية وسياسية عدة من وحدات حماية الشعب الكردي كقوة شعبية لحماية المناطق الكردية، إلى جانب جبهة الأكراد كفصيل عسكري معارض يحارب النظام وقوات سوريا الديمقراطية ضد الإرهاب كتجمعات عسكرية، بالإضافة إلى السياسية كهيئة التنسيق الوطنية المعارضة، ومجلس سوريا الديمقراطي المؤمن بالحل الديمقراطي. فمثلًا عندما هددت تركيا الأكراد من التوسع في الشمال السوري، قاموا بتشكيل قوات سوريا الديمقراطية بالتنسيق مع عشائر عربية وفصائل من الجيش الحر المعتدل من عرب وتركمان. وتمددوا إلى تل أبيض والشدادي ونحو منبج التي كان أردوغان يعتبر تحريرها خطًا أحمر لا يسمح للأكراد بعبوره. فلم يبق أمام أردوغان إلا أن يتقبل عبورهم الفرات، واعتبار القوات العابرة على أنها قوات عربية ليس فيها إلا عدد قليل من الأكراد المدعومين من روسيا وأمريكا. لكن رغم تصريحه هذا عمل دائمًا لإيقاف تلك القوات تارة بالتهديد، وتارة بالوعيد، وتارة بتشكيل ألوية ومجالس وهمية وضخ إعلامي ضدها، على أنها تقوم بتهجير القرى التركمانية والعربية. وكان هذا الضخ كافيًا لتحريك الأكراد بالتعاون مع أهالي المنطقة إلى تشكيل قوة جديدة غير مصنفة بعد، كحركة كردية انفصالية لدى تركيا تحسبًا لمعارضتها للدخول إلى منبج، فاستبقوا تركيا وأسسوا مجلس منبج العسكري، وصرحوا بأن دور قوات سوريا الديمقراطية يقتصر على دعم المجلس العسكري في دحر داعش، ووعدوا الخروج منها فور تحريرها.

وهذا ما حدث بالفعل، تدخلت تركيا من جرابلس وسيطرت عليها، وقالت إنها ستهاجم منبج لطرد الأكراد منها وتسليمها لأهلها كما ادعت، ما أجبر قوات التحالف على التدخل وإقناع تركيا أن القوات الموجودة هناك هي قوات محلية، ولا يحق لها أن تتقدم هناك، وتم إيقافها عند نهر الساجور كحد فاصل بين منبج التي تحت سيطرة مجلس منبج العسكري المدعومة من التحالف، وبين جرابلس الواقعة تحت سيطرة الجيش الحر المدعوم من تركيا، فنجح الأكراد مرة أخرى في الالتفاف على تهديدات تركيا وجلسوا في مفاوضات معها تحت رعاية أمريكا التي أعلنت عن هذا الاتفاق المزعج لتركيا، ولطالما تم توصيفهما كقوتين متنازعتين دون ذكر الجيش الحر، الأمر الذي جعل النشطاء يصفون الاتفاق بأنه كان بين إقليم روجافا وتركيا. فسياسة الأكراد لم يكن مخططة فقط للتخلص من التهديدات التركية، إنما كانوا متحضرين منذ زمن لأي اتفاق بين الأعداء الأصدقاء ضد عدوهم المشترك الأكراد، حيث كانت معركة الحسكة الأخيرة أكبر دليل على ذلك؛ فقاموا بضربة استباقية للنظام السوري الذي أزعجه أيضًا تقدم الكرد في منبج وتوجههم إلى الباب، ومنها إلى عفرين لقطع الطريق عليها للتقدم إلى الشمال السوري «فيدرالية روجافا» الذي أعلنوه في بدايات العام الجاري، وقلبوا الموازين مرة أخرى ليبحث الأصدقاء الأعداء عن طريقة أخرى لمنع التقدم الكردي.

لكن إذا ما سألنا أنفسنا ما الذي مكن الأكراد من فرض أنفسهم كقوة سياسية وعسكرية حقيقية في الأزمة السورية، نرى استطاعتهم كسب القوتين العظمتين كحليفين إستراتيجيين في الحرب ضد الإرهاب، وكسب الرأي العام العالمي والعقيدة القتالية لديهم، بالإضافة إلى تنظيمهم السياسي والعسكري المفقود عند المعارضة والنظام، وسيبقون متفوقين على المعارضة والنظام وتركيا إن استطاعوا المحافظة على علاقاتهم مع روسيا الداعمة لهم في منطقة عفرين، وأمريكا الداعمة في الجزيرة وكوباني. لكن ماذا سيحصل إن اضطروا للتخلي عن إحدى القوتين العظمتين الداعمتين الأساسيتين لها، عن أي الأطراف سيتخلون، وكيف سينجحون في ربط كوباني بعفرين هل سيستطيعون ذلك، وخاصةً في ظل التقارب السوري التركي الإيراني الروسي من ناحية، والتقارب الأمريكي الروسي من ناحية أخرى، وأي الأطراف يمكن الوثوق بها أكثر روسيا أم أمريكا؟

رد المستشار الرئاسي لحركة المجتمع الديمقراطي سيهانوك ديبو على ذلك، قائلًا: «مسائلنا المجتمعية واضحة، ورؤيتنا للقضايا أكثر وضوحًا، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مسارات متوازية محددة بالبعد الوطني الديمقراطي السوري، وكان هذا أساس تأسيسنا لتحالفات وهيئات ومؤتمرات وطنية سورية قبل الأزمة وبعدها. وبعدنا الكردستاني الذي يربطنا مع بقية القوى والأحزاب الكردستانية قضية واحدة نؤكد على ضرورة حلها بشكل ديمقراطي يصون العيش المشترك السلمي. وبعدنا العالمي باعتبار أننا أعضاء في مؤتمرات دولية مثل مؤتمر الاشتراكية الدولية». وأضاف ديبو: «وباعتبارنا جزءًا من الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تتبعها وحدات حماية الشعب والمرأة، وعموم فصائل قوات سوريا الديمقراطية، والأخيرة أصبحت شريكًا إستراتيجيًّا في الأسرة الدولية ضد الإرهاب؛ بغية تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وسوريا والعالم برمته». كما قال ديبو: «لا نعتقد بأننا ووفق هذه المسارات المتلازمة المتوازية أن نضطر إلى التغيير أو التخلي؛ خاصةً إذا ما أدركنا أن الواحدة من هذه المسارات أفضت إلى الثانية». وحول تحرير جرابلس قال ديبو: «تركيا اليوم أصبحت واضحة المعالم، وأصبحت ماهيتها أكثر وضوحًا في أنها أصل الإرهاب، وتمثل داعش فكرًا تكفيريًّا ونهجًا وأسلوبًا، إنهما توأم سيامي لا يمكن فصله. والنظام يعتبر مثالًا على الأنظمة الاستبدادية التي مارست الإرهابين الفكري والعملي ضد مكونات الشعب السوري. وهذان المثالان وغيرهما من المعرقلين للحلول الديمقراطية في الشرق الأوسط مصيرهما إلى الزوال، والإرادة الشعبية لن تقبل بهما بعد اليوم، خاصةً بعد اندلاع ثورة روج آفا 19 تموز 2012».

لكن في ظل التطورات الراهنة لا يخفى على القارئ خطورة الموقف، بالأخص إذا ما ربطنا المصالحات في ريف دمشق وحمص، والاتفاق الوشيك بخصوص حلب، وإخراج المعارضة المسلحة والجماعات المتطرفة منها، والضوء الأخضر الروسي والأمريكي والسوري بخصوص توغل تركيا في شمال سوريا، الذي تحسب له الأكراد منذ بداية الأزمة وتحركوا على أساسه. سؤال ربما لن ننتظر كثيرًا للإجابة عنه: سيتوجون بالنجاح الكاسح أم سينتظرون مئة عام أخرى؟

17900_1093026770712898_8391401757205214178_n

أحمد خورشيد

السلطة الرابعة : أحمد خورشيد

شارك