السلطة الرابعة : حازم العريضي … 27 عاماً من الأسئلة… والجواب كذبة !

السلطة الرابعة : حازم العريضي … 27 عاماً من الأسئلة… والجواب كذبة !

لسبعةٍ وعشرين عاماً هي حياتي في سوريا واجهت الأسئلة التي تصطف بوجه الجميع على امتداد أعمارهم. في سباق حواجز لا ينتهي توالت أمامي الأسئلة وما امتلكت رفاهية التفكير في جواب لسؤال “ما هو الوطن؟ “؛ إذ كان السؤال المُلِح كحال معظم الشباب وربما الأطفال والكهول ” كيف السفر؟ “.

فمذ عدت إلى سوريا في السادسة من عمري يصطحبني والداي – أنهيا رحلتهما الدراسية في أميركا ” الإمبريالية !! “_ بدأت رحلتي في التعرف على الوطن الذي كنت فيما مضى أتخيل معالمه وهما ينسجان لي عنه قصص ما قبل النوم لألف ليلة وليلة.

تبدأ الرحلة في المدرسة تظللها صور حافظ الأسد؛ وردننا كلنا التلاميذ القسم اليومي أكثر من عدد المرات التي يمكن أن نذكر فيها أسماءنا أو أسماء آبائنا أو أبنائنا في كل سنوات عمرنا القادمة.

وتبدأ الأسئلة لتفكيك الرموز الهيروغليفية؛ فما هي ” الرسالة الخالدة ” في شعار ” أمة عربية واحدة.. ” أم أنها لزوم القافية ؟!
ومن هي ” الإمبريالية ” التي سنتصدى لها؟ وكم كانت دهشتي كبيرة حين أفهمني مدرس التربية القومية بأنها نفسها أميركا حيث يُعَدُّ العملاء بين صفوف المبتعثين للدراسة كما قال !!

ومن هي “عصابة الإخوان المسلمين العميلة” أداة الإمبريالية ؟ ذلك أخذ شرحاً طويلاً وله كتبٌ كثيرة تطبعها المؤسسة الحزبية.

أما لماذا ” قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد ” فذلك أمر لا نقاش فيه لأن الإيماءات السليقية من الآخرين بالزجر عن الكفر كافية.

لأجدني أمام سبعةٍ وعشرين عاماً من الأسئلة للتعرف على ثقافة هذا البلد لغته ولهجاته الفسيفسائية بينما لا أزال “أفرمت” ببطءٍ الإنكليزية لأتعلم مكانها العربية، وكم كان إعجابي بنفسي كبيراً حينما استنتجت بأن أبو فلان يُكنَّى باسم الولد الذكر _وإن كان أصغر الأولاد_ لكني تأخرت كثيراً في فهم ما يحمل ذلك من انتصار للذكورية !!

تستمر الأسئلة لفهم فكر أهل بلدي ومعالمه ليس أولها _وإن كان آخرها بالنسبة لي_ معتقلاً يسمى ” فرع فلسطين ” قدم لي الإجابة القطعية، قبل الرحيل عن سوريا، لسؤال ” متى أعود للوطن ؟ ” ألا وهي : ” حين تصبح سوريا وطناً لا معتقلاً “.

آخر أسئلتي كغيري من اللاجئين كان ” متى أعود ؟ “، والإجابة الدارجة لمن حالهم يشبه حالي هي “عندما يسقط النظام “؛ إلا أنها تبقى إجابة قد يختلف كيري ولافروف أو من يخلفهما حول معناها كما يختلفان على مفهوم ” هدنة لإيقاف الدم” ومن قبلها “مبادئ جينيف”؛ ليختلف أبناء بلدي في التفسير وهي عادة درجوا عليها لمئات السنين في تفسير النصوص !.

متى أعود سؤال لا يلق جواباً في خطة انتقالٍ سياسي يبدع معارضون بكتابتها وتحميلها كل الأوصاف الحميدة “هدنة ودستور جديد وانتخابات..”؛ ولا جواب في “بقجةٍ” محشوة بجدليات بشار الجعفري في علم السيادة الوطنية لا تخفي بلاغتها الدم الذي يقطر من أسفلها…

وأسئلة كثيرة تعود لتحاصرني؛ فخروجي من المعتقل لم يكن كافياً للخروج من “ماتروشكا علب الكبريت” التي صممها النظام، أخرج من واحدة لأجد نفسي عالقاً في أخرى، والأدهى أن الخروج من علبة إلى أخرى احتوتها لا يعني زنزانة أوسع كما تقول قوانين الفراغ أو الفيزياء أو أي علم تشاء؛ بل تخرج من علبة صغيرة إلى علبة أكثر ضيقاً !!!

وقد وصل بنا الحال إلى دعوة البعض لحوار الطوائف، ونقاش أسئلة تشبك بين لاهوت العقائد الدينية والسياسية في عودة لنبش القبور والغرق في الأسئلة العقيمة !!
ولا أدري إن كان السوري من ذوي المعتقلين في قبور الأحياء يجد رفاهية الوقت لنبش قبور أولياء الطوائف وأمراءها، أم السوري الغارق بجوار “بلم” مثقوب في رحلات الموت يترفه الغرق في أكثر من ألف وأربعمائة عام من الأسئلة الدائرية ؟!

ولا أدري إن كان حوارٌ على قاعدة تكريس تقسيم المجتمع إلى طوائف يناسب الأسد الولد الذي دأب على مشروعه “سوريا المفيدة” وإعادة إنتاج نماذج سياسية كان الأسد الأب عرابها كنظام الطائف الطائفي في لبنان .. لعن الله المخابرات السورية التي أغرقت الشاشات بداية الثورة بمصطلحات منظري السياسة اللبنانية!.

يتلون علينا قصص ومصطلحات سياسة الزقاق الضيقة في لبنان من تكرار الحديث عن ” التعايش ” كمن ينكأ جرحاً عمقه حافظ الأسد في سوريا ومؤسسات دولتها بدءاً بجيش أشهر مصطلحاته “بلُّود” دلالة على ابن منطقتك أو طائفتك، وأذكر ذلك المشهد حين وصولي إلى القطعة العسكرية بين العشرات كيف باتت ساحة الانتظار أشبه بكراجات الباص وقدم من كانوا أقدم في الخدمة كلٌّ ينادي على جماعته ( الدير الدير .. السويدا السويدا .. الشام و.. و .. )، أما في دوائر الدولة فما تتعلمه في الخدمة الإجبارية ساري المفعول وكل إلى “بلوده” يعرف طريقه !!

قد تكون الأسئلة التي نحتاج الإجابة عليها اليوم هي التمييز بين قيم الحرية من الموت وغيره والحرية في ممارسة المعتقد؟ وكيفية الحصول على تأمين صحي وتعليم للأطفال وحق الحياة وحقوق المرأة وما نتعلم عنه في دساتير البلدان التي نلجأ إليها ككندا وبلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية؟

ولا أدري إن كان مثقفو الثورة الداعين لحوارات ومراجعات داخلية وبينية، وقد صنفوا أنفسهم بين أغلبية وأقلية، يستجيبون لدعوة لطرح حل بديل بتبني العلمانية؟

قد يقول قائل إن الحديث عن العلمانية مهربٌ لكاتب يُصَنَّف اليوم كابن أهله من الأقلية، ولكن كل ما أعرفه أنه حين اتهمني سجاني بأني على دين أبي ” العمالة للمخابرات الأجنبية !! ” وجاهليتي ما قبل الوطنية تحاذقت وقلت : ” ولا تزر وازرة وزر أخرى ” صرخ بي : ” وكمان متسنن يا حيوان…. “

سجاني الغبي لم يفهم أني لست ممثلاً للعائلة أو الطائفة أو أي “جموعية”، وأن قولي كان تعبيراً باللغة المفهومة المحلية أكثر منه انتماءاً لطائفة أو لجماعة انقلابية.

لذا وبعد خروجي رفضت التنكر لما وصفه سجاني بميولي “العرعورية ” وهو توصيفه الخاص لما حلمت به من قيم “الحداثة” و “احترام الفردية “، وسأرفض ما حييت أن أمتثل لطباعه بالعودة إلى التصنيفات ما دون الإنسانية.

وأفضل الانتماء لثقافة أكثر حرية ترسخ حب الحياة والتحرر وما في طلب السعادة من مشروعية، وإن سماه سجاني عمالة للإمبريالية.

وأترك له العمالة للاستخبارات الدولية التابعة لبلدانٍ الاعتقال التعسفي والتعذيب ممنوع على أراضيها ناهيك عن بيع ملفات ما أنتجه في أقبيته من منظمات إرهابية.

وليس لدي نعيم التفكير في الإجابة على أسئلة كـ”من نحن ومن الآخر ؟ ” فهي نفسها الأسئلة الخاطئة التي لطالما كرسها النظام على طريقته في التنمية والدائرة الحكومية وخدمة الجيش الإجبارية.. المشكلة في السؤال من أصله وليست في الجواب…
أنا أبحث عن وطن ولست في وارد الأسئلة الطائفية.

538c7ba5be9020206aa92bc579c800e8

حازم يحيى العريضي

السلطة الرابعة : حازم يحيى العريضي : أورينت نت

شارك