السلطة الرابعة :علي عيسو ..  مصير المكونات العرقية والدينية داخل وثيقة المعارضة السورية !

السلطة الرابعة :علي عيسو .. مصير المكونات العرقية والدينية داخل وثيقة المعارضة السورية !

الدولة الديمقراطية والمدنية تسعى جاهدة لخلق توازنات متساوية بين صفوف مكوناتها الدينية والعرقية، وتعمل بعيدًا عن مفهوم الأقلية والأكثرية، وهذا ما لم تلتزم به الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية حين أعلنت عن رؤيتها للإطار التنفيذي للحل السياسي في سوريا، حيث تسيد مفهوم (الأكثرية) على الوثيقة المطروحة بعد أن كانت خطاباتهم على الشاشات المرئية ضد كل من يتحدث عن الأقليات في سوريا بحجة أن هؤلاء يودون المتاجرة بالأقليات وأن الرؤية الحقيقية للمعارضة هي التمسك بالمشروع المدني الديمقراطي الذي يحترم حقوق الجميع وخصوصياتهم ضمن إطار الوطن الواحد.

– البند الأول من رؤية المعارضة
هذه العقلية البدائية في التعامل مع المكونات العرقية والدينية في سوريا، اتضحت بشكلها الواضح والصريح في البند الأول من المبادئ الأساسية العامة لمستقبل البلاد:
1- سوريا جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتمثل الثقافة العربية الإسلامية معينًا خصبًا للإنتاج الفكري والعلاقات الاجتماعية بين السوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية ومعتقداتهم الدينية حيث تنتمي أكثرية السوريين إلى العروبة وتدين بالإسلام ورسالته السمحاء التي تتميز بالوسطية والإعتدال.

لدى مقارنة هذا البند مع دستور سوريا في عهد الأسد، نجد أن الدستورالسوري يؤكد أن سوريا هي جزء من الأمة العربية، بينما المعارضة تؤكد بأنها جزء من الوطن العربي، حيث الأجدر بالمعارضة القول بأننا جزء من الأمة التي تتكون من مزيج القوميات والإثنيات الغير عربية، أما مصطلح الوطن العربي ففيه من الإلتباس ما يكفي لإبقاء صفة العروبة على الأراضي التي تسكنها شعوب عديدة لا تنتمي للهوية العربية بصلة، ولها تاريخ عريق وأصيل في منطقة الشرق الأوسط.

أما تقارب الرؤية بين المعارضة والدستور السوري فكانت بالإعتماد على اللغة العربية كـ لغة رسمية للبلاد دون التطرق إلى لغة ثاني أكبر قومية في سوريا وهم الكرد، بذلك يغيب مفهوم المساواة التي تعد ركيزة أساسية للمواطنة في هذا البند الذي يتجاهل وجود أكثر من أربعة مليون كردي على الأراضي السورية، والبند هنا ينسف مفهوم المواطنة الذي ذكر في البند التالي.
كما لا بد للمعارضة أن تتعلم من التجربة السويسرية بإقرارها للغات الأربعة كلغة رسمية للبلاد (الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، الرومانشية)، علمًا أن عدد الناطقين باللغة الرومانشية لا يتجاوز 35 ألف نسمة وتعداد السكان في سويسرا يبلغ 8 ملايين نسمة، وأيضًا التجربة البلجيكة بإعتمادها للغات الثلاث التالية كلغة رسمية للبلاد (الهولندية، الفرنسية، الألمانية) رغم أن عدد المتكلمين باللغة الألمانية لاتتجاوز عشرة بالمئة من مجموع السكان في بلجيكا.

إن احترام هذه الدول لـ لغات مواطنيها دليل على إلتزامها بمبادئ المواطنة، على خلاف هيئة المفاوضات التي ترى في “الثقافة العربية الاسلامية معينًا خصبًا للعلاقات الاجتماعية بين السوريين” حسب ماجاء في البند الأول لرؤيتها، لتتجاهل الوثيقة دور المواطنة في تحديد طبيعة هذه العلاقة التي تكون وفق مبدأ “احترام حقوق الآخر المختلف”.
الجميع يدرك أن غالبية السوريين من العرب المسلمين، والأمر لايحتاج لتأكيد من هيئة المفاوضات أو نفي من أي هيئة أخرى، فالتأكيد على الأمر كالقول المبطن بأن سوريا للعرب المسلمين كونهم أكثرية ولا حق لباقي المكونات السورية، ولا أعلم لما تجاهلوا الحديث عن موزاييك المجتمع السوري بمكوناته العرقية والدينية، حيث العلاقة الاجتماعية التي تربط بينهم في دولة المواطنة هي المواثيق والعهود الدولية فيما يتعلق بمبادئ حقوق الانسان العالمية، ولا تزكية لأي مكون على الآخر في دولة العدل والمساواة والقانون.

– البند السادس من رؤية المعارضة

أما البند السادس في الرؤية جاء فيه “اعتبار القضية الكردية قضية وطنية سورية، والعمل على ضمان حقوقهم القومية واللغوية والثقافية دستوريًا”، حيث انتقد المحامي حسين نعسو هذا البند على صفحته الشخصية في الفيسبوك بالقول “تلك الرؤية ليست سوى الا اطلاق واعطاء وعود للكورد دون اية ضمانات قانونية او دستورية او الالتزام بمدة محددة لتنفيذها (العمل على ضمان..الخ) وعبارة العمل تعني السعي لغوياً والسعي قد يصل بالمرء الى مسعاه وقد لايصله وليس هناك اي تبعات قانونية ملزمة على فشل تلك المساعي وقد يقصر ويطول مدة السعي تلك الى مالانهاية مثلما حدث في العراق بخصوص تنفيذ المادة /140/ من الدستور العراقي بخصوص مدينة كركوك وبقية الاراضي المستقطعة من اقليم كوردستان وقبل ذلك نص المادة /58/ من قانون ادارة الدولة في المرحلة الانتقالية والتي مضى عليها اكثر ثلاث عشرة عاماً دون ان يتم تطبيقه او تنفيذه”.

وفي السياق ذاته أبدى المحامي ابراهيم عبد الرحمن (عضو اللجنة القانونية في المركز التعليمي لحقوق الانسان، ألمانيا) عن رأيه بوثيقة المعارضة بالقول “ان المسالة الكردية بعد خمس سنوات من الحرب اصبحت اكثر تعقيدا والامر لم يعد مسالة اعادة الجنسية او بعض الحقوق الثقافية، ففي الحرب الدائرة في سوريا خسر الكرد الآلاف من مدافعين عن مدنهم وقراهم في وجه القوات الإرهابية تارة وقوات تابعة للمعارضة تارة أخرى ومواجهات عدة مع النظام السوري وميليشياته، لذا بات الآن لزامًا أن تقدم الجهة الحاكمة لسوريا المستقبل ضمانات فوق دستورية لعدم تكرار تجربة البعث او تجربة الحرب الحالية”.
وعن تطلعات الكرد لـ رؤية المعارضة، أضاف عبد الرحمن “إن الرؤية المقدمة من الهيئة العليا للمفاوضات لا تقدم ضمانات حقيقة للشارع الكردي، كما أن اعتبار القضية الكردية قضية وطنية يبقي الأمور أمام احتمالات مفتوحة لجهل طبيعة ونوع هذه الحقوق التي سيتم مستقبلا الاعتراف بها للكرد، وأيضًا لا ترتقي الى مستوى ما يطمح اليه المكون الكردي من حكم محلي في اطار سورية موحدة ومستوعبة لجميع أبنائها”.

كما شدد عبد الرحمن على أن “الكرد لم ولن يقبلوا بعودة النظام ليحكمهم، والمعارضة بطروحاتها العديدة وما تقدمه من وثائق من جهة وما تتبناه على الارض من عدم حماية المكون الكردي، كل ذلك يمنع الكردي من خوض المغامرة من جديد بعد تقديمه آلاف الشهداء في سبيل الحفاظ على أمنه المستهدف من جهات عديدة محلية وخارجية وليس آخرها تركية”.

– البند الخامس والعشرون من رؤية المعارضة

وفي البند 25 من رؤية المعارضة جاء فيه “قواعد اتخاذ القرار في رئاسة الهيئة: تعمل رئاسة هيئة الحكم الانتقالي على قاعدة التوافق، وفي حالة عدم تحقق ذلك يتم اتخاذ القرار بأغلبية الثلثين”، وهنا انتقد المحامي محمد علي ابراهيم باشا على صفحته الشخصية في الفيسبوك بالقول “لقد استند الاطار التنفيذي المشار اليه بشكل اساسي الى مبدأ التوافق كاساس للحل السياسي والى اغلبية الثلثين في حال عدم التوافق، أي الى الديمقراطية التوافقية التي تقوم على اساس الاغلبية العرقية لا الاغلبية السياسية ( لذلك أطلق بعض الفقهاء عليها تسمية الديمقراطية الطائفية) ومن ثم فأن عدم التوافق على اي مشروع قانون مقدم (ولن يتم التوافق سلفا) يعني اللجوء الى اغلبية الثلثين التي لا يمتلكها المجلس الوطني الكردي وهذا يتنافى مع مبدأ المواطنة ويخلق البيئة المناسبة لاعادة انتاج السلطة الدينية والطائفية من جديد بالقدر الذي سيعرقل التقدم باية خطوة نحو الحداثة ولنا في العراق ولبنان نماذج و امثلة قريبة”.
– تطلعات الكرد ورؤيتهم لمستقبل سوريا

أنتقدُ اليوم ما جاء في الوثيقة التي تحمل الغموض بين سطورها حيال مستقبل المكونات الدينية والعرقية لأن انتمائي إلى الهوية القومية الكردية بجانب الهوية الدينية الايزيدية تفرضان عليّ الوقوف بحزم ضد أي مشروع سياسي لا يلبي تطلعاتنا كسوريين نسعى إلى دولة مدنية ديمقراطية يصان فيها حقوق الجميع دون تمييز عرقي أو طائفي او اثني، وتحقيق ذلك يحتاج إلى الرجوع للوثيقة التي وقع الكرد عليها في اللقاء التشاوري الكردي لمجموعة عمل قرطبة في حزيران من عام 2014 وشارك فيها العديد من الشخصيات السياسية الكردية من بينهم فؤاد عليكو ومصطفى اوسو وعبد الحكيم بشار، حيث هؤلاء هم ضمن وفد المعارضة في الهيئة العليا للمفاوضات.

السلطة الرابعة : علي عيسو : إيلاف

شارك