السلطة الرابعة : الاعلامي فرحان مطر .. الكوردي كما هو لا كما يرسم لنا

السلطة الرابعة : الاعلامي فرحان مطر .. الكوردي كما هو لا كما يرسم لنا

لم يخطر ببالي يوماً أن أفكر بصورة الكردي التي أعرفها تماماً كما أعرف نفسي، من واقع حياتي كعربي سوري ابن لمدينة الرقة، حيث كان من جيراني في الحي، وأترابي في المدرسة، ومن رفاق أبي، وخليلات أمي الكثير الكثير من الأكراد، هذا عن طفولتي الأولى، أما بقية أيام حياتي التي قضيتها في دمشق إلى لحظة خروجي منها بعد فترة وجيزة من انطلاقة الثورة السورية المباركة من أجل الحرية والديمقراطية ضد النظام الديكتاتوري فهي لم تخل يوماً من صديق أو حبيب كردي.

هذه المعرفة السابقة هي التي منعتني من التفكير بسؤال من قبيل: هل تعرف حقيقة صورة الكردي كما هي لا كما يرسمها لنا الإعلام اليوم؟!.
كان لا بد من زيارة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق لكي أجيب نفسي على هذا السؤال.

كيف بدأت الحكاية؟!.

تلقيت دعوة من الدكتور آزاد علي. الكاتب والباحث ومدير مركز رووداو للدراسات، والعامل أيضاً في قناة رووداو التلفزيونية الكردية. وافقت من حيث المبدأ على المشاركة بالندوة من خلال بحث، أو شهادة عن الرقة، الأمر الذي يرتبط بموضوع الندوة أولاً.

قلت في نفسي: سأشارك وهي فرصة في حال الزيارة أن ألتقي بعض أصدقائي القدامى الأكراد الذين فرقت بيننا الظروف، وهم يعيشون الآن في أربيل.

زرت أربيل.

فوجئت أولاً بمدينة حديثة العهد تحاول أن تضع لنفسها مكانة بين كبريات المدن المعروفة باقتدار. نهضة عمرانية تلفت الأنظار منذ لحظة الخروج من المطار…كم عمر هذه النهضة العمرانية؟!. قيل لي: كل هذا بعد سقوط بغداد.

انشغلت بأيام الندوة وتزامنها مع بدء معركة تحرير الموصل من داعش بمشاركة قوات البيشمركة، ولم يتح لي الوقت الكافي للتعرف إلى المدينة وأهلها عن قرب بصورة مباشرة. مع ذلك وفي الوقت الذي استطعت اقتناصه عنوة، أتيح لي أن أمشي في أحد الأسواق، لأشعر مباشرة كأنني لم أغادر سورية أبداً.

أحسست أنني في إحدى مدن الجزيرة السورية (الرقة – الحسكة – دير الزور)، بصورة لا تصدق.

نفس الوجوه، والأرواح، والأشكال…كل شيء…يا إلهي ما هذا؟!. في أول عاصمة كردية أشاهد مقهى (أم كلثوم)، وأسمع صوتها هنا؟!. اللغة العربية حاضرة هنا حتى يكاد المرء أن يشك بأنه في مدينة عربية تماماً.

اللغة الكردية طاغية هنا حتى تظن أنها كردية صرفة حتى العصافير هنا تتكلم الكردية. خليط اللهجات واللغات الأخرى مع بروز اللغة الإنكليزية بشكل جلي حتى تظن أنك في مدينة دبي.

أربيل مدينة كوسمولبيتية بامتياز.

في أربيل شعرت لأول مرة بأن الكرم العربي له منافس قوي هو: الكرم الكردي. في طريق عودتي إلى الفندق بعد انتهاء العشاء الذي دعاني إليه أحد الأصدقاء، ركبت سيارة أجرة برفقة هذا الصديق بينما كان السائق في أعلى درجات اندماجه مع أغنية عراقية حزينة للمطرب حميد منصور، فقلت للسائق ممازحاً: حرام عليك يا رجل هذه الأغنية، هل من أحد سلطك علينا؟!. نظر السائق نحوي ولم يجب بحرف واحد.

قام صديقي بالحديث معه مترجماً له كلامي الى الكردية. ثم ضحك صاحبي وقال لي: السائق لا يعرف اللغة العربية أبداً. قلت: لا يعرف العربية ويسمع هذه الأغنية الحزينة؟!. قال لي صديقي: الغناء لا يحتاج لغة لتتفاعل معه.

في بيت صديقي الكردي الآخر وعلى العشاء في ليلة أخرى، استعدت نفس الأجواء التي أعرفها في الرقة بين أهلي وأصدقائي، تطابق مذهل في كل شيء عن الفندق الذي كنت أقيم به، وكان العاملون به يتنقلون بالحديث مع الزبائن من لغة إلى أخرى، كنت أرى نفسي كأنني في سوريا برفقة الأصدقاء وهم يمارسون طقوس المحبة والكرم المعتادة.

أثناء مشاركتي في الندوة التي كانت تنقل على الهواء مباشرة ظننت أنني بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لإقناع الحضور بقضيتي المتمثلة بقضية الرقة العربية. فوجئت بالاهتمام والتفاعل والقبول الذي عكسته الحوارات والأسئلة، وبعد ذلك الصدى الإعلامي الإيجابي.

من بين النقاط المهمة التي تسجل للقائمين على الندوة هو تخصيص اليوم الأخير لزيارة قلعة المدينة ومتحفها، وزيارة الجبهة العسكرية للاطلاع عن قرب على مجريات سير المعارك.

زيارة الجبهة ماذا يمكن أن أرى؟!. سألت نفسي.

وصلنا كمشاركين في الندوة إلى الخطوط الخلفية للجبهة، وتمت استضافتنا في أحد مقرات قوات البيشمركة. كالعادة هنا، وفي هذا الظرف بالذات أيضاً كان لا بد من حسن الضيافة. بعد قليل فوجئنا بشاب بلباسه العسكري يدخل المكان الذي أعد لاستقبالنا، وهو محاط ببعض الشباب المسلحين، ويتقدم للسلام علينا فرداً فرداً.

من هذا الشاب العسكري المحاط بهؤلاء المسلحين؟!. سألت نفسي قبل أن يتم تعريفنا جميعاً عليه: الجنرال سيروان برزاني قائد الجبهة السادسة ومسؤول حماية العاصمة أربيل. رحب بنا الجنرال الشاب بلغة عربية ولهجة عراقية سليمة، وقدم لنا شرحاً موجزاً عن سير العمليات العسكرية الدائرة الآن.

تحدث لنا عن تاريخ قوات البيشمركة، وعن علاقات الأخوة العربية الكردية عبر التاريخ، وعن التسامح الذي يؤمنون به.

في أربيل التقيت لاجئين سوريين أكراد.

في أربيل عرفت عن عراقيين عرب سنة وجدوا في أربيل الملاذ الآمن لهم ولأولادهم، حيث تجاوزت عددهم حسب التقديرات أكثر من مليون شخص. في (عين كاوا) الحي المسيحي في المدينة كما قيل لي، تناولت العشاء بدعوة أحد أصدقائي القدامى واستحضرت سهرة مشابهة عشتها في أحد مطاعم مدينة الحسكة قبل عدة سنوات. ما هذا التناغم؟!.

أعود إلى السؤال الذي بدأت به كلماتي عن صورة الكردي التي أعرفها لأقول بعد زيارتي الأولى والتي آمل ألا تكون الأخيرة: في أربيل عرفت الصورة الحقيقية الواقعية دون رتوش أو مونتاج للكردي الإنسان الطيب البسيط المحب لأخيه العربي، وللإنسان عموماً.

من أجل أن تعرف الكردي على حقيقته كما هو لا كما ترسمه أهواء السياسيين لا بد لك من زيارة عاصمة كردستان العظيمة أربيل.

السلطة الرابعة : فرحان مطر : رووداو . أربيل

مقالات الرأي  تعبر عن وجهة نظر ” الكاتب ” ولا تعبر بالضرورة عن  وجهة نظر  شبكة السلطة الرابعة  الاعلامية‬‬‬

شارك