السلطة الرابعة : بين سجون الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) ومعتقلي حزب الشعوب الديمقراطية كلام موجه للكُرد؟!

السلطة الرابعة : بين سجون الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) ومعتقلي حزب الشعوب الديمقراطية كلام موجه للكُرد؟!

إن استبدال سجون الأنظمة المتقاسمة لكردستان بسجون كردية! هو ليس تحرر وبناء وطن ! وإنما هو عملية تكريد لأدوات الاستبداد! فالسجون هي السجون مهما اختلفت عناوينها واللغة القامعة لنا!

فعملية التضامن الواسعة للبرلمانيين الكرد الذين اعتقلوا مؤخرا في تركيا، بالفعل تتطلب منا تضامن كردي عام، وهي من أولويات المناضلين الكرد في مختلف الأجزاء، فالتهم التي استخدمها الادعاء التركي تدور حول تهم جاهزة تتعلق بدعم الإرهاب وما يدور من فلكها من تهم، الغاية منها، إضعاف حزب الشعوب الديمقراطية،

(الذي يعتبر واجهة الكرد :تركيا) أحد ركائز قوى المعارضة السياسية في تركيا، ضد حكومة العدالة والتنمية الحاكم. الذي يحاول فرض هيمنته الكاملة على مؤسسات الدولة وخاصة بعد الانقلاب الفاشل الأخير ( 15 يوليو 2016 ) والذي استثمره اردوغان وفريقه السلطوي في تصفية معظم معارضيه من العسكر، وبات الباب أمامه مفتوحا على مصرعيه لتفصيل نظام دولة على مقاسه بكل المعايير التي يريدها، وبقيت العقبة الوحيدة أمامهم هي المعارضة الكردية وحلفائها المتمثلة بحزب الشعوب الديمقراطية، وبإتمام عملية اعتقال قادة حزب الشعوب (صلاح الدين دميرتاش و فيغان يوكسيك (إلى جانب 9 نواب كرد آخرين نستطيع القول بإن خريف الديمقراطية قد بدأ.

لكن في موازاة ذلك انقسم الشارع الكردي وخاصة في غرب كردستان، إزاء عملية الاعتقالات بين متضامن مع المعتقلين الكرد، وبين متردد، وبين من رفض التضامن، بحجة إن هناك معتقلين كرد في سجون الاتحاد الديمقراطي ب ي د الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، حليف حزب دميرتاش، واللذان تربطهما ارتباطات عضوية من حيث المنشأ الأم “حزب العمال الكردستاني”.

حقيقة أن كل حركة كردية ملزمة بالتضامن مع شقيقتها الكردية في الجزء الآخر أن تعرضت لظلم واستبداد من النظام المحتل لذلك الجزء، لأن جوهر الدفاع عن القضية الكردية قائم على العدالة ومبادئ حقوق الإنسان. ففي الوقت الذي يعتقل الكرد من أجل الدفاع عن حقوقهم، هناك معتقلون كرد آخرون برزوا على المشهد السياسي الكردي، وهم المعتقلون الكرد في سجون الأخوة الكرد!

سجون الاتحاد الديمقراطي

منذ أن استلم حزب الاتحاد الديمقراطي ب ي د (19 -7- 2012) زمام المبادرة والسلطة في المناطق الكردية في كردستان سوريا، بدأ بفرض هيمنته وسلطته، خلق نموذج الحزب الواحد، فشرع ببناء السجون السرية، وقام باعتقال معظم المعارضين له، وخطف قادة ميدانيين معارضين له، إلى جانب نفي سياسيين كرد إلى كردستان العراق. وتحول هذا الحزب من حزب نضال من أجل حقوق الشعب إلى حزب سلطة، ومتحكم بكل تفاصيل الحياة في كردستان سوريا.

هذه الحالة جعلت معظم نشطاء الحركة الكردية في غرب كردستان ناقمين على سياسات الاتحاد الديمقراطي، والحزب الأم المولد له، ولهذا أن حالة التضامن مع دميرتاش ورفاقه، في المشهد الكردي في كردستان سوريا وجدت الانقسام.

في الوقت الذي يخرج أنصار ب ي د في مدن وساحات أوروبا مناديين بالحرية والديمقراطية لأجل المعتقلين الكرد في تركيا، ويجعلون من الشعارات الديمقراطية مطلبا لحل القضية الكردية، يخفون حقيقة واقعية بأنهم وحزبهم هم أول من يمارس القمع، ويغتال الاختلاف، والديمقراطية كرديا، ويتسترون على ممارسة سلطة حزبهم، وبإن هناك سجون كردية لديهم (تابعة لنظام حزب ب ي د) تتبلع كرد آخرين، وتضطهدهم والسبب فقط هو الاختلاف في أدوات النضال الكردي! فسجون ب ي د لا تختلف في القمع عن سجون تلك الأنظمة، وبشهادة معظم الناجين منهم، والذين سردوا عن وحشية في الاستجواب، وعن عمليات تعذيب، وكل ذلك يبرره الحزب لنفسه كونه يخوض حاليا حربا مفتوحة ضد إرهابي داعش.

إن الحركة الكردية في كردستان سوريا المتمثلة بقوى المجلس الوطني الكردي، والحركات الشبابية الموالية لها، تواجه ظلمين مزدوجين! وتقود نضاليين مزدوجين في الوقت نفسه! مرة مثل باقي الأحزاب الكردية التي تقود نضالها الخاص في مواجهة ذلك النظام المحتل لجزء من كردستان، والذي يعمل لمحو الهوية الكردية في ذلك الجزء من كردستان، وفي المرة الأخرى يخوضون نضالا خاصا في مواجهة الاستبداد الكردي المحلي المتمثل بسلطة حزب ب ي د، والذي ينخر من الجسد الكردي داخليا، ويهمين على المشهد بأدوات استبدادية، تهدف بالنهاية لإنهاء الإنسان الكردي الحر، وخلق نموذج مزرعة دكتاتورية، أشبه بحالات المجتمعات العربية التي مرت بتجربة الحزب الواحد.

ومن جانب آخر الحركة الكردية إلى جانب سلطة الاستبداد المفروض عليها، تخضع لوصاية طويلة الأمد مفروض عليها من قبل قيادة إقليم جنوب كردستان، (حزبي الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني) هذه الوصاية التي تتحكم بالقرار الكردي لأحزاب غرب كردستان، والتي تلزمها كثيرا مرات خوض حرب باردة بالوكالة ضد أطراف أخرى على نقيض من إقليم كردستان العراق.

ولهذا فأن أي عملية تحرر للحركة الكردية في كردستان سوريا، وخاصة أحزاب المجلس الوطني، يتطلب التحرر من الاستبداد المحلي ب ي د من جهة ومن الوصاية الكردية من إقليم كردستان، وغير ذلك سيبقى الناشطون الكرد تحت رحمة الآخرين، ومجرد سجناء رأي هنا أو أحجار شطرنج هناك! وهذا الشيء يجب أن يعيه الناشطون الكرد في كردستان سوريا قبل غيرهم. لأنهم المعنيون الأوائل بتحرير مناطقهم، وتطويرها ديمقراطيا، وخلق نموذج تسود فيه قيم العدالة والحرية.

دميرتاش ورفاقه مروضي الجبال!

قد يكون الأقرب لفكر دميرتاش، هم نشطاء الشباب في غرب كردستان، لأسباب منها المنهج العلماني الذي يتبناه، وكونه من الوجوه الشابة كردستانيا.

دميرتاش الذي بدأ حزبه على قاعدة تحالف واسع من المجتمع التركي من يسار، ومثقفين وعلويين، وكرد، وكل الفئات المهمشة في تركيا، حيث أن حزب الشعوب والذي باركه اوجلان والذي تربطه روابط قوية بحزب العمال الكردستاني في المناطق الكردي، هو أكبر حزب في تركيا له منتسبين نساء، وهذا بحد ذاته يضع الحزب في مصافي القوى المدافعة عن بناء دولة ديمقراطية، عصرية، في موازاة بإن هناك من يحاول أسلمة تركيا وجعلها دولة منغلقة دينية، بحجة الإسلام التجاري! كما يروج فريق اردوغان لها.

فدميرتاش ورفاقه هم الوحيدين القادرين في كردستان تركيا على ترويض الجبلي، وجعله مدنيا، وإنهاء عهد العقلية العسكاراتية لحزب العمال الكردستاني ومشتقاته، والتي تجلت بشكل واضح في سلوك سلطة الاتحاد الديمقراطي في كردستان سوريا، وخلق ثقافة نضال المدن، وجيل من النشطاء المدنيين من خلال ممارسة السياسة ضمن الحالة المدنية والدولياتية كرديا، ونقل الوعي السياسي الكردي من الريف والجبل إلى المدن الكبرى، والمؤسسات المدنية هناك، فهذا الحزب وخلفيته من أحزاب كردية سابقة (المجتمع الديمقراطي) أفرز جيل كامل له خبرة في الإدارة على مستوى البلديات، إدراك ما معنى المؤسسة، وتامين حاجيات المواطنين، وخلق ديمقراطية مجتمعية، من خلال فسح المجال للمرأة في الإدارة، وتقريب الوعي السياسي، في التماهي مع الاقتصاد، ودوره في تحرر القضية الكردية. على خلاف حزب الاتحاد الديمقراطي الذي لا يملك خبرة في الإدارة، والسلطة!

وإما على الصعيد التركي، فالحزب يساهم في دمقرطة تركيا، ولأجل هذا نجد تضامنا أوروبيا مع قادته المعتقلين لأنه رهان الغرب على تحول تركيا لدولة شبيهة بالدولة الأوربية من خلال معايير احترام الإنسان، فالبعد التركي في نضال الحزب هو تكتيك وخيار يتخذه المناضلون الكرد في حزب الشعوب من أجل تحقيق الاستراتيجية الجوهرية والتي هي حل قضية كردستان، فهذا التكتيك يقوم على النضال السلمي بدل من العسكري الذي لم يجلب غير دمار البنية التحتية الكردية، وتعطيل تطور المدن كرديا.

هذا النضال بدأ من خلال الاستفادة من النقلة النوعية في تركية من حالة العسكرية إلى الحالة ما بعد العسكرية او حالة الهدنة المؤقتة، لما قبل مخاض المدنية في تركيا.

فأدراك مؤسسات الدولة، والاستفادة منها، والدخول في لعبة الديمقراطية، وخلق مناخ ديمقراطي عام، يؤثر بالنهاية على وعي الإنسان التركي، والكردي خاصة في شمال كردستان من خلال النضال لإيجاد تشريعات، وأدوات تضمن كرامة الإنسان، وفسح المجال لدخول قطاعات التجارة والاقتصاد إليها، وذلك من خلال الانخراط في المنافسة مع آخرين على قواعد اللعبة الديمقراطية، من يقدم أفضل الخدمات، ابتدأ من البلديات وصولا للبرلمان.

ولأجل كل ما سبق نتضامن مع دميرتاش ورفاقه، لأنه يقود نضاليين نضال ضد العقلية التركية الحاكمة. فتغييرها هو تغيير لكل قواعد اللعبة في المنطقة، وخلق نموذج يحتذى به في المنطقة.

ونضالا لأجل خلق جيل جديد يتجاوز البندقية، والحرب، وعقلية الجنرال والجبل الكردي، ويخلق جيل جديد يتماهى مع الفكر الديمقراطي، يدرك مصالحه وحقوقه ضمن قوى وأحزاب كردية تتماهى مع الديمقراطية وتمارسها.

فهذا الحزب وأنصاره كفيل بإن يؤثر على باقي القوى الكردية الأخرى في الأجزاء الأخرى من كردستان على قاعدة الجديد يعطب فعل القديم، واختراق مساحات مناطقها الديكتاتورية، والتي مازالت قائمة على فكر الشيخ، والزعيم الإله… أو الدكتاتور الحزبي.

أنه زمن صُناع الديمقراطية الكردية يا قوم!

السلطة الرابعة : شيروان شاهين

تنويه : مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر ” الكاتب ” ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة السلطة الرابعة الاعلامية‬‬‬

شارك