السلطة الرابعة : أبو مسلم الخرساني قائد كُردي مؤسس الدولة العباسية ، قاهر جيوش بني أمية.

السلطة الرابعة : أبو مسلم الخرساني قائد كُردي مؤسس الدولة العباسية ، قاهر جيوش بني أمية.

(الا أن أهل الغدر أجدادك الكُرد!) نعم هذا ما قاله أبو جعفر المنصور للخرساني عند الغدر به وقتله على يد ” أبو جعفر المنصور ” بعد ان ثبت حكم العباسيين وساعدهم بالوصول للسلطة ، في هاشمية الأنبار، معقل أبو جعفر المنصور وخلافته.
……………………………..
الكُرد في العهد العبّاسي:
مرّ أن الفرعين القُرَشِيَّين (الفرع الهاشمي، والفرع الأُموي) يلتقيان عند الجدّ عبد مَناف بن قُصَيّ بن كِلاب، وكان بين الفرعين تنافس حادّ على زعامة مكّة، وأصبح التنافس عداوة شديدة بعد إعلان الدعوةً الإسلامية سنة (610 م) [1].

الصراع السُنّي- الشيعي:
وقد أسلم بنو أُميّة بعد فتح مكّة سنة (8 هـ = 630 م) مُكرَهين، وظلّت العداوة قائمة في النفوس، وتجلّى ذلك في الصراع على منصب الخلافة بين الخليفة الرابع الهاشمي بن أبي طالب، والزعيم الأُموي مُعاوية بن أبي سُفيان، ومنذ ذلك العهد انقسم المسلمون إلى شيعتين (حزبين) شيعة علي وشيعة معاوية، وأصبح معاويةُ الخليفةَ الأمويَّ الأول سنة (41 هـ – 661 م)، وبعدئذ أصبح اسم (الشيعة) خاصاً بأنصار آل البيت من سلالة علي، وكان ذلك أصل العداوة المستمرة إلى الآن بين من يُسمَّون (المسلمون السُنّة) و(المسلمون الشيعة) [2].

ولم يستسلم بعض قادة بني هاشم للأمر الواقع الذي فرضه بنو أميّة، وعدّوا معاويةَ مغتصباً للخلافة، وثار الحسين بن علي بن أبي طالب على الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية، وقُتل في كربلاء بالعراق مع كثيرين من أتباعه وأهل بيته سنة (61 هـ = 680 م) بطريقة مأساوية، ودارت معارك كثيرة بين الدولة الأموية وأنصار الشيعة، ولم يستطع الشيعة تحقيق الانتصار الحاسم [3].

وبسبب بطش خلفاء بني أميّة بالمعارضة الهاشمية، انتقلت الحركة إلى المرحلة السرية، وفي سنة (98 هـ = 716 م) كان أبو هاشم بن محمد بن الحَنَفِيّة (نسبة إلى أمّه من قبيلة بني حَنيفة، وهو ابن علي بن أبي طالب) أمامَ الشيعة، ويقود الحركة الهاشمية المعارِضة سراً، فاستدعاه الخليفة الأُموي سليمان بن عبد الملك، وأكرمه وأظهر له الودّ، ثم أمر بدسّ السم له وهو في طريق العودة، ولمّا أحسّ أبو هاشم بقرب وفاته، ولم يجد في البيت العَلَوي مَن يدير الحركة السرية باقتدار، تنازل عن الإمامة لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس (العباس هو عمّ النبي)، وأفضى إليه بأسرار الدعوة، وبذلك تحوّل حق الإمامة من الفرع العلوي إلى الفرع العباسي [4].

دور الكُرد في إقامة الخلافة العبّاسية :
كانت الدولة الأُمَوية تنـزع إلى العصبية العربية في العلاقة بالمسلمين المَوالي (غير العرب)، وإلى العصبية القبلية في العلاقة بالعرب أنفسهم، وقد أدرك منافسوهم من قادة الهاشميين الجوانبَ السلبية لتلك النـزعة، فأحسنوا استثمارها لصالح دعوتهم المضادّة للأُمويين، وتقرّبوا إلى المَوالي، واتخذوا بعضَ دعاتهم الكبار منهم، كما أحسنوا استثمار نقمة القبـائل العربية التي لقيت الاضطهاد على أيدي الأمويين.

وجدير بالذكر أنّ الموالي كانوا قوة مهمّة في الدولة الإسلامية، سواء أكان ذلك على الصعيد العددي، أم على الصعيد الجغرافي، فكُردستان وبلاد فارس شاسعة وبعيدة عن دمشق عاصمة الخلافة، كما أنها كثيرة الجبال وعرة المسالك، صالحة للثورات القائمة على الكرّ والفرّ، وهذا أحد أسباب انطلاق الدعوة العباسية من خُراسان في الشرق أولاً، وامتدادها بعدئذٍ نحو الغرب، وكان لبعض الكُرد مساهمة كبيرة في الدعوة إلى آل البيت، وإسقاطِ الأمويين وإيصال العباسيين إلى سُدّة الخلافة، ونذكر في هذا المجال أبا مُسلِم الخُراساني، وأسرة البَرامكة.

أولاً- أبو مُسلِم الخُراساني :
في سنة (129 هـ = 747 م أمر الإمام محمد بن علي العباسي أبا مُسْلم الخُراساني بإعلان الثورة ضد الأمويين في خُراسان (في شمال شرقي إيران حالياً)، وأبو مُسْلِم الخُراساني هو عبد الرحمن بن مُسْلِم (100–137 هـ = 718–755م)، واسمه الحقيقي بَهْزاد، وهو يُعَدّ مؤسس الدولة العبّاسية، وهو من جنوبي كُردستان، انتسب إلى دعوة آل البيت ضد الأُمويين، ثم علا شأنه – بسبب ذكائه ونشاطه- حتى أصبح القائدَ العامّ لجيش الثورة في خُراسان، ولذلك عُرف بلقب (الخُراساني)، وهو الذي حشد الأنصار، وبدأ بالثورة في خراسان، وقضى على مراكز السلطة الأُموية، وألحق الهزائم بجيوش الأمويين واحداً تلو آخر، ثم زحف غرباً نحو العراق، وكان من أبرز المساهمين في إسقاط الدولة الأموية [5].
وكان أبو مسلم صاحب نفوذ كبير، وكان لقبه “صاحب الدولة”، وقال الخليفة المأمون، وقد ذُكر أبو مسلم في مجلسه: “أجلُّ ملوك الأرض ثلاثةٌ، وهم الذين قاموا بنَقل الدُّوَل: الإسكندرُ، وأَرْدَشَيرُ، وأبو مسلم الخُراساني” [6]. وخاف الخليفة العبّاسي الثاني أبو جعفر المنصور أن يستقلّ أبو مُسلم بولاية خُراسان، فاستضافه في قصره ببغداد، ثم أمر بقتله غدراً وعمره ثلاث وثلاثون سنة، وأشار الشاعر أبو دُلامَة إلى أصول أبي مُسلم الكُردية بعد مقتله، حينما هجاه بقصيدة قال فيها:

أبا مُجْرِمٍ، مـا غيّرَ الله نعمــــــــــــــــــــــةً على عبــــدهِ حتى يُغيّرها العبدُ
أفي دولة المنصور حاولتَ غَدْرةً؟ ألا إنّ أهل الغـدر آباؤك الكُرد [7]

وليس غريباً أن ينسب أبو دُلامة الكُرد- بما فيهم أبو مُسلم- إلى الغدر، ويغضّ النظر عن غدر الخليفة أبي جعفر المنصور بضيفه وفي قصره، فهو شاعر الخليفة، ومن الضروري أن يتّهم خصومه بكل الصفات الشنيعة كي يكون قتلهم مبرَّراً.

ثانياً – أسرة البرامكة :
البرامكة أسرة كُردية عريقة، كان لها تأثير كبير في إقامة الدولة العبّاسية، وكانت مقرّبة جداً إلى خلفاء بني العبّاس، منذ عهد الخليفة الأول أبي العبّاس السفّاح (ت 136هـ) وإلى فترة متأخرة من عهد الخليفة هـارون الرشيد، وكان أبناؤها من جملة المستشارين المهمّين والوزراء المرموقين في بلاط خلفاء بني العباس، بل إنّ خالداً البَرْمَكِي كان من جملة القادة الكبار الذين كانوا يعملون في جيش الدعوة العباسية تحت إمرة أبي مُسْلم الخُراساني منذ بدايات نشوب الثورة في خراسان [8].

وإذا تتبّعنا مسار الثورة العباسية سنة (132هـ) وجدنا أنّ قادة الثورة، من أمثال قَحْطَبة بن شَبِيب، بدأوا بشنّ الهجوم على مراكز السلطة الأُموية في جنوبي كُردستان، وخاصةً في حُلْوان وشَهْرَزُور، وعلى مراكزها التي تقع على تخوم كُردستان، مثل الموصل، قبل أن يبسطوا نفوذهم على العراق والشام، بل إنّ المعركة الفاصلة بين الخليفة الأُموي مروان بن محمّد والقائد العباسي عبد الله بن علي دارت على ضفاف نهر الزاب الأسفل (الصغير) في جنوبي كُردستان، ولذا سمّيت “معركة الزاب”، وانتصر العباسيون في هذه المعركة على الأمويين انتصاراً حاسماً [9].

وأدرك العباسيون أيضاً أهمية كُردستان اقتصادياً وعسكرياً، فحرصوا على تعيين المقرّبين منهم وأهل الثقة ولاةً عليـها، فقد ولّى الخليفةُ العبـاسي الأول أبو العباس السفّاح (ت 136هـ) أخاه أبا جعفر المنصور على الجزيرة وشمالي كُردستان، وولّى الخليفةُ العباسي الثاني أبو جعفر المنصور (ت 158هـ) ابنه جعفر على الموصل، وحينـما تولّى ابنُه المَهـدي (ت 169هـ) الخـلافةَ عيّن ابنَه هـارون الرشيد والياً على كُردستان وأذربيجان [10].
23 – 8 – 2013
المراجع:
[1] – ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 2/120. 3/124، 532.
[2] – المرجع السابق، 2/536- 545.
[3] – الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 5/141، 400،
[4] – حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، 2/10.
[5] – الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 7/353.
[6] – ابن خلّكان: وفيات الأعيان، 3/147.
[7] – المرجع السابق، 3/155.
[8] – ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 6/506 – 507. ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 5/267.
[9] – ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 5/271. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، 2/19.
[10] – ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 5/425، 427.
………………………..

السلطة الرابعة : Dr: Ehmed Xelîl

شارك