السلطة الرابعة : شاب مكفوف يكتب عن تجربته , المكفوفين من شعارات للاندماج الاجتماعي إلى أشخاص منتجين

السلطة الرابعة : شاب مكفوف يكتب عن تجربته , المكفوفين من شعارات للاندماج الاجتماعي إلى أشخاص منتجين

ريزان صالح إيبو : منذ أن تطورت الحياة المدنية في المجتمعات البشرية، حاول رواد المجتمع المساواة بين جميع الأفراد على كافة المستويات، عندها بدئنا نسمع عن دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، خطوة لاقت الكثير من العوائق والرفض في البداية إلا انها لاقت النجاح في النهاية، وتقدم التكنلوجيا كان السبب الرئيسي في ذلك النجاح الذي كانت أهم ما قدمته أنها غيرت القناعة الجاهلية السائدة لدى الجماعات والأفراد والتي كانت تحكم على ذوي الاحتياجات الخاصة بالعزلة لأنهم -حسب المعتقد- عالة على المجتمع ولا يمكنهم القيام بواجباتهم الشخصية حتى.. وإن كنت من أولئك الناس الذين يعتقدون بذلك، فأنت على خطأ، ولكن لن أضع كل الخطأ على عدم أطلاعك بل هنالك سبب مهم أخر سأذكره لاحقا.

قد تسمعون على مواقع التواصل الاجتماعي والاعلام الكثير من الجدالات والاقتراحات والتقنيات التي تتحدث عن اندماج ذوي الحاجات الخاصة وسبل تحسين فرصتهم في الحياة والعمل وارسائهم في المجتمع وفي كافة المجالات المدنية، ولكن في وجهة نظري ان كل ما نسمعه حاليا وتشاهدونه انتم هو مجرد خطوات سطحية لا تتطرق إلى نفسية الفرد المكفوف أو وسطه الاجتماعي الذي سيندمج فيه، والذي يتفاوت من شخص لأخر، وبشكل عام تكون رؤوى مستقبلية.

علينا وقبل أن نذهب سريعا إلى رؤوى دمج ذوي الاحتياجات الخاصة بكافة المستويات المدنية والعملية أن نسأل أنفسنا هل نحن “المكفوفين” مندمجون أو نعيش حيواتنا الأساسية بشكل اعتيادي كباقي الناس، أم أن اندماجنا جزئي مجرد شكل من أشكال الحياة الناقصة المقتصرة على المدراس الخاصة ومراحل التعليم الأولية وهاتف مع برامج تساعد في استخدامه؟
من خلال خبرتي يمكن الجواب على هذا السؤال عبر عدة خطوات أو جوانب بسيطة قد تساعد المبصرين أيضا في فهمنا وفي تحسين طريقة المعاملة بين الفئتين:

الجانب الشخصي:

وأهم ما يكون هذا الجانب هو عدم الاتكالية، فهناك الكثير والكثير مما يستطيع الشخص ” المعاق ” انجازه، ربما بشكل أبطأ ولكن في النهاية هو قادر على اتمامه بشكل صحيح، ولكن في بعض الحالات تتوفر معوقات تمنعه من ذلك أهمها الخمول الذي يتشكل من العاطفة السلبية التي يظهرها الأشخاص في محيطه عندما يفرضون عليه مساعدتهم بالاجبار ويشعرونه بالنقص والعجز، وذلك عبر السنين يشكل نوعا من أنواع الحواجز النفسية لدى ذوي الاحتياجات الخاصة، حاجز يوهن له بإنه دائما ما يحتاج للمساعدة وإنه عالة.

وهنالك أيضا حرية التنقل وهي تنطوي تحت عدم الاتكالية ولكن يجب ذكرها لأهميتها الكبيرة، فحرية التنقل هي مفتاح الزنزانة الرئيسية التي يشعر بها الشخص بنقصه وحاجته، فعلى الأشخاص ذي الحاجات الخاصة التدري على الطرقات وفهمها ومعرفة السير عليها بشكل كلي لأن التنقل أهم ركن في الحياة، وفي البداية عند لزوم مرافق للمساعدة عليه أن يشرح الطريق بإيجاز ووضوح وخاصة الطرقات التي تستخدم اعتياديا ويوميا لتمكين الثقة في النفس لدى ذي الحاجات الخاصة، مع الإشارة إلى أنه يمكن -في بعض الأحيان- أن يفضل الكفيف طلب المساعدة من الغرباء في الرحلات الطويلة في سبيل الحفاظ على خصوصيته أولا، ولرفضه أرباك أي شخص معه.

يشير على النفس إلى أن الكفيف يعيش داخليا في حالة صراع حيث أنه في الوقت الذي يطلب الاستقلالية في حياته يشعر أيضا إنه بحاجة إلى مساعدة من قبل الأخرين، لا يمكنني شرح الحالة النفسية كثيرا ولكن في سبيل أيصال الفكرة سأستشهد هنا بم كتبه ” كتسفورث” في كتابه “المكفوف في المدرسة” حيث قال: إن كف البصر يغير الحياة العقلية للفرد بأكملها، وكلما حدث هذا الوضع المولد للإحباط مبكرا أكثر، كانت الحاجة إلى إعادة التنظيم أكثر.

الجانب الاجتماعي :
الذي يعتمد على المجتمع وطريقة مساعدته ولشرح هذا الجانب يمكننا الاعتماد على مثال بسيط، مثلا ما من شك أننا نعيش في زمن التقنية ومعظمنا بات يملك هاتفا شخصيا أو حاسوبا وعليه حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، %90 من مستخدمي هذه المواقع لا يقومون بنشر نص بديل مع صورهم، علما أن جميع المواقع وفرت لهم ذلك المجال في كوصف بديل للصوره في سبيل وصول المادة للجميع، مع العلم أن هنالك مواقع مثل الفيسبوك توفر الوصف التلقائي كمرفق للصورة يتم قرائته وملاحظته من قبل قارئات الشاشة التي هي برامج مساعدة للمكفوفين لاستخدام التقنيات المختلفة،

ولكن مشكلة هذا الوصف تكمن في أنه مصنع من قبل برامج حاسوبية تقوم بمراجعة الصورة ألكترونيا لذلك %80 مما يتم وصفه تلقائيا يكون خاطئا او غير كاف على أقل تقدير، وهنا يجب على المكفوف الاعتماد على نفسه ومراجعة جميع التعلقيات من قبل الأشخاص الأخرين لفهم ما هو مضمون الصورة، وصدقوني لا يمكنكم الاعتماد على الوصف التلقائي لأنه سيضعكم في الكثير من المواقف المحرجه لأختلاف تعليقك عن الصورة المنشورة، وهذا ما سيبعدكم أكثر عن المجتمع ويعيق الأخرين من التواصل معك أيضا.

تبادل الحديث لأول مرة: عند أول لقاء لك بأي شخص مبصر سيحاول تجنب النقاشات العميقة مثلا في السياسة والعلم والثقافة وحتى الجنس، ظنن منه انك أمي أو جاهل وعدم ألتحاقك بالمدرسة من جهة، وبسبب اعتماد المبصرين على التلقي البصري في الكثير من المجالات في عصرنا هذا.
ولكن السبب يقع علينا نحن أيضا “ذوي الاحتياجات الخاصة” في الكثير من الأوقات نكون أنطوائيين ولا نحاول أيصال أنفسنا وما وصلنا إليه أو ما نحن قادرين عليه إلى الأخرين، علي أن اعترف بذلك، فالشخ الذي سيجلس بمقابلي لا يعلم بقارئات الشاشة والأدوات الخاصة بالمكفوفين، قد يجب علينا في مرحلة ما أن نبدا بجمع الناس ومحادثتهم حتى الغرباء منهم عن ما نحن قادرين عليه وما وصلنا إيه دون أحد ما تقريبا، ذلك لكسر المعتقدات الجاهلية والصورة الاعلامية التي تظهرنا في بعض البرامج والمسلسلات الاجتمعاية كالعلقم.

العائلة : بالنسبة للأوضاع العائلية فلكل عائلة خصوصيتها ومدى تقبلها لوضع ابنها والاستجابة لة بشكل صحيح، فهنالك الكثير من العوائل تخاف على أبنها وسمعتها المرموقة وسط الأقارب والأصدقاء ذلك النوع من العائلات التي لا تهتم سوى بصورتها اللماعة أمام الناس بذلك تحرم أبنها من أبسط أنوع الحرية، كحرية التنقل بشكل مفرد التي ذكرتها مسبقا وأكدت اهميتها، حيث أن الشخص الذي اعتاد منذ الصغير إلأ يتجاوز الشارع الذذي أمام باب منزله بمفرده لن يستطيع فيما بعد التأقلم مع نفسه وتقبلها، ببساطة إنها الخطوات الشجاعة التي يبدأ بعدها مشوار الحياة الفردية الخاصة.

 

طبعا هنالك أيضا ذلك الخوف والقلق الذي ينتاب الكفيف لإحساسه المتواصل بإنه مراقب من قبل كل من حوله، ولديه ذلك الرهاب من أن يرتكب بعض التصرفات الغير مقبولة اجتماعيا، وهذا القلق والخوف لا يمكن علاجهما تقريبا حسب خبرتي، وإنما يجب عليه التحلي بالقوة والثقة بالنفس لتحمل ذلك الشعور ومحاربته.

حياة ذو الاحتياجات الخاصة حرب دائمة، مع نفسه ومع المجتمع في سبيل أن يعيش كل يوم في حياتة ببساطة اعتيادية لا تحتاج جهدا لعيشها من الأخرين، عند اعلان السلام والهدنة في هذه الحرب وقتها تكون باقي مجالات الحياة والعمل بسيطة ولا تحتاج الكثير من الجهد.

 

خاص بالسلطة الرابعة : كل ما ذكر في هذه المادة مبني على تجربتي وتجارب بعض الأصدقاء المكفوفين.
ريزان صالح إيبو

شارك