السلطة الرابعة : لمحة عن الحوريين 3000 قبل الميلاد . الميتانيون وممالك الكُرد في بلاد الرافدين وشمال سوريا والأناضول

السلطة الرابعة : لمحة عن الحوريين 3000 قبل الميلاد . الميتانيون وممالك الكُرد في بلاد الرافدين وشمال سوريا والأناضول

الحوريون هم أقوام هندو أوربية «آرية» وهناك ظلال من شك بشأن انتمائهم إلى «السوباريين» الذين ذكروا إلى جوارهم في نصوص رأس الشمرا (أوغاريت)، والذين ذكروا كذلك في الألف الثالث قبل الميلاد على أنهم شعب كبير يشغل مساحة واسعة من بلاد موزوبوتامية.

ويظهر العلماء على أن الحوريين قد جاؤوا من المرتفعات الواقعة بين بحيرة أورمية وجبال زاغروس.

ظهر الحوريون في التاريخ من منتصف الألف الثالث ق.م (أي منذ العهد الأكادي)، إذ كانوا متمثلين بأعداد قليلة في شمال بلاد المووزبوتامية شرقي دجلة، ثم زاد عددهم منذ عهد سلالة أور الثالثة، وزادت مساحة الأراضي التي شغلوها في منتصف الألف الثاني ق.م، وأصبح لهم كيان سياسي في شمال بلاد الموزوبوتامية وسورية وبعض جهات الأناضول، وفي ذلك الحين كان الساميون الأكثر وجودا في «وسط الفرات وجنوب سورية» وبلغ نفوذهم أوجه عندما أسسوا دولة قوية في شمال سورية إضافة إلى مكانتهم في العراق ولعبوا دورا مهما في سياسة المنطقة ولقد استغل الحوريون تدمير «حمورابي» مملكة ماري فوسعوا منطقة انتشارهم وما إن سقطت العاصمة البابلية في يد الحثيين نحو العام 1530 ق.م. حتى كان الحوريون قد أسسوا مملكة تعرف باسم «المملكة الحورية – الميتانية «وعاصمتها مدينة (واشوكاني) مدينة رأس العين الحالية في الجزيرة السورية وكان المصريون يطلقون على المنطقة الحورية – الميتانية اسم «نهارينا» أو بلاد «هورو»و أسماها البابليون «بلاد خانيجالبات».

وعرف الحوريون، شأن الكاشيين والهيكسوس، تربية الخيول التي انحصرت في يد فئة معينة منها وشكلت بواسطتها طبقة من الفرسان أطلق عليها اسم «ميتاني» أو «ماريانو» التي تسلمت قيادة الشعب الحوري، واستنادا على ذلك صار العلماء يطلقون على هذه المملكة اسما مركبا هو «المملكة الحورية – الميتانية «.

واعتلى عرش المملكة الحورية – الميتانية ملوك عدة من أشهرهم «شوتارنا» الأول و»باساشاتار» و «ش اوشاتار» و»أرتاتاما» الأول و»شوتارنا» الثاني و «توشراتا» ثم «ماتي وازا» وآخرهم المدعو «هوربا – تيلا» حيث انتهت في عهده المملكة الحورية – الميتانية إلى الزوال نحو العام 1330 ق.م و كان نفوذ هذه المملكة يقوى و يتعاظم كلما ضعفت سلطة المملكة الحثية، و لذلك استطاع بعض ملوكها أن يوسعوا دائرة نفوذهم السياسية و العسكرية حتى شملت بقاعا واسعة خارج منطقتها الأصلية ، و قد بلغت ذروتها نحو العام 1450 ق.م خلال عهد الملك «شاوشاتار» إذ امتدت من أرابشا في مقاطعة «كركوك» الحالية شرقا حتى إمارة «موكيش» بالقرب من حلب غربا.

ووصل عن هذا الملك أنه شن حربا خاطفة ضد جيرانه الآشوريين في الشرق و احتل عاصمتهم «آشور» ونهب معابدها وعاد إلى عاصمته «واشوكاني» محملا غنائم الحرب ومن بينها باب مرصع بالذهب والفضة وأدى هذا الانتصار للتفكير بدولة قوية.

فالحوريون بعد نشوة الانتصار جابهوا صعابا عند توسعهم الكبير في مناطق استيطانهم، وأثناء تأسيسهم رابطة سياسية مهمة تجمع بينهم لاقى هذا الشعب أقسى ما لاقاه الشعبان الآخران الحثي والكاشي. ومن المحتمل أن يكون الدستور السياسي الداخلي لهذا الشعب هو الذي شكل العائق الأساسي أمام ذلك: فجمهور الشعب الحوري خضع لقيادة دولة فوقية، لابد أن ينتمي أصلها العرقي إلى دم آري ألا وهي طبقة الأشراف المقاتلين على العربات، أو ما يسمى بفرسان الخيول.

تدلنا تسمية هذه الطبقة بـ «المارياني» على أنها ليست إلا تسمية آرية بحتة لأصل هندوأوربي. وما لا شك فيه أن الشعب الحوري قد امتص هذه الطبقة الحاكمة تدريجيا إلى أن انحلت فيه نهائيا.

ولم يكن دائما من الوضوح بمكان كيف يتميز مفهوم «الملك الحوري» من مفهوم «ملك الدولة الميتانية» فالميتانية تسمية أطلق في القرن الخامس عشر والرابع عشر ق.م على دولة واسعة الأطراف تمتد ما بين زاغروس والبحر المتوسط ومن بحيرة وان حتى آشور وارّابشا.

ولقد ترك الحوريون حكام المدن والممالك يحكمون مدنهم، وسيطروا على سورية ومن ضمنها حلب، إذ إن ملكها «إيليم أيلوما» في فترة حكمه نشبت ثورة بحلب قضت على حياة هذا الملك، وأرغم ابنه على التخلي عن العرش والهرب إلى خارج البلاد، ونشبت الثورة ضد الحكام الميتانيين الذين تمكنوا من استمالة الشعب لصالحهم، وقضى ابن ملك حلب (إدريمي) سبع سنوات في بلاد الكنعانيين، حشد خلالها جيشا وأسطولا وتوجه إلى قرب أنطاكية وهناك التقى بوفد على رأسه أخوته فقدموا له الطاعة، وهناك أرسل الهدايا الكثيرة للميتانيين ليستدر عطفهم وعلى رغم ذلك فقد رفضوا عودته إلى حلب.

ولكن إدريمي بعد اتفاقه ومصالحته مع «باراتارنا»، أي بعد خضوعه للملك الميتاني أصبح ملكا على ألالاخ، وقد قام «إدريمي» بحملة على منطقة تابعة للحثيين وكان الهدف من ذلك نهب بعض المواقع الحثية وهذا الهجوم تم بموافقة سيد ميتاني، وربما نصت المعاهدة مع حوري – ميتاني على قيام إدريمي بدعم نشاطات سيده العسكرية عن طريق هجمات جانبية.

– وقد حكم إدريمي 30 عاما، ثم خلفه ابنه ينقميبا على حكم ألالاخ.

فالصراع المصري والحوري – الميتاني بدأ عندما انفصلت سورية عن السلطة المصرية في عهد الملكة حتشيبسوت وتعاظم نفوذ المملكة الميتانية في شمال شرق سورية وتزعمت حلفا قويا ضد الملك «تحوتمس الثالث» (1502-1450ق.م) ولقد اشتهر هذا الملك بكثرة غزواته التي بلغت ست عشرة غزوة ضد سورية، وتمكن خلال الحملة السادسة من احتلال مدينة وحصن (قادش) التي تزعمت المقاومة ضد المصريين وهزم حلفا آخر في جنوب سورية بالقرب من مدينة (مجدو) وعلى رغم الانتصار فإن ذلك لم يحل بين أمراء أواسط وشمال سورية وبين النهوض ثانية ضد الفرعون المصري.

وهنا اضطر «تحوتمس»، خلال السنة الثلاثين من حكمه غزو بلاد ريتينو ودمر قادش للمرة الثانية وتوغل في أراضي سورية. أما بالنسبة للمملكة الحورية – الميتانية التي ظلت تشكل مصدر الخطر الرئيسي على مصالح المصريين في سورية، فرأى تحوتمس أن لابد من تجريد حملة عسكرية ضدها وقد نفذها فعلا في السنة الثالثة والثلاثين من حكمه ووصل إلى نهر الفرات، وأقام لشخصه نصبا تذكاريا بالقرب من النصب الذي كان قد أقامه (تحوتمس) الأول، ولم يتوغل بعيدا داخل أراضي المملكة الحورية – الميتانية وإنما اكتفى بالاصـطدام مع جيشها وتخريب مناطق حدودها الغربية و الجنوبية ولم يكد «تحوتمس» يصل مصر إثر هذه الحرب، حتى عادت المملكة الحورية من جديد إلى التدخل في شئون سورية وتحريض سكانها للنهوض ثانية ضد سلطة فرعون فيها.

وما كان من «تحوتمس» إلا أن جهز جيشا ضخما قاده أيضا بنفسه خلال السنة السابعة والأربعين من حكمه واجتاح مناطق سورية حتى وصل إلى نهر الفرات، واستطاع أن يصل إلى الأرض الحورية – الميتانية ويتوغل فيها وقام بأعمال مدمرة فيها.

ومات «تحوتمس الثالث» في العام 1450 ق.م فخلفه ابنه «امينحوتب الثاني» وقام في العام التالي لتربعه على العرش 1449 ق.م بالزحف على سورية. واصطدم بجيش «نهارينا»، وحصل على غنائم كثيرة وعاد إلى مصر.

وحينما توفي «امينحوتب الثاني» خلفه ابنه «تحوتمس الرابع» (1420 – 1405 ق.م) إذ اضطر إلى الزحف ضد نهارينا ومهاجمتها وانتصر على جيشها وعاد إلى بلاده بغنائم وفيرة. وبعد سلسلة من الحروب العقيمة الخاسرة للطرفين بدأت الدولتين بالتقارب والصلح.

أدرك «تحوتمس الرابع» بعد حربه الأولى ضد المملكة الحورية – الميتانية و انتصاره عليها عدم جدوى شن الحروب المتواصلة وذلك للأسباب التالية:

ـ بُعد مواطن العدو عن وادي النيل.

ـ بُعد مصادر تموين جيش الفراعنة عن ساحات المعارك.

ـ عدم قدرة البلاط الملكي في وادي النيل على تمويل هذه الحروب الباهظة التكاليف. ولذلك بدأ «تحوتمس» هذا عهدا جديدا من العلاقات الحسنة مع الملوك الميتانيين، وتقرب «تحوتمس» من الملك الميتاني «شوتارنا ابن ارتاتاما» وأخذ ابنته زوجة له التي أصبحت والدة خلفه الملك «امينحوتب الثالث» وعندما تسلم امينحوتب الثالث 1405 -1370، السلطة كان من الطبيعي أن يزيد من قوة أواصر القرابة والصداقة مع أخواله ولما عادت المملكة الحثية للظهور مرة أخرى كقوة عظمى وبدأت بتوسيع مناطق نفوذها في شمال سورية، وجد فرعون أن الوقت حان لتقسيم سورية مع المملكة الحورية – الميتانية، وانفردت المملكة الحورية بالنصف الشمالي واكتفى فرعون بالسيطرة على النصف الجنوبي من سورية.

وبعد هذه الفترة توجت شمس الحثيين بذوبان ثلوج قمم الحوريين لتذوب في بوتقة الحثيين ونهاية المملكة الحورية – الميتانية.

لقد جسدت شخصية الملك «توشراتا» نقيضين في آن واحد، هما قوة المملكة الحورية – الميتانية وعظمتها من جهة ونهايتها السياسية والعسكرية من جهة أخرى.

وقد ورد في مقدمة معاهدة الدفاع المشترك التي عقدت بين ابن «توشراتا» خليفته «ماتي وازا» وبين الملك الحثي «شوبيلوليوما» اسم ملك حوري آخر هو «ارتاتاما» ولكن «توشراتا» كان الملك الأكبر الذي دانت له كل البقاع الحورية – الميتانية بالولاء.

وقد أقام الملك الحثي علاقات دبلوماسية مع الملك «ارتاتاما» وتحدى بذلك وجود الملك الحوري الميتاني الأكبر، وازداد التوتر بين المملكتين عندما أعلنت مقاطعة الـ «شي»الولاء للملك الحثي ودفع ذلك كله الملك «توشراتا» إلى إعلان الحرب على الملك الحثي.

وأما الملك الحثي فرأى في ذلك فرصة سانحة له للهجوم على المملكة الحورية – الميتانية، فزحف في مقدمة جيشه ، واجتاح مناطق سورية الشمالية ثم قام بعملية التفاف كبيرة على الحدود الشمالية و الشرقية للمملكة الحورية واصطدم مع الآشوريين وردهم إلى داخل حدود أرضهم.

ثم عاد واجتاح الأراضي الحورية في طريقه إلى العاصمة «واشوكاني» وخاض معارك عسكرية ضد «توشراتا» وانتصر عليه واحتل عاصمته ثم نهبها ودمرها شر تدمير. واغتنم «شوتارنا» ابن «ارتاتاما» الفرصة فخرب ودمر في الأراضي الحورية – الميتانية التي كانت تابعة للملك «توشراتا» وقد اعتقد أن عمله هذا سيجعله مقربا من الملك الحثي المنتصر، الأمر الذي يسهل عليه اعتلاء العرش الحوري الميتاني، ولكن الملك الحثي نصب «ماتي وازا ابن توشراتا» ثم زوجه ابنته.

وعقد معه معاهدة صداقة ودفاع مشترك وأصبحت المملكة الحورية – الميتانية الضعيفة جزءا من الإمبراطورية الحثية كدولة هامشية وحاجزا واقيا أمام أطماع الآشـوريـين التوسـعية.

ملاحظة مهمة :هؤلاء الحوريون لا علاقة لهم بحوريين البحرين… الذين جاء اسم بعضهم نسبة إلى منطقة الحورة في المنامة / وخاصة فريق الحدادة… والحوريون يتواجدون في السعودية واليمن ولبنان وسورية والمغرب والبحرين.

السلطة الرابعة : الوسط : نقلا عن موقع البارتي – الحزب الديمقراطي الكردي السوري.

محمـد خليل الحوري

شارك