السلطة الرابعة : سيهانوك ديبو :  نحو الحل الديمقراطي للقضية الكردية ؛ معركة بين رُع وآبيب

السلطة الرابعة : سيهانوك ديبو : نحو الحل الديمقراطي للقضية الكردية ؛ معركة بين رُع وآبيب

ملخص تنفيذي:
ما لفت انتباهي في الرسالة التي وجهها القائد أوجلان إلى الرئيس العراقي السابق جلال طالباني المبعوثة بتاريخ 24 تموز 2014؛ خاتمة الرسالة نفسها؛ الجملة التي توجز تاريخ النضال الحقيقي للشعب الكردي طيلة أعوام بقائه من أجل الوجود ومن أجل التعريف بماهية الكُرد وماهية مطالبهم؛ الجملة التي أختتمها السيد عبدالله أوجلان رسالته : (

نلتقي في كردستان متحررة Em hev bibînin li Kurdistana azad) وكردستان متحررة فإنه المطلب لشعب يفوق عدده الأربعين مليون، كردستان من مستعمرة دولية إلى متحررة ذاتياً، والتحرر والحرية يكمنان في النظرية الثورية والتي تستوجبها ذهنية ثورية توائمها وتتفاعل مع عناصر الإرادة المجتمعية التي تنظم المجتمع وتعيد تشكيل حركيته؛ بعد سنوات كثيرة من فقدان الوجهة الحقيقية إلى التحرر، وتتفاعل أيضاً مع آليات مشخصة يمكن أن تكون بمثابة دعائم النهوض المجتمعي.

الفوضى العارمة المستشرية في بلدان الشرق الأوسط تظهر للوسط بأنها ليست إلّا حقيقة إفلاس حل الدولتية القومية وشَطْرِ سلطتها بكل نواحيها وفي كل سطوع لذلك. فهذه الفوضى أسقطت كافة أقنعة الدولتيات القومية بكل أشكالها القائمة التي عجزت عن تقديم نفسها كمحررة لشعوبها بالدرجة الأولى وأن تكون ممثلة لشعوبها في السباقات العالمية بالدرجة الثانية من مبدأ التلاقح الحضاري وتنافسها. ولأنه كذلك؛ ولأن المسألة متعلقة بعكس المعنى الذي يستوجب ظهور المعنى/ الحل؛ فإن قوة الحل يكمن في ديمقراطية الحل، والذي يبدو متمثلاً بالفيدرالية الديمقراطية على مبدأ الإدارات الذاتية الديمقراطية. هذا المبدأ يحقق كونفدرالية الشعوب وبالتالي إسقاط كافة أشكال المركزية المحاجزة للشعوب. أي أنَّ جغرافية كردستان/ الميزوبوتاميا العليا التي شكَّلت مهداً لبزوغ فجر الحضارة ماضياً؛ ستشكِّل هذه المرة مهداً لبزوغ الديمقراطية الراديكالية المباشرة- حقيقية الديمقراطية.

فثمة قاعدة في الطبيعة مفادها كل شيء ينمو مجدداً على جذره وصيغة الإدارة الذاتية الديمقراطية تُعتبر بمثابة معايرة متقدمةٍ للظرف الشرق أوسطي في مثاله السوري الحالي المقلق وذو الكثافة العليا من التشابك والتعقيد. مثل هذه الصيغة المطروحة منذ سبع سنين من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD والمعمول بها منذ ثلاثة سنوات تقريباً في شمال سوريا؛ تعتبر من الرؤى النهضوية المتقدمة وتحقيق مسألتي التحول والتغيير الديمقراطي اللتان تضمنان حل كل الأزمات والمشاكل وأهمها حل للقضية الكردية واعتبارها من أسس الحل الكلّي في سوريا. أمّا مسألة قيادة الكرد لعملية التغيير؛ فربما لها عديد الأسباب؛ أهمها الطبيعة التي تؤكد بأن أكثر العناصر تعرضاً للضغط-الكرد- أكثرهم قدرة على أن يكونوا نوابذ المشكلة.

هل يمكن أن يكون مفهوم الحرية مَكْمَنٌ في استحداث الجغرافية المحضة؟
هل يمكن أن يتم التحرر دون أن يستطيع الفرد إدراك ماهية الحرية نفسها؟
إذا كان الطموح مصدره العاطفة؛ هل يمكن أن تكون العاطفة التي تنبع من التقليد العام أن تكون السبب الوحيد في مقاربة الحرية؟ علماً أن التقليد العام لا يكون مقتصرا على تقريب الشخص نفسه للعوالم الخارجية التي يعيشها؛ بل تتجاوزها إلى فضاءات أوسع: يقلد غيره في شكل الوجود الذي يريده، هل أننا وحتى نكون كُرداً لا بد أن نقلد من جزَّأنا في السلطة والاستبداد ومن ثم الابتلاع بعد التقسيم؟ هل حتى نكون في (وجود) أن نقبل كل شيء بحجة لا يمكن أن نغيّر وجه التاريخ ونحن لم نمر بكل مراحله؟ هل حتى نلمس الحرية لا بد أن نقر أولاً أن تاريخنا في القرن الفائت لم نَكُنْ كُتّابه؛ مُسَطرّيه، مُنشئيه، من وجدناه، مَن ألفناه، من أسَّسَ له في زمن الهدم و الظلام؟ في أحسن الأحوال كنّا ولا يزال البعض مثلما كان؛ شهود يهوه الجّدد. ولا يمكن هنا غض الطرف عن الذرائعيين؛ الجدد كما الأسبقين؛ في أن الذي أذهب بالقضية الكردية وحده -لا شريك له- يستطيع أن يُجلبها ويحلّها !

نلتقي في كردستان متحررة؛ أعتقد بأنها تعني أن نكتب التاريخ من جديد، والتاريخ حتى يُكتب؛ لن يروقه سوى الخط الأحمر، فالحرية لا لون لها سوى الأحمر، ولا عين لها سوى الشمس، ولا زمن لها إلّا في الوطن.

حول الوعي العبثي (عقبة العبور) وحول الذهنية الثورية (طريق النور) 

ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط برمته يمكن اعتباره البحث عن المشكلة الكبيرة ومن ثمّ استمرارها بتمرير أو فرض أرباع الحلول وليس أنصافها. طيلة مئتي عامٍ المنصرمة وتحديداً في المئة الأخيرة منه؛ واعتبار أن فينومولوجيا عبثية المشاهد التفصيلية التي نعيشها هذه اللحظات نتيجة؛ أو لنقل نتائج لعدة أسباب جوهرية أهمها: غياب الإرادة التغييرية والذهنية الثورية بعد تغييب الوعي المنتمي للواقع والذي شكّل بدوره غياب الرؤى والمناهج والسلوك في تناول مسألة التغيير وعد القضايا المصيرية جزءً أساسيا ملتصقا بالتغيير.

لا يمكن الحديث عن سوريا وتاريخها السياسي دون أن يتم العبور على عقبة العبور نفسها؛ ضياع الذهنية الواعية و تبدلها إلى ذهنية عبثية ارتزاقية، ومن سمات الذهنية الأخيرة العيش في اللحظة نفسها دون تأصيل لها في التاريخ ودون البحث عن لعب دور فاعل في المجتمع التي تعيشها الذهنية نفسها. وبالتأكيد لا يمكن وصف وطن كامل بالعبثية، حيث أنه من المهم أن نركز على وجود الذهنية المعاكسة للعبثية دون أن تكون ذهنية ثورية بالضرورة؛ يمكن أن تكون معتدلة أو في طور الارتقاء، لكن هؤلاء ينسحقون بسرعة بين الأضداد.

المطلوب في الحالة الكردية التي تستوجب الحل النوعي والرشيد؛ الرؤية الثورية والفكر الثوري والفلسفة الثورية، ففرنسا وأوربا لما كانت بهذه الصيغة المتقدمة دون الثورة الفرنسية والتي قامت من خلال قراءات ثورية وعلى أساس فلسفة ثورية سطّرها فلاسفة ينحون التغيير؛ والمجتمعي أس العلة وعلة التغيير نفسه.

الكُرد – طيلة تاريخهم- أكثر من جرب النظريات المستوردة وأكثر الشعوب تفاعلوا معها ويعود ذلك لأنهم شعب يبحث عن حل مشكلته. يحِنُّ إلى شيء لم يلحظه بعد “الحرية”. والكثير من الدول الإقليمة من بعد الأنظمة العالمية المهيمنة استغلت طموحهم ولعديد من المرات؛ لم يكونوا سوى قوم شرطوا نفسهم بعدما فلحوا إلى الاشتراطات الثنائية في التقاربات العاطفية وبين المسوغات التحليلية، وكلاهما له شروط الذكاء: العاطفي والتحليلي. والجلهتان كنه المسألة وديدن النكوص. لقد كان من كان في زمن الاشتراكية المشيدة يزاود الشيوعيين دون نقد الأنفس حينها وحتى اللحظة، والآن – أغلبهم- ليبراليون ووضعيون أكثر من فيبر وكونت نفسه، والأوراق التي استخدموها سابقا في هجاء أمريكا قلبوها على بطونها بعدما انقلبوا على بطونهم وبدأوا برحلة المديح وعشق الفيراري والفورد والمكدونالد. أنصاف الأفكار وكتبتَها يلدغون ويلدغون من الجهة نفسها دون وازع ودون تفكير بالحيثية التي أوصلت إلى النتيجة نفسها (التبعية في زمن الحرية).
والمسألة هنا هي واحدة؛ لا تحتمل إلاّها- وهي متبوعة أيضا إلى تعويم الذهنية العبثية- وإظهار المعادلة أنها: غياب الكُرد وكردستان هي نتيجة لعبة الأمم بمصائر الكرد، ومن أجل حلها يستوجب توافقاً دولياً والحل – خارجياً، وحتى الاستمرار- وفقه؛ يكون بالرهن والارتهان إليه. هذه أيضا هي روح العبثية الكردية من أجل حل القضية الكردية وفي الأجزاء الأربعة، من المؤكد – هنا- أن ظهور مشهد يفي بحل منقوص لن يكون هو النهاية.

ما العمل وما هو الحل ؟

ثورة روج آفا والتي اندلعت في كوباني وانتقلت إلى المناطق الكردية الأخرى في 19 تموز 2012 لم تكن وليدة الصدفة ولم تكن نتيجة تفاهم بين قوى الاستبداد وقوى الثورة الحقيقية في روج آفا وشمال سوريا كما يدعي العبثيون الكرد الجدد، وإلا لما كتبت لها الاستمرار وأن تحقق المكاسب الثورية. الثورة في روج آفا هي نتيجة تراكمية لأكثر من عقدين من الزمان وحصيلة الفكر والفلسفة الثورية التي خطها الفيلسوف أوجلان عبر نظريته (الأمة الديمقراطية هي الحل).

و من خلال هذه النظرية لم يتخلى أوجلان عن الكيفية التي تراكمُ الكميات حتى تتحول إلى نتيجة مفادها (كردستان متحررة)، وحينما راسل أوجلان مام جلال الطالباني جعلها تنتهي بجملة: (نلتقي في كردستان متحررة). من يملك مخزون مدينة من الشهداء- خمس وأربعين ألف شهيد في ثلاثين عاماً- لا يستطيع إلا الالتزام أكثر حول الهدف، والعمل بثورية وبنظرية ثورية من أجل تحقيق الهدف: نلتقي في كردستان متحررة! لكن ليس بالمفهوم الدولتي وحلول القومية البدائية.

وإنما على قاعدة التحرر الكامل لشعوب الشرق المستعبدة، على أساس مبادئ الأمة الديمقراطية التسعة وعلى رأسها مبدأ الدفاع الذاتي والحماية الذاتية التي تمنع الانزياح لأصل الحرية؛ فالحديث عن الحرية دون وجود قوة دفاع عنها ليس سوى حديث رومانسي وربما يرتقي إلى مستوى الدردشة في مضيق الدردنيل؛ مثالاً تاريخياً. وأمثولة مجزرة شنكال ومهازل (الانتصارات) الشرقية كلها حدثت لأنها افتقرت إلى تنظيم المجتمع وخلق منظومة الدفاع الذاتية لا الخارجية، الداخلية لا الخارجية، الذهنية الثورية لا الذهنية العبثية…لكن كيف؟

كردستان : كيف نحلم بها؛ وكيف تكون؟

إذا انطلقنا من الفرضيَّات الصوريَّة التالية وعلى طريقة المنطق الأرسطي:
كل الكرد يحلمون بكردستان ( فرضية مؤكَّدة رقم واحد)
كردستان لدى كل الكرد غير محرَّرة ( فرضية مؤكَّدة رقم اثنان)
كل الكرد يحلمون بكردستان محرَّرة (نتيجة مؤكدة رقم ثلاثة)

إنَّ هذه الفرضيات والنتيجة المخلوصة إليه تُحتِّمُ على كل الكرد بالإضافة إلى المقتنعين بقضيتهم في الشرق الأوسط وفي العالم بأنه يجب إيجاد حلٍّ لمثل هذه القضية التي لم يعد حلُّها مقتصراً على الشعب الكردي بل أصبحت عالميةً أيضاً وخاصةً بعد الطفرة العالمية المتمثلة بالدعم العالمي لكوباني في الأول من شهر تشرين الثاني 2015؛ المدينة التي قاومت وحيدة في وجه تمدد الدولة الداعشية لمدة 49 يوماً.

لكن هل يكمن الحل في إقامة دولة للكرد على شاكلة الدول القائمة؛ وتشكيل الدولة على أساس القومية؟

إنَّ تفسير بعض مظاهر الاجتماعية المستجدة والفكر الأولي القومية البدائية على حساب القومية المتضامنة مع القوميات الأخرى وفي الحيز نفسه. ولأن همّاً فكرياً واحداً ربط بينهما وهو “إعادة اكتشاف المسألة السياسية” إلى جانب الوعي المضاد الذي جمع بينهما؛ يعتبر بمثابة المَطَب الذي يقع فيه الكرد حينما يربطون مسألة التحرير بمسألة تأسيس الدولة على أساس القوم، علماً أنَّ الدولة القومية كما أشرنا لا تجلب الحرية دائماً وإنما عكسها دائماً تجلب الحرب والفوضى والتقويض الثقافي لصالح السياسة وإدخال البلد أو الدولة في نفق التوازنات التي أحدثتها بالضرورة، فتبقى القائمة من الدولة أسيرة التبعية السياسية، الاقتصادية، الثقافية وهذا يؤكِّد أن كل الدول الحالية في الشرق الأوسط لم تزل غير محرَّرة وإنما مستبَدة بأمرها كدولة وشعوبها مستبدَة بأمورهم أيضاً من قبل الزمرتين الاستبداديتين الخارجية التي صنعت الدولة والداخلية التي تحرص على دخول المستبد الخارجي في اللحظة التي يريدها.

ومثل هذه الحالة بعيدة كل البعد عن كنه الحرية التي ينتظرها شعب كردستان موطن الكرد غير متحرِّرة حتى اللحظة وعملية تحرير كردستان تمرُّ بالضرورة عبر تحرير الشعب الكردي وهذا ليس له علاقة موثّقة بين التحرير كسيسيولوجيا والتحرير كجغرافيا، أي أن المادة لا تولد الحرية وإنما الوعي والذهنية الثورية هما أساس المجتمع الحر، فالمادة (الدولة) هي الطاقة المحبوسة التي تولد العبودية وأمّا الوعي هي الطاقة المتدفقة وهي الحرية بذاتها.

وفي الحقيقة لا يمكن البحث في نشوء كردستان بشكل منعزل عن أدوات التحرير أولاً وثانياً أن ندخل في فهم تاريخية الكرد، فالكرد يصنعون تاريخهم وهم جزء منه، لكنهم معرَّضون لسوء فهمه و تفسيره وتقليدهم للمستبدِّ وبالتالي الوقوع في الخطأ نفسه، فالتجربة التاريخية لحرية كردستان تفرض علينا متابعة مسيرتها في خلال المرحلة الأخيرة، لأنَّ النجاح والتقدُّم الذي أحرزته لم يعودا كافيين فقط لمثل هذه اللحظات التي نعيشها وهذا يفرض إعادة طرح الأسباب والأسئلة واللجوء الى أدوات حلول جديدة، تفكِّك الحاضر وتعيد قراءة الماضي، إذْ أنَّ طبيعة الحرية تعمل على الإجابة عن مشكلة التاريخ السياسية، فنجد صعوبةً بتصوُّر التاريخ ومعالجته، فهو محور أفكارنا وسلوكنا، ونعجز عن فهمه واستيعابه، فنحن بعيدون عن التحرر من الصيرورة لأننا في خضمها، التي تقدم كما الحرية قوة تشكيل ذاتي وتتحرِّر وتسيطر على ذاتها، ستبحث عن نفسها متلمِّسة طريقها وستجدها تتسع بقوةٍ حتى تقارب الحل كما يقول مارسيل غوشيه في كتابه: (دين المعنى وجذور الدولة).

في مفهوم الأمة الديمقراطية وحل القضية الكردية

يقول القائد الفيلسوف عبدالله أوجلان في المجلد الخامس” مانيفستو الحضارة الديمقراطية، القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية: (الأمة الديمقراطية هي الأمةُ المتعددةُ الهوياتِ والثقافاتِ والكياناتِ السياسيةِ مَقابِلَ وحوشِ الدولةِ القومية، وأن كفاحاتُ الأمةِ المتطلعةِ إلى الدولةِ والدولةِ المتطلعةِ إلى الأمة، هي المؤثِّرُ المِحوريُّ في الواقعِ الدمويِّ للعصر. وتحقيقُ مُلاقاةِ الأمةِ مع السلطةِ والدولة، هو المنبعُ العَينُ لقضايا عصرِ الحداثة، والتي إذا ما قارنّاها مع القضايا الناجمةِ من الدولِ الديكتاتوريةِ والسلالاتية، سنَجِدُ أنّ القضايا في عصرِ الحداثةِ تنبعُ من أمةِ الدولة، وأنّ هذا الوضعَ يُشَكِّلُ أكبرَ فارقٍ بينهما.

فالدولةُ القوميةُ التي هي إحدى أشدِّ المواضيعِ تعقيداً في علمِ الاجتماع، تُعرَضُ وكأنها عصا سحريةٌ وأداةٌ لحلِّ جميعِ القضايا المناهِضةِ للحداثة. بينما مضموناً تَجعَلُ من القضيةِ الاجتماعيةِ الواحدةِ أَلفاً. والسببُ في ذلك يَعودُ إلى تسريبِها جهازَ السلطةِ حتى أدقِّ الأوعيةِ الشعريةِ للمجتمعات. والسلطةُ بِحَدِّ ذاتِها تُفرِزُ المشاكل، وتنمُّ عن القمعِ والاستغلالِ كقضايا اجتماعية، نظراً لطابعِها الكمونيِّ لرأسِ المال المُنَظَّمِ في هيئةِ العنف….).

ومن هنا لا بد التمييز بين أمتين، ليس كما يعتقدها البعض أثناء تهجمهم غير المبرر على هذه النظرة الجديدة وهذه النظرية، يعتقد هؤلاء أن المراد من مفهوم الأمة الديمقراطية هو الاشارة إلى مفهوم أمة لا ديمقراطية بالأساس، هذا مفهوم مقوض وخاطئ وسببه موجّهٌ بوجود فعلي لأمتين منها الأمة الديمقراطية التي تظهر بعد فشل وويلات الأمة النمطية كأمة سابق للحل المطروح في الأمة الديمقراطية، والشكلية النمطية التي نجدها جلية في روج آفا الملحقة إلى سوريا كجزء من هذه الأمة النمطية أيضاً والتي أتت وترسخت بفعل الغريب الذي أحدث تقسيمات في الجغرافية، وأقر دساتير غريبة وادعى هذا الغريب (الاستعمار الامبريالي في بدايات القرن الفائت) أن هذا هو عقدكم فهل أنتم منه مدبرون.؟

اتفاقية فرساي في عام 1918التي وضعت فلسفة سياسية مشينة من أجل صناعة الحدود من بعد تقسيم الشرق الأوسط إلى جغرافيات، وكان الكرد فيها غير موجودين كجغرافية مستحدثة أيضا، وهنا لا بد التنويه إلى أن المشكلة التي تعرضت لها القومية الكردية متحولة بفعلها إلى قضية وطنية بامتياز، كانت بسبب تللك الممارسات الخارجية (الخرائط والدساتير) وأيضاً بسبب الممارسات التي اعتمدتها السلطات المُرتبة على ظهورها خارجيا “حتى اللحظة” والعقلية الاستئصالية التي اعتمدتها أنظمة الاستبداد بخاصية الاستعلاء القومي ودساتيره المؤدلجة والاجراءات اللاإنسانية تجاه الكرد بدءً من المشروع الذي أسقط الجنسية عن عشرات الآلاف من الكرد اتخذتها سلطة مستبدة بأمر من أسيادهم المستبدين وأبقت عليها كل أنظمة الاستبداد المتلاحقة.

من أجل ذلك نرى أن في الدولة القوموية تتشكل على الدوام القوة النابذة الرافضة بفعل الاستعلاء القومي المطبق بحقهم أنهم بالفعل رهط الكهنة والرهبان السومريين، كما يشير إليهم أوجلان بين اللحظة والأخرى وفي كل مجلداته.

فهل لنا في روج آفا وشمال سوريا أن نتحول إلى دولة قومية نمطية لا تأخذ بعين الاعتبار عناصر المجتمع في روج آفا (كقوة نابذة مستقبلية)؟ الأمة الديمقراطية تتحقق في ظل مؤسساتها المتشكلة وغير المعتمدة على تصنيف واحد ولون واحد وعلم واحد ولغة واحدة، إنما العكس تكون الشراكة ذهنية وثقافية بعد أن كان العداء (حتى اللحظة أيضاً) عداء ذهنية وعداء ثقافة، الذهنية التي فرزها المستعمر من أجل اقصاء الكرد وأكدتها سلطات الاستبداد الكومبرادورية (التي خلقتها) حالة متقدمة من ثقافة اللا انتماء بسبب عدم وجود الامة الديمقراطية التي تفرز سيادة الانتماء إلى الوطن فقط، وبالطبع المرحلة التي نعيشها في روج آفا هي أشبه بثورة العبيد في تراقيا بقيادة سبارتكوس عام 73 قبل الميلاد.

وبوجود هذه الذهنية ورواسب الارتشاح العدمي في الفكر النهضوي يجعل باستمرار حتمية وجود (الحاجة) التي تخلق للانتقال الى الذهنية الجديدة وتصلح أن تكون المحركة للنهوض في الشرق الأوسط بعمومه، وفي هذه الحالة فإن الصراع الايديولوجي كائن ونشط وهو على أشده، لا كما يعتقد البعض أن نهاية الأيديولوجية صيرت قبل أكثر من عشرين عاماً و نيّف. نود أن نذكر مسألة معرفية هنا بأن دعاة نهاية الأيديولوجية هم في أغلبهم من انزاحوا عن أيديولوجيات ضيّقة، وهم اليوم دعاة أيديولوجية أقل ما يمكن قوله أنها لا تتلاءم مع الطبيعة الديمقراطية المحضة التي تحظى عليها طبائع الشرق الأوسط الديمقراطي.

والكرد في كردستان تعرضت قوميتهم للسطو الدلالي وبمباركة دواخلية من عناصر الاجتماع في الجغرافيات المستحدثة (الدول القومية) وفق التنميط والاستهلال للأمة النمطية التي ركزت عليها أحزاب قوموية استمدت شعاراتها مثلا ” كل شيء في سبيل الوطن” من مبدأ الأمة الفاشية نفسها، وهنا مربط القلق المعرفي “الابستيمية” والذي كشرت عن أنيابها ضد مفهومي الهوية في مثالها السورية والمواطنة السورية وبالنسبة لعموم أبناء سورية، والكرد منهم بشكل مخصوص. من هذا المنحى وأمور كثيرة فرضت على الكرد وفي مناطق وجودهم أن يكون لهم محلان: إما في الدرك السفلي كقومية مقموعة في مجتمع الأمة النمطية، وإما في القمة العليا (مثل غيرهم) في مجتمع الأمة الديمقراطية،.

والظروف المعيوشة ودقائق الأمور تفرض على الدوام أن يكون الكرد هم محرك التغيير الحاسم بسبب تحولهم إلى قوى نابذة من أجل التغيير. فالحل الكردي يكمن في التغيير حتى تحقيق الأمة الديمقراطية عن طريق الادارة الذاتية الديمقراطية؛ شكل الفيدرالية الديمقراطية.

أي أن مبدأ سيادة الأمة الديمقراطية تقوم على نظرية العقد الاجتماعي، وخلاصتها أن المجتمع الطبيعي يسبق المجتمع الوضعي ويعلوه، وأن الأمة الديمقراطية سابقة في وجودها على السلطة، ومن هنا نرى الفيلسوف أوجلان دوام الاشادة عليها في مجتمع (الكلان) السابق للمجتمع الوضعي الذي نشأ عنه العقد الاجتماعي، وحقوق الأمة الديمقراطية كذلك سابقة على السلطة، وهي حقوق لصيقة بالأمة، والجماعة الحرة والحاذقة هي التي أوجدت السلطة (الادارة في مجتمع الادارة الذاتية الديمقراطية)،

بناءً على عقد بينها وبين الشعب الذي انتظم ولا يزال في الكومونات كمسألة ملبية لقضية الانتماء، والمبشرة بعودة الهوية، والمنتظمة في المجالس الشعبية والأحياء والقرى والمدن وتنظيم المرأة وبنسبة 50% هي مسألة متعلقة بطبيعة مفهوم الأمة الديمقراطية التي تستدعيها عناصرها ومن تلك العناصر حق المرأة هو كحق الحياة، وكل ذلك يمثل الرؤية السياسية الاجتماعية ومسألة التنظيم المجتمعي في الادارة الذاتية الديمقراطية،

بموجبه تنازلت الأمة الطبيعية عن بعض حقوقها في سبيل إنشاء هذه السلطة، على أن تكون الأمة هي صاحبة السيادة باعتبارها شخصاً معنوياً له إرادة تتكون من مجموع إرادات الأفراد والجماعات، وعليه، فإن الدولة وبناء على هذا العقد لا تتمتع إلا بالقدر الذي تنازل عنه الأفراد، وبغرض حماية الحقوق والحريات التي لم يتنازلوا عنها، فهي ملزمة باحترام الحقوق والحريات السابقة على وجودها، والتي ما وُجدت الدولة إلا لحمايتها و منها مؤسسة حق الدفاع المشروع والتي هي مقِرّة في كل اجتماع بشري (قديم وحديث). وهذه هي نتيجة وصل إليها أغلبية علماء الاجتماع و المفكرين مثل بوفندروف وتوماس سميث وكانط و جون لوك وروسو وابن خلدون وماركس. وبشكل يحكي الواقع الخاص للشرق الأوسط أوجلان.

يُعَبِّدُ أوجلان طريقين لحل القضية الكردية، و كلا الدربين يسلكان المسلك نفسه في الروح نفسه: الأمة الديمقراطية.

طريق الحل الأول :
يقول أوجلان: وفيما يخصُّ حلَّ القضيةِ الكرديةِ أيضاً، فالسبيلُ الأساسيُّ المبدئيُّ والثمينُ والذي لا يستندُ إلى الانفصاليةِ أو العنف، إنما يمرُّ من القبولِ بشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ.

وجميعُ الطرقِ عدا هذا السبيلِ تؤدي إلى إرجاءِ القضايا وإمهالِها، وبالتالي إلى توطيدِ الانسدادِ العقيمِ أكثر، أو تفضي إلى تصعيدِ الاشتباكاتِ وحصولِ الانفصال. وتاريخُ القضايا الوطنيةِ عامرٌ بالأمثلةِ على هذا الصعيد. ونَعيمُ بلدانِ الاتحادِ الأوروبيِّ بالرفاهِ والغنى ضمن أجواءٍ يعمُّها السلام خلال العقودِ الستةِ الأخيرة، بعدما كانت مهدَ الاشتباكاتِ والنزاعاتِ الوطنية؛ إنما أصبحَ ممكناً بقبولِها لشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ، وبتطويرِها المواقفَ والممارساتِ المرنةَ والخلاّقةَ لحلِّ قضاياها الإقليميةِ والوطنيةِ وقضايا الأقلياتِ لديها.

أما في الجمهوريةِ التركية، فالعكسُ هو الذي سرى.

فالدولةُ القوميةُ المُرادُ إكمالُها وتتويجُها بسياسةِ الإنكارِ والإبادةِ بحقِّ الكرد، قد زجّت الجمهوريةَ في معمعانِ إشكالياتٍ ضخمةٍ لا تُطاق، وأقحمَتها في أجواءٍ من الأزماتِ المتواصلة، والانقلاباتِ العسكريةِ التي يُلجَأُ لها كلِّ عشرِ سنوات.

وعليه، فلن تستطيعَ الدولةُ القوميةُ التركيةُ بلوغَ الرفاهِ والسعادةِ والغنى، أو ترسيخَ أجواءِ السلامِ الوطيدِ كجمهوريةٍ علمانيةٍ وديمقراطيةٍ طبيعيةٍ قانونية؛ إلا تماشياً مع مدى تخليها عن كلِّ ضروبِ سياساتِها الداخليةِ والخارجيةِ تلك، وتراجُعِها عن ممارساتِ نظامِها ذاك، واعترافِها بشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ لجميعِ الثقافاتِ عموماً (بما في ذلك الثقافتان التركمانيةُ والتركية)، وللوجودِ الثقافيِّ الكرديِّ على وجهِ الخصوص.
طريقُ الحلِّ الثاني لشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ، هو تطبيقُ مشروعِه بشكلٍ أحاديِّ الجانبِ ولا يعتمدُ على الوفاقِ مع الدولِ القومية. حيث يطبِّقُ أبعادَ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ على أرضِ الواقعِ بمعناها العامّ، مُؤَمِّناً بذلك حقَّ الكردِ في التحولِ إلى أمةٍ ديمقراطية.

لا جدالَ أنه في هذه الحالةِ ستزدادُ الاشتباكاتُ حِدّةً مع الدولِ القوميةِ الحاكمة، التي لن تعترفَ بطريقِ التحولِ أحاديِّ الجانبِ إلى أمةٍ ديمقراطية. ومقابلَ هجماتِ الدولِ القوميةِ فُرادى أو جَمعاً (إيران – سوريا – تركيا)، فإنّ الكردَ في هذه الحالِ لن يَجِدوا أمامَهم خياراً سوى “الانتقال إلى وضعِ الحربِ والنفيرِ العامِّ بهدفِ صونِ وجودِهم والعيشِ بحرية”. ولن يتقاعسوا عن تسخيرِ قواهم الذاتيةِ في تحقيقِ وتطويرِ تحوُّلِهم إلى أمةٍ ديمقراطيةٍ بكلِّ أبعادِها على خلفيةِ الدفاعِ الذاتيّ؛ إلى أنْ تُفرزَ الحربُ وفاقاً ما، أو يتوطَّدَ الاستقلال.

معركة رُعْ ضد العدو آبيب أو أبو فيس

الاله شمس أو رع يعتبر عند الفراعنة القدماء وبحسب الأسطورة الفرعونية رمزاً للتوحيد ويرمز إليه برمز العاصفة والصراع بين النهار والظلام. تحكي الاسطورة وقائع الدسائس المحاكة من قبل من لم يرق لهم الشمس والديانة التوحيدية، ومن المعروف أن هذه الديانة انتقلت إلى مصر الفرعونية في عهد اخناتون عندما تزوج أميرة تل حلاف الهورية نفرتيتي (الهوريين هم أجداد الكرد أيضاً) والتي ساهمت مع الفرعون في نشر هذه الديانة، والدسائس التي بدأت تظهر بُعيد نشر التوحيد كانت من مصدر رهبان المعبد الفرعوني، الذين شابهوا رهبان سومر، استفاد آبيب أو كما يسميه أهل مصر أبو فيس والذي كان يظهر على شكل تمساح وأحيانا ثعبان ملتف في عدة طيات، ولكي يظهر قبوله لدى معارضي “رع” صار له صورة ثابتة؛ ثعبان في وجه إنسان. تتحدث الاسطورة أن صراعاً قوياً ظهر واحتدم فيما بعد بين الإله شمس (النهار والنور) والإله آبيب (الظلام) المدعوم من قبل الرهبان، وصلت المعركة ذروتها طوال الليل في رحلتها من الشرق إلى الغرب، وأخيراً خرجت شمس منتصرة في صباح كل يوم.

المعركة الممتثلة بين فلسفة الأمة الديمقراطية وفلسفات الأمم النمطية؛ تشبه إلى حد كبير ما جرى بين رُع وآبيب، وستشبه إلى حد كبير النتيجة التي أفرزها الصراع بين النور والظلام.

نلتقي في كردستان متحررة، يعني أن الحرية وبكل ما تحمل من معاني متعلقة بتاريخ وحاضر ومستقبل وتجارب أليمة عاشها الكرد، ويعني أننا محكومون في التوجه إلى معان التحرر المجتمعي بكل ما أوتينا من إرادة وذهنية ثورية، وخاصة بأنه في البال سعيٌّ حثيث عن الحل والأمن والاستقرار وفي الشرق الأوسط الديمقراطي.

 

السلطة الرابعة : سيهانوك ديبو

شارك