السلطة الرابعة : العميد مصطفى الشيخ : قراءة لمؤتمر سوتشي والحالة العامة في المنطقة !

السلطة الرابعة : العميد مصطفى الشيخ : قراءة لمؤتمر سوتشي والحالة العامة في المنطقة !

بداية اود ان اشير الى ان ما اكتبه لا يعبر عن موقفي الشخصي ، انما قراءة المشهد المعقد كما اراه متسماً بكل شفافية مستقلة وامانة المعرفة …
لا يختلف عاقلان ان الصراع القائم بين الارادات الدولية والاقليمية في الشرق الاوسط تتصارع منذ سبع سنوات على ارض سوريا مركز الرحى الذي علق عليه الراسم الدولي الاستراتيجي كل مخططه لتحطيم الشرق الادنى والاوسط واعادة انتاجه من جديد ، وليس ثمة شك ان الراسم الاستراتيجي هو الامريكي ولا سواه ، وليس ثمة شك ان الهدف الاستراتيجي الاول هو انهاء العدو التقليدي للغرب وهو الدور الروسي وما علق به من تحالفات هشة كانت ردة فعل للوقوف امام عاصفة الفوضى الخلاقة التي تقتلع جذور المنطقة وتحطيمها واعادة رسمها وانتاجها من جديد وفق التغيرات الجوهرية المتوقعة من مراكز الدراسات الامريكية التي بنيت عليها نظرية الفوضى الخلاقة والتي لم تعد صالحة للتحكم والسيطرة كما هو المعتاد في القرن الماضي ، اذا ادركنا الهدف من هذه الصراعات في المنطقة كان من السهل تفكيك ما يجري وسيجري لاحقاً .

بداية لا يمكن حل المسألة السورية في الوقت الراهن ، بل المطلوب ان تبقى كالعراق واليمن وليبيا مناطق جذب وتفجير وتشتيت المجتمعات والقوى الاقليمية وارتهان اقتصاد دول الخليج لصالح الحروب من اجل حماية الامن القومي لها ، ليس ثمة شك على الاطلاق ان الجرح السوري سيبقى نازفاً لسنين طويلة كما الجروح الاخرى بالمنطقة ، كل هذه الجهود التي تستميت روسيا لانجاحها ان كانت عسكرية او سياسية ليست الا خوفاً من ان تصل النار الى عقر دارهم وهي الحلقة الثالثة من الصراع والتي سينتهي عندها انجاز الاهداف الاستراتيجية المراد الوصول اليها بعد انجاز الحلقة الثانية وهي تحطيم تركيا وايران والسعودية وتفتيتها على وقع الحلقة الاولى وهي ثورات الربيع العربي ، وما يشير لذلك بقوة هو ان تركيا ادركت ذلك متأخرة جداً فسارعت الى التحالف مع روسيا كما هو واقع ايران في حين ان ايران وتركيا هما دولتان ونظامان من انتاج الغرب وليس من انتاج روسيا بالمطلق ،

تركيا وايران كما هو واضح تماماً يشعرون بخطورة القادم ولا سبيل امامهم الا باتخاذ خطوات احلاهما علقم ومر ، وهاهي تركيا بعد سنين من التهديد والوعيد الذي لا ينم الا عن خوف الوقوع في المستنقع السوري الذي سيطالعا حتماً الا انها وجدت نفسها مجبرة ان تتدخل ، وعليك ان تدرك قوة التحكم حينما يضعوا دولة امام خيارات لا بد من ان تنفذها ، فمن المبكر جداً جداً جداً ان نقول ان تركيا نجحت بسوريا او بتدخلها العسكري ، بل على الارجح ووفق تجارب الحروب فإنها اقرب للفشل بكثير منه الى النجاح لكنها مكره اخاك لا بطل ، وبالتالي لا حسم عسكري تركي بسوريا ،والزمن كفيل لان ينتقل الصراع لداخل تركيا كما هو الحال بايران وعندها تبدأ خلايا السرطان النشطة في المكونات الاجتماعية بالفتك من الداخل التركي وتصبح تركيا امام النتيجة وجهاً لوجه ،

وعليك ان تلاحظ بعين حازقة كيف كان رد فعل امريكا على انتخابات كردستان العراق وكيف كانت ردة فعلها على اكراد عفرين ، وكأنها تعطي الضوء الاخضر لتركيا بالدخول لسوريا بشكل عبر عنه الاكراد بشكل واضح بخذلانهم ، ناهيك عن الدور الروسي الذي يدعو السماء كل لحظة ان تنجح تركيا في عفرين ومن ثم سوتشي بسرعة فائقة تسابق الريح من اجل اسقاط حل سريع بسوريا يقضي بتتويج انتصار روسيا ، ولكن هيهات هيهات ، اذا كان تفكير روسيا بهذا الشكل فإنه لا يعدو الا لعب عيال امام العملاق الامريكي الذي ما ان اقترب موعد سوتشي الا ووزير الخارجية الامريكي يعلن الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط التي تعتمد على نقطتين الاولى تحريك الملف الكيميائي وتحميل روسيا مسؤولية استخدام النظام لها والنقطة الثانية اعتبار نظام الاسد وايران وداعش هم مصدر الارهاب وعينه في الشرق الاوسط وهذا حدث للتو في اجتماع ترلسون مع نظرائه الاوربيين معتمدين بما يسمى اللاورقة كمبدأ تجيب التعامل معه ، اي حشد العالم للوقوف ضد الدور الروسي ومعه الحلفاء الجدد ايران وتركيا بل واتهام المحور كله بالارهاب ،

هذه الحركة الجديدة ليست مفاجئة للمتتبع للمشهد السوري بل مؤكد حدوث شيء يدمر جهود روسيا ، ولو ان هناك اتفاق دولي وتفويض لروسيا بسوريا حتى لاحظنا ان مؤسسات النظام الدولي كمجلس الامن واخواته مفعلة ونشطة وقراراتها بين عشية وضحاها ولربما تنفيذها تحت الفصل السابع ، ولكن هيهات هيهات ان تنفد روسيا من هذه النار التي تقترب شيئاً فشيئاً منها تنذر بنجاح الراسم الاستراتيجي الامريكي لما يهدف اليه من حرب المئة عام كما اعلنها كيسنجر في اواخر القرن الماضي ،

ولعلي اشير الى جزئية مهمة وهي معارك جنوب شرق ادلب الاخيرة التي غيرت كثيراً من قناعات الروس وارعبتهم وهزت كيانهم حيث خسرت مئات الملايين من الدولارات لاحتلال منطقة بعد حرقها بالطيران ففوجأت بانها كلها ذهبت ادراج الرياح بثلاث ساعات ، روسيا وقفت امام هذه الحقيقة ملياً وقررت ان تقدم تنازلات بسيطة للمعارضة لانجاح سوتشي وهذا ما اكدته صور وفد المعارضة مع لافروف وهم يضحكون والذي ادى لاعتذار نصر الحريري عنها لانها ليست الا دليل انهم قد فرحوا بقطعة حلوى رمتها روسيا بين اضراسهم فسال لعابهم لحضور سوتشي واخذوا تلك الصور البهية على وقع تهجير اربعمائة الف من ريف ادلب بايام من تحت جحيم الطيران الروسي ،

انا لا اخونهم بقدر ما اشفق عليهم ، وهل لاحظتم الدبلوماسية الروسية المحمومة لاشراك الامم المتحدة وبعض التصريحات التي تقول فيها ان سوتشي الهدف منه نجاح جنيف وتطبيق قرارات مجلس الامن ذات الصلة ؟ طبعاً روسيا تسابق الري ، وعلينا كسوريين ان ندرك ان القواعد الروسية في سوريا التي ابرم عقدها بشار لمدة خمسين عام هي الاهم بالنسبة لروسيا ،

لان وجود تلك القواعد ليس المقصود منه احتلال سوريا بقدر ما هو الهدف منها تغيير في موازين القوى العسكرية مع الغرب وخاصة الدرع الصاروخي بشرق اوربا ، وبالتالي قضية القواعد هي قضية امن امريكا واوربا القومي اكثر مما تحسب على انها قضية سورية وطنية وان كانت هي كذلك بالفعل ، لذلك هذه القواعد لها حساباتها الاخرى عند امريكا والغرب .

خلاصة القول ان الصراع في الشرق الاوسط والادنى لن ينتهي بسوتشي وان كان هو امل روسي منهك ضعيف لا يقوى على البقاء اكثر من ايام انعقاد سوتشي لانعدام الدور الامريكي ،او بالاحرى للدور الامريكي الذي نلحظه ونعيشه منذ سبع سنوات ، الموقف الامريكي هو الثابت والمواقف الاخرى هي المتحركة كردود افعال طارئة وتحالفات بنيت على عجل في جوها الف سبب لانهيارها في اي لحظة ، وقد لاحظنا بنتيجة حركات التمرد بايران كما انكمش الدور الايراني والقادم ادهى وامر ، ليس ما اكتبه نوعاً من اليأس بقدر ما هو نوع من التعامل مع الحقيقة كما هي لا كما يحلو او يتمنى البعض …

السلطة الرابعة : العميد مصطفى الشيخ

شارك