السلطة الرابعة : ليس لدى بشار الأسد ما يُقايض عليه …

السلطة الرابعة : ليس لدى بشار الأسد ما يُقايض عليه …

 تتوالى أنباء الوساطات التي تُجرى بين النظام السوري ومختلف القوى الإقليمية من كل حدب وصوب. فما إن غادر وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف دمشق نحو أنقرة، معلنا بأنه سيضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتفاصيل ما ناقشه مع الرئيس السوري بشار الأسد، حتى وصل مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرنتييف قادما من المملكة العربية السعودية، بعد أن عقد اجتماعا مطولا مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كشفت الأنباء أنه ركز على المسألة السورية وتفاصيلها. قبل الزيارتين بأيام،

كانت الوساطة الروسية قد نجحت في إقناع النظام السوري تسلم جثة الجندي الإسرائيلي زاخاريا باومبل. وبعدها بأيام أقل، كانت الأخبار تتناقل خبر قبول النظام السوري بتأجير ميناء طرطوس للجانب الروسي لمدة 49 عاما. في وقت كان مستشار الأمن القومي العراقي فالح الفياض قد وصل دمشق للمرة الثانية خلال الشهور الأربعة الأخيرة، تقول المصادر إنها تتعلق بتوجيه رسائل أميركية للطرف السوري.

 

لا يملك النظام السوري راهنا أيا من تلك الأدوات، ولتراجيدية سوداء، فإن بعضها صارت أقوى حتى منه

 

قول مجموع تلك الأحداث أمرين مركبين: فمن جهة يحاول حلفاء النظام السوري إعادة الكثير من الهدوء والتوافقية إلى شبكة علاقاته وتداخلاته مع الدول الإقليمية والقوى الدولية. فالنظام السوري لم يعد متمتعا بالحصانة الإقليمية، وحتى الداخلية، التي تخوله لأن يستمر بسلوكه ومواجهته المفتوحة مع هذه الدول والقوى الدولية، وأنه يجب، كما يعتقد حلفائه، أن يميل إلى التهدئة وحتى المساومة في الأفق المنظور.

 

من جهة أخرى، فإنها تؤكد أن النظام السوري صار منهكا حتى لحلفائه، الذين ما عادوا قادرين على دعمه دون أفق مرئي لما سوف تؤول إليه أحواله. فإيران بعدما قدمت له على مدى سنوات 5 في المئة من مجموع ميزانيتها العامة، اكتشفت أن أزمة النظام السوري الاقتصادية أكبر بكثير من قدرتها على الاحتواء. يحدث ذلك في وقت تتجهز إيران نفسها لموجة من الظروف الاقتصادية الصعبة للغاية. ما ينطبق على الحيز الاقتصادي بين إيران والنظام السوري ينطبق على الحيز العسكري. فتصنيف الحرس الثوري الإيراني كفصيل إرهابي، وإمكانية توجيه الولايات المتحدة لضربات جوية للفصائل الإيرانية في سوريا، يعقد المشهد السوري أمام إيران.

 

شيء كثير من ذلك ينطبق على مأزق روسيا السوري. فالأمر يتحول بالتقادم من دعم روسي للنظام السوري إلى غرق روسي في مستنقع علاقات وقضايا النظام السوري ومعضلاته مع المحيط. من الحساسية الإسرائيلية المتنامية تجاه تعزز سطوة إيران وميلشياتها في سوريا، وهو ما قد يضع النظام السوري في مواجهة إسرائيل، إلى المخاوف التركية البالغة من شن النظام السوري لحرب مفتوحة على منطقة إدلب، دون أي اعتبار لما قد يأتي به ذلك من كوارث على الأمن القومي الداخلي التركي، وليس انتهاء بما تلاحظه روسيا من آثار للموجة الثانية من الربيع العربي، في الجزائر والسودان، التي تعني استحالة بقاء نظام الأسد بما كان وما هو عليه، أيا كان مستوى الدعم الروسي له.

 

على أن سؤلا كبيرا يفتح في هذه الأثناء: إذ بينما تنهال الوساطات بين النظام السوري والآخرين، طالبة تقديم تنازلات متبادلة، ما الذي يمتلكه ويستحوذه ويسيطر عليه هذا النظام، من أدوار وتأثيرات وقوة وتأثير، في داخله ومحيطه الإقليمي، حتى يساوم القوى الأخرى عليها!

 

كانت بنية النظام السوري تقليديا تملك ثلاثة أسس بالغة الحيوية والقوة، تمكنه من الحفاظ على استقراره وبقائه كنظام حاكم لدولة شديدة الخصوصية الداخلية وبالغة الارتباط مع محيطها الإقليمي مثل سوريا. يظهر النظام السوري راهنا وكأنه “عار” تماما من تلك الأسس الثلاثة التقليدية.

 

كان للنظام السوري منذ تأسيسه استطالات سياسية وأيديولوجية وميليشياوية في كامل محيطه الجغرافي الإقليمي، وحتى العالمي. تبدأ من علاقته الأبوية بحزب الله وحركة حماس وحزب العمال الكردستاني وفصائل المعارضة العراقي، ولا تنتهي بشبكة الأحزاب القومية/البعثية في الدول العربية، وتصل حتى حركة تحرير فطاني التايلندية.

 

بقي النظام السوري لعقود يستخدم تلك الشبكات لصالحه، يدخل في مساومات إقليمية ودولية على حساب تلك الاستطالات وباستخدامها، يحرز عبرها مكاسب لصالح تثبت حكمه عبر شبكة الرعاية الإقليمية والتفاهمات الدولية له.

 

لا يملك النظام السوري راهنا أيا من تلك الأدوات، ولتراجيدية سوداء، فإن بعضها صارت أقوى حتى منه، وحامية له بشكل ما، مثل حزب الله اللبناني، الذي يظهر النظام السوري وكأنه هو الاستطالة لمشروع حزب الله الإقليمي.

 

الأمر الآخر كان يتعلق بمستوى براغماتية النظام السوري وقدرته على تفهم حساسيات الأحوال الإقليمية وضبط سلوكه وتوجهاته تجاهها. من تفهمه ومراعاته التامة لأمن إسرائيل، مرورا بقدرته التداخلية في شؤون الجماعات اللبنانية وضبط العلاقات فيما بينها لعقود، وليس انتهاء بكبحه للتنظيمات الفلسطينية المتطرفة وتفهمه للأمن القومي التركي وحساسياته. كان النظام السوري بسلوكه ذاك، إنما يثبت ويقنع جميع الأطراف بأنه “أفضل من يحكم سوريا”، وأنه لولاها، فإن أية سلطة سورية أخرى، لن تتمكن ولن ترضى فعل ما يفعله هو تجاه هذه المعادلات والحساسيات الإقليمية.

 

صار النظام السوري منهكا حتى لحلفائه، الذين ما عادوا قادرين على دعمه دون أفق
 

لا شيء من ذلك اليوم، فالأمنان القوميان، الإسرائيلي والتُركي، يمسان من قبل حلفاء النظام السوري وبفضل ما يتركه النظام السوري لهم من مساحة، وقدرة النظام السوري على التدخل في الملفات الفلسطينية واللبنانية صارت متهالكة. فوق ذلك، فإنه صار قوة ومركزا لسوء الاستقرار، ولا تستطيع القوى الدولية الاعتماد عليه، مثلما كانت تفعل من قبل.

 

أخيرا، فإن شرعية النظام السوري كانت تتأتى بجزء منها مما توفره من أشكال للحياة العامة الداخلية للسوريين، ولو بالحد الأدنى. من دعم معقول للمواد الأولية، وتقديم خدمات صحية معقولة، وتوفير شبكة التعليم العام والجامعي لأوسع قاعدة اجتماعية سورية، وتأمين مستوى عال من الأمان والحياة الاجتماعية المدنية، دون تدخل أيديولوجي، وبفصل معقول للمجالات والجماعات والطوائف عن بعضها البعض.

 

كل ذلك الذي بقي النظام السوري يساوم السوريين عليه لنصف قرن: “تخلوا عن حقكم في الحرية والسلطة والمجال العام، مقابل منحكم هذه الأشياء الحياتية البسيطة”، حتى ذلك لم يعد يمتلكه النظام السوري. وطوابير الانتظار على محطات الوقود، التي صارت متفوقة بالعدد ومساوية بالمأساة لطوابير السوريين الفارين من بلادهم، هي أكبر شاهد على ذلك.

 

السلطة الرابعة : الحرة : رستم محمود

 

 

شارك