السلطة الرابعة : شمال سوريا على صفيح ساخن.. معركة “عض أصابع” بين تركيا وروسيا لحسم مصير المنطقة . التفاصيل ؟

السلطة الرابعة : شمال سوريا على صفيح ساخن.. معركة “عض أصابع” بين تركيا وروسيا لحسم مصير المنطقة . التفاصيل ؟

تشهد محافظة إدلب ومحيطها من أرياف اللاذقية وحماة وحلب تصعيداً غير مسبوق من قبل النظام السوري الذي يشن منذ أيام غارات جوية وهجمات صاروخية أدت إلى مقتل عشرات المدنيين وسط مخاوف من شن هجوم أوسع على المحافظة التي تمثل آخر قلاع المعارضة السورية.

ورداً على هذا التصعيد غير المسبوق من قبل النظام السوري، شنت المعارضة السورية وتنظيمات جهادية هجمات نوعية تعتبر الأعنف منذ أشهر طويلة ضد النظام في إدلب وريف حماة وداخل حلب أوقعت خسائر موجعة في جيش النظام والمليشيات الداعمة له، ما أعاد الأوضاع في الشمال السوري إلى ما كانت عليه قبل توافقات أستانة بين روسيا وتركيا وإيران.

وعلى الرغم من أن المعركة المباشرة تدور بين النظام السوري وفصائل المعارضة، إلا أن مراقبون يرون أن هذا التصعيد ما هو إلا واجهة لمعركة “عض أصابع” تتصاعد بين روسيا وتركيا في محاولة من كل طرف لتعزيز موقفه في المباحثات العسكرية والسياسية المتواصلة بين الجانبين حول مستقبل الشمال السوري وشكل الحل النهائي للأزمة السورية.

ويتركز التباين الجوهري بين روسيا وتركيا حول مصير إدلب في أن موسكو تريد حسم مصير المحافظة وإنهاء المعارضة السورية فيها في أقرب وقت ودون تقديم أي استحقاق سياسي أو عسكري وذلك استناداً إلى التفوق العسكري لروسيا الذي مكن النظام من استعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية ويتيح لهم السيطرة على إدلب عسكرياً حال انهيار التوافقات السياسية مع تركيا والتي تمنع حتى الآن هجوم واسع لروسيا والنظام على إدلب.

تركيا ترفض محاربة المسلحين في إدلب بدون تعهدات كي لا تكون “تحارب نيابة عن النظام”

بالمقابل، فإن تركيا تسعى بكل ثقلها العسكري والدبلوماسي إلى أن تؤجل مصير إدلب إلى ما بعد تحقيق تقدم في ملف الحل السياسي النهائي للأزمة السورية، وتريد أن تبقى المحافظة ورقة الضغط الأهم والأخيرة على الأغلب على النظام وروسيا لتحقيق ولو جزء من مطالب المعارضة في تعديل الدستور وإجراء انتخابات وغيرها من المطالب.

ومنذ أكثر من عام ونصف تخوض تركيا مع روسيا لعبة معقدة تتمثل في سحب الذرائع والتوصل إلى حلول مرحلية لتأجيل الاستحقاق الصعب وتجنيب محافظة إدلب مصير حلب والغوطة الشرقية عبر هجوم عسكري واسع يتسبب في مجازر بحق المدنيين وموجات هجرة جديدة نحو الأراضي التركية بالإضافة إلى وصول النظام السوري والمليشيات الإيرانية إلى الحدود التركية.

وعقب كل عدة أشهر أو أسابيع من الهدوء، تعاود روسيا الضغط على تركيا من خلال هجمات النظام والمليشيات على إدلب ومحيطها وذلك لإجبار تركيا على الموافقة على عملية عسكرية ضد المعارضة في المحافظة، أو تكفل تركيا بسحب أسلحة المعارضة أو محاربة التنظيمات الجهادية فيها، وهو ما زالت ترفضه أنقرة حتى اليوم لأسباب متعددة.

وبعد أن وقعت الدول الثلاث الضامنة لاتفاق أستانة تفاهمات إقامة نقاط المراقبة التركية، هاجمت روسيا والنظام إدلب عشرات المرات، وفي كل جولة تصعيد كانت تنجح أنقرة في بسط هدوء وإن لم يكن كاملاً لكنه نجح حتى اليوم في تجنيب المحافظة هجوما عسكريا واسعا يهدد بقاءها في يد المعارضة.

وكان التحدي الأبرز أمام تركيا قبل نحو 6 أشهر عندما حشدت روسيا والنظام والمليشيات الإيرانية قواتها لتنفيذ عملية عسكرية ضخمة ضد إدلب، تمكنت تركيا من خلالها نفوذها السياسي والعسكري وتحشيد المواقف الدولية من الضغط على موسكو ومنع العملية من خلال التوافق على إقامة “منطقة منزوعة السلاح” بين مناطق سيطرة النظام والمعارضة وسحب الذرائع من النظام.

لكن ومنذ أيام عاد شبح الحرب ليحوم مجدداً حول إدلب من خلال غارات جوية وضربات صاروخية قتلت ما لا يقل عن 80 مدنياً وهجرت عشرات آلاف السكان ووصلت الصواريخ والغارات الجوية على بعد عشرات الأمتار من نقاط المراقبة التركية.

في المقابل، ردت المعارضة السورية بشكل غير مسبوق على هذه الهجمات، ونفذت فصائل محسوبة على المعارضة وأخرى “جهادية” هجمات ضد النظام وميليشياته في محيط إدلب وريف حماة وداخل حلب أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف النظام، حيث رأت مصادر سورية مطلعة أن أنقرة وعلى عكس المرات السابقة لم تمارس أي ضغط على فصائل إدلب لكي لا ترد على خروقات النظام، وتركت لها حرية التصرف، بينما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بالقول إن أنقرة حركت بعض الفصائل لتوجيه ضربات للنظام لتذكيره بأن معركة إدلب لن تكون سهلة وأن أنقرة هي القادرة على ضبط ردود المعارضة وليست التهديدات الروسية أو هجمات النظام، وهو تجلٍ واضح لمعركة “عض الأصابع” بين أنقرة وموسكو من خلال النظام والمعارضة.

ومن خلال التصعيد الأخير، تسعى روسيا للضغط على تركيا من أجل فتح المجال أمام النظام للتقدم تدريجياً نحو إدلب، أو التكفل بمحاربة التنظيمات الجهادية وسحب أسلحة المعارضة، وهو توجه ترفضه تركيا بشكل مطلق حتى الآن، وترى فيه محاولة روسية لتوريطها في معركة ليست لها مع المسلحين في إدلب، في معركة ستكون نتائجها لصالح النظام السوري الذي سيواصل مساعيه للسيطرة على إدلب بكافة الطرق.

وتشير مصادر تركية إلى أن أنقرة ربما تقبل بتنفيذ عمليات محددة ضد بعض الفصائل الجهادية في إدلب في حال حصولها على ضمانات تتعلق باستمرار بقاء المنطقة آمنة وتحت نفوذها المباشر، وهو ما ترفضه موسكو التي تصر على ضرورة عودة كافة المناطق إلى سيطرة النظام السوري.

وفي مسعى أخير، تضغط أنقرة باتجاه قبول روسيا بلجم النظام مجدداً ووقف الخروقات لاتفاق المنطقة منزوعة السلاح، وذلك مقابل قبول الجيش التركي بتسيير دوريات له على طول المنطقة منزوعة السلاح وضمان وقف أي خروقات من قبل فصائل المعارضة أو الجهاديين، في محاولة جديدة لكسب مزيد من الوقت لتأجيل استحقاق إدلب لحين تحقيق تقدم في ملف اللجنة الدستورية والحل السياسي النهائي قبل أن تفقد آخر ورقة “إدلب” آخر أوراق القوة والضغط في يدها ويد المعارضة السورية على حد سواء.

 

السلطة الرابعة : المانيا : إسطنبول – “القدس العربي”

شارك