السلطة الرابعة : مشاهدات في الطريق إلى تل أبيض !

السلطة الرابعة : مشاهدات في الطريق إلى تل أبيض !

كتابة مشاهدات الرحلة إلى مدينة تل أبيض، تعني إعادة السير، حرفياً، في طريق مزروع بالألغام، في ظل التوتر الكردي-العربي الذي يخيم على أجواء العالم الافتراضي، ومواقع التواصل الاجتماعي. توتر يفوق بكثير ما يُمكن مشاهدته على أرض الواقع*.

بدأت الرحلة، الإثنين 22 حزيران/يونيو، من المعبر المؤدي إلى مدينة كوباني “عين العرب”، وكان في انتظارنا عند دخول الأراضي السورية عناصر من “لواء ثوار الرقة” التابع لـ”الجيش الحر” المشارك في غرفة عمليات “بركان الفرات” التي قاتلت تنظيم “الدولة الإسلامية”، بدءاً من كوباني وانتهاءً بعين عيسى التي تتبدل السيطرة عليها بين يوم وأخر .وبرفقة “لواء ثوار الرقة”، بدأت الزيارة إلى مقر “الإدارة الذاتية المؤقتة” لمدينة كوباني، للتعرّف والاطلاع على نشاطاتهم.

للوصول إلى مدينة تل أبيض، يتوجب سلوك طرق ترابية وعرة، في أغلب الأوقات، كون تنظيم “الدولة” قام بتفخيخ الكثير من الطرق الرئيسية، ما يجعل المرور منها غير آمن، بالإضافة إلى اندلاع الاشتباكات في محيط عين عيسى.

أول ما يثير الانتباه هو معمل الإسمنت الفرنسي “لافارج”، والذي روّج التنظيم أنه قام بتفخيخه وتفجيره. “لافارج” كان سليماً، لا تبدو عليه أي علامات تخريب أو تهديم. طوال الطريق تراقب الأراضي الزراعية الممتدة إلى جانبي الطريق، والمنازل الطينية المتناثرة بشكل قرى صغيرة، أو بيوت منعزلة. كان واضحاً أن موسم الحصاد قد بدأ منذ مدة، وأن غالبية الأراضي تم حصادها. وكلما لَمحت أراضي محروقة، يستوقفك المشهد، وإن دققت أكثر، سيتبين أن معظمها أحرق بعد حصادها، لإعدادها للفلاحة، باستثناء البعض الذي أحرقته الاشتباكات وقذائف الهاون.

المرور في القرى التي كانت “داعش” قد سيطرت عليها سابقاً، يعني مشاهدة آثار استهداف طيران التحالف لمناطق تمركز قوات التنظيم فيها. في هذه القرى العربية، بأغلبها، يمكن ملاحظة مظاهر لحياة خجولة بعض الشيء؛ حركة المدنيين والماشية، وعمليات الحصاد. ومن هذه القرى: جرن الصالح وجرن البوعساف والفارس والبدرية. وعند السؤال عن سكان هذه القرى، وإن كانوا قد تعرضوا لتهجير أو انتهاكات؟ كانت معظم الردود بالنفي، خلا بعض حالات الاعتقال لبعض الأشخاص المشتبه بهم، وبعلاقتهم مع التنظيم. السكان يقولون إنه تم الإفراج عمن ثبت عدم تورطه، وكان هناك تأكيد على عدم حدوث إحراق متعمد لأي محاصيل زراعية.

خلال الطريق، تستوقفك حواجز لقوات “الأسايش” -الشرطة أو قوى الأمن الداخلي الكردية- وحاجز واحد لـ”وحدات حماية المرأة”، وحاجز قرب تل أبيض تابع للجيش الحر من شباب دير الزور. وعند الوصول إلى مدينة تل أبيض، وعند الدوّار المقابل للمعبر، ستمر على حاجز لـ”الأسايش” وهو آخر حاجز في الطريق.

على السارية الكبيرة في ساحة المعبر، رفرفت راية صفراء كبيرة، مثلثة الشكل، تمثل علم قوات “وحدات حماية الشعب” الكردية، مقابل العلم التركي على الطرف المقابل للحدود. وعند دخول المدينة، ثمة حركة ملحوظة للمدنيين. في ذلك اليوم، فُتح المعبر من الطرف التركي، ودخل حوالي 2000 شخص من سكان تل أبيض ومحيطها. علم الثورة السورية كان حاضراً في المشهد، على مأذنة جامع عمار، وفي ساحة البلدية، وعلى العديد من أعمدة الإنارة.

الوصول إلى ساحة البلدية، يُعيد إلى الذاكرة تنفيذ “داعش” لعمليات الإعدام فيها. هنا كان يوجد مركز “الحسبة”، وهناك فَتَحَ متجران أبوابهما لبيع المواد الاستهلاكية، وعلى رأسها السجائر التي تصدرت المشهد بعد حرمان طويل من قبل التنظيم.

الفرح والترقب والتوجس والخوف، كمزيج من المشاعر لدى سكان تل أبيض؛ بعضهم رفض التصوير أو حتى الحديث، خوفاً من عودة “داعش”، أو مخافة الحاجة للتنقل بين تل أبيض ومناطق تحت سيطرة التنظيم. ولكن الفرح كان بادياً على الوجوه، عند رؤيتهم لعلم الثورة الذي كان معنا، ولو أن التوجس من مستقبل ما زال غامضاً كان بادياً أيضاً.

أمام “مركز الحسبة” قال القائد العسكري لـ”لواء ثوار الرقة” أبو المثنى، إنهم يتطلعون لأن تكون تل أبيض عنواناً لمرحلة جديدة من حيث الإدارة المدنية عبر مجلس محلي مدني، يمثل أهاليها، بتنوع مكوناتهم. حيث أن غالبية سكان تل أبيض هم من العرب، وفيها نسبة قليلة من الأكراد والتركمان. أبو المثنى أكد أن هذا المجلس يجب أن يكون قائماً بالأساس على الكفاءات، معرباً عن أمله بأن يتم فتح المعبر بإدارة مدنية أيضاً، وأن يتم انشاء محكمة بطابع مدني قائم على حكم القانون، بعيداً عن نمط المحاكم الشرعية التي يرى فيها تجربة فاشلة.

مكثنا في تل أبيض حتى غروب الشمس، ولم نستطع التوجه للمناطق جنوبها، ولا إلى منطقة سلوك، كونها غير آمنة، كما أخبرنا عناصر في “الجيش الحر”. وخلال فترة تواجدنا في تل أبيض، لم نلاحظ ظواهر تشير إلى اعتداء على الممتلكات، كمشاهدة سيارات محمّلة بالأثاث أو المسروقات.

صباحاً، تتوجه المجموعة إلى المنطقة الواقعة بين عين العرب ومدينة جرابلس الواقعة تحت سيطرة تنظيم “الدولة”، والتي يفصل عنها نهر الفرات. تلك المناطق كانت قد انتزعت من سيطرة التنظيم، قبل حوالي أربعة شهور، وكَثُر حينها الحديث عن انتهاكات مورست فيها من قبل “وحدات حماية الشعب”. هناك سبع قرى عربية، خالية من السكان، وهي شيوخ “الشواخات” وخروس وكايدكدده وسيفيه ونصرو وبير حسو وقرة قوزاق وجعدة الصغيرة وتل الأحمر. وبعد نزوح المدنيين من تلك القرى نتيجة المعارك، لم يُسمح لهم بالعودة ويلاحظ في تلك المناطق احتراق مساحات كبيرة من المحاصيل والأشجار المثمرة. وتعتبر شيوخ وسيفيه و كايككدة ونصرو، حالياً، خطوط اشتباك، ونقاط رباط، وقد تسللت إليها قوات “داعش” من سيفيه والشيوخ، منذ أيام، تزامنا مع الهجوم على كوباني. فيما تُعتبر خروس وبير حسو وقرة قوزاق مناطق بعيدة عن خطوط الجبهات. وقد أفاد شهود بأن شيوخ وسيفيه قد تعرضتا أكثر من غيرهما، لحرق المحاصيل وتفجير بعض المنازل، وقامت “وحدات الحماية” بحصاد المحاصيل المتبقية. في المقابل، هنالك قرى عربية بالكامل كانت الحياة فيها طبيعية، والأسواق مفتوحة، ولم تتعرض لأي انتهاكات تُذكر، وخاصة في القبة والجعدة الكبيرة ومزارع تل الأحمر ومنطقتي القناية والحمدشات المختلطتين بين العرب والأكراد. تلك المناطق لم تكن خطوط اشتباك.

وفي الجهة الأخرى، تجدُ عند المرور بقرى كردية، أنها تعرضت لحرائق كبيرة طاولت الأشجار والمحاصيل، وهي قرى سيف علي والبياضية وجبنة وتعلك وزرك والعوينة وبندور وبيشكو ودربازة، بالإضافة لوجود العديد من المنازل المهجورة، حيث هناك مطلوبون أكراد متهمين بكونهم “أمنيون” لتنظيم “الدولة”. وهنالك من السكان من لم يعد لمنزله، بعد أن استقر في تركيا.

يصعُب التمييز بين الأراضي المحترقة في الأراضي الكردية والعربية، لأن السبب الأساسي للحرائق، هو الاشتباكات وقذائف الهاون، في حين تم تسجيل حالة واحدة منعت فيها “وحدات الحماية” المدنيين من إخماد الحرائق، بحسب شهادة أحد السكان.

ويمكن القول أننا أمام وضع معقد، فرضته الحرب والجغرافيا والديموغرافيا، ولكن ما يُمكن حسمهُ هو عدم وجود حالة تهجير عرقي، ولكن هناك واقعاً فرض نفسه بكل تداعياته، وهذا لا ينفي أبداً أن هناك انتهاكات حصلت. كما لا ينفي ذلك حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها أهالي هذه المناطق، والحاجة للعمل على صُعد عديدة؛ أولها دخول لجان تقصٍ دولية للحقائق، مؤهلة ومجازة ومحايدة، للبحث مطولاً في ما يجري، وهو الأمر الذي رحبت به القيادات السياسية لـ”وحدات حماية الشعب” وفق بيانها. كما ينبغي أن تترافق هذه اللجان مع وفود من المنظمات الإغاثية التي لم يُلحظ لها أثر في تلك المناطق.

أما الصعيد الأخر الذي ينبغي العمل عليه، هو السعي بين السوريين، لرآب الصدع، وتخفيف الاحتقان الملحوظ، في الفترة الأخيرة، نتيجة تصرفات الغلاة من العرب والأكراد، على حد سواء. وذلك عبر إطلاق مبادرات ووفود لزيارة تلك المناطق المنسية، من قبل الجميع. وربما ينبغي البدء من حكاية سارية المعبر، التي اكتسبت حساسية كبيرة؛ فرفع راية “وحدات حماية الشعب” على سارية معبر حدودي مقابل علم تركيا في الطرف الأخر، يعني أن هذا المعبر سيبقى مغلقاً حتى تُستبدل بعلم الثورة، أسوة بالمعابر الأخرى. وهو ما تعهد به قيادي كردي، في مقر “الإدارة الذاتية المؤقتة” لمدينة كوباني. وأشار القيادي إلى أن هذه الراية ستُنزل في غضون أسبوع -قد شارف على الانتهاء- ملمحاً إلى أن الهدف من رفعها لم يكن لإثارة مخاوف أهالي تل أبيض، بل لاستفزاز الحكومة التركية.

كما ينبغي العمل لجعل هذه المناطق الخارجة من عصر الظلام، تجربة رائدة في الإدارة المدنية الديموقراطية، وهذه المسؤولية تقع على عاتق جميع السوريين، وليست أبناء تل أبيض فقط. فأهل تل أبيض كانوا سباقين إلى تجربة المجالس المحلية، بتشكيل ثاني مجلس محلي بعد مجلس الزبداني بريف دمشق.

*توضيح: هذه شهادة شخصية، وليست توثيقاً للانتهاكات بالمعنى الحقوقي، وزيارة تل أبيض هي مبادرة فردية للاطلاع على الوضع قدر الإمكان.

السلطة الرابعة : علي دياب :  نقلاً عن موقع المدن

شارك